الأصوات البشرية (2)

يمكن الوصول للجزء الأول من المقال عبر هذا الرابط.

________________________________________________________________________

حروف الصحة

في الجزء الأول تحدثت باختصار عن أصوات العلة vowels وكيفية تصنيفها. الآن سأتحدث باختصار عن أصوات الصحة consonants.

أصوات الصحة (بخلاف أصوات العلة) يمكن أن تصدر من مناطق عديدة في المجرى الصوتي. الشكل التالي يبين المواضع المفصلية أو الرئيسية لإنتاج أصوات الصحة في اللغات البشرية.

palces of articulation

الباحثون يستخدمون عند الحديث عن مخارج أصوات الصحة مصطلحات شبيهة بالمصطلحات التي ذكرتها في المقال السابق حول أصوات العلة. مثلا أصوات الصحة التي تخرج من مقدمة الفم (الشفاه والأسنان واللثة والحنك الصلب) تسمى أصوات “أمامية”، والأصوات التي تخرج من منطقة الحنك الرخو والحلق تسمى أصوات “خلفية”.

الأصوات الوقفية والاحتكاكية

أصوات الصحة تصنف حسب شدة التضيق الذي يحصل عند النطق بها إلى صنفين أساسيين:

  • أصوات وقفية stops أو انفجارية plosives
  • أصوات احتكاكية fricatives

نطق الأصوات الوقفية أو الانفجارية يتطلب وقف جريان الهواء بالكامل ثم إطلاقه مجددا على شكل انفجار. هذه الأصوات تشمل مثلا الباء [b] (صوت وقفي شفهي bilabial stop) والتاء [] (صوت وقفي سني dental stop) والكاف [k] (صوت وقفي طبقي velar stop) والقاف [q] (صوت وقفي لهوي uvular stop) والهمزة [ʔ] (صوت وقفي مزماري glottal stop).

نطق الأصوات الاحتكاكية يتطلب تضييق مجرى الهواء إلى حد كبير دون وقفه كليا (لهذا السبب نطق هذه الأصوات يتطلب طاقة أقل من نطق الأصوات الانفجارية). من أمثلة الأصوات الاحتكاكية الفاء [f] (صوت احتكاكي شفهي-سني labiodental fricative) والثاء [θ] (صوت احتكاكي سني dental fricative) والخاء [x] (صوت احتكاكي طبقي velar fricative) والحاء [ħ] (صوت احتكاكي بلعومي pharyngeal fricative).

هناك فئة خاصة من الأصوات الاحتكاكية تسمى الأصوات الهسيسية sibilants (بالعربية تسمى ربما “الصفيرية”). هذه الأصوات تشمل السين [s] (صوت هسيسي لثوي alveolar sibilant) والشين [ʃ] (صوت هسيسي بعد لثوي postalveolar sibilant).

سيبويه سمى الأصوات الوقفية باسم “الحروف الشديدة”، وسمى الأصوات الاحتكاكية باسم “الحروف الرخوة”:

ومن الحروف الشديد وهو الذي يمنع الصوت أن يجرى فيه وهو الهمزة والقاف والكاف والجيم والطاء والتاء والدال والباء.
وذلك أنك لو قلت ألحج ثم مددت صوتك لم يجر ذلك.
ومنها الرخوة وهي: الهاء والحاء والغين والخاء والشين والصاد والضاد والزاي والسين والظاء والثاء والذال والفاء.
وذلك إذا قلت الطس وانقض وأشباه ذلك أجريت فيه الصوت إن شئت.

ما يقصده سيبويه هو أنك لو قلت “الطس” واستمررت في نطق الحرف الأخير (السين) فإن صوتك لن ينقطع (سوف تقول الطسسسسس إلى ما لا نهاية)، ولكن لو أنك قلت “ألحج” فإن صوتك سينقطع.

كلمة “ألحج” في هذا المثال لا تصلح في زمننا المعاصر لأن نطق حرف الجيم حاليا اختلف عما كان عليه في زمن سيبويه. لكي يستقيم المثال يجب على القارئ أن يلفظ الجيم باللفظ المشبع [g] (اللفظ المصري أو القاهري). لو أنك لفظت كلمة “ألحج” بالجيم المشبعة فإنك ستقول “ألحج” ولن تتمكن من مد الحرف الأخير (لن تتمكن من قول ألحججججج).

السبب هو أن الصوت [g] هو صوت وقفي يتطلب وقف تيار الهواء وتفجيره، بالتالي أنت ستكون مرغما على قطع صوتك عند النطق به. أما السين فهو صوت احتكاكي صفيري لا يتطلب وقف تيار الهواء، وبالتالي أنت تستطيع أن تمد هذا الصوت إلى ما لا نهاية (كما تمد حروف العلة عندما تقول مثلا aaaaa أو ooooo).

طريقة سيبويه تسمح للمرء بأن يميز بسهولة بين الأصوات الوقفية والاحتكاكية. أي صوت صحة يمكن مده هو صوت احتكاكي (مثلا فففففففف وخخخخخ وححححح)، وأي صوت صحة لا يمكن مده فهو صوت وقفي (مثلا الباء والتاء والكاف والقاف).

الأصوات المجهورة والمهموسة

من الأمور المهمة التي تميز الأصوات عن بعضها خاصية الجهر voicing.

معنى الجهر باختصار هو اهتزاز الحبال الصوتية عند النطق بالصوت.

لو أنك وضعت يدك على حنجرتك وقلت sssssss فلن تشعر باهتزاز في الحنجرة، ولكن لو قلت zzzzzzz فستشعر باهتزاز. السبب هو أن الصوت [s] هو غير مجهور voiceless، أما الصوت [z] فهو مجهور voiced.

الصوت [z] لا يختلف بشيء عن الصوت [s] سوى خاصية الجهر. كلا هذين الصوتين هما صوتان هسيسيان لثويان alveolar sibilant. هما يشتركان في المخرج وطريقة النطق ولكنهما يختلفان فقط في اهتزاز الحبال الصوتية.

كل حرف صحيح له شكلان مجهور وغير مجهور (مهموس). مثلا الشكل المجهور من التاء [] هو الدال []، والشكل المجهور من الكاف [k] هو الجيم المشبعة [g]. ما يلي قائمة بالحروف المجهورة وغير المجهورة في اللغة العربية (بعض الرموز المستخدمة في هذا الجدول هي رموز المستشرقين وليست رموز الأبجدية الصوتية الدولية):

وقفي

احتكاكي

غير مجهور

مجهور

غير مجهور

مجهور

شفهي

b ب

شفهي-سني

f ف

سني

t ت

d د

θ ث

ð ذ

لثوي

s س

z ز

خلف لثوي

š ش

طبقي

k ك

x خ

ɣ غ

لهوي

q ق

بلعومي

ḥ ح

ʕ ع

حنجري

ʔ أ

h هـ

من هذا الجدول يتبين أن حرف الباء العربي (المجهور) ليس له نظير غير مجهور /p/. أيضا حرف الفاء (غير المجهور) ليس له نظير مجهور /v/ . الدراسة المقارنة لللغات السامية تدل على أن حرف الفاء كان في الأصل النظير غير المجهور للباء (صوته الأصلي كان [p])، ولكن الساميين الجنوبيين غيروا صوته قديما إلى [f]، والعرب أخذوا هذه البدعة من الساميين الجنوبيين.

أيضا في الجدول حرف الكاف هو بلا نظير مجهور /g/. قديما كان هناك نظير مجهور للكاف هو حرف الجيم الذي كان يلفظ أصلا [g]، ولكن غالبية العرب غيروا لفظ هذا الحرف (اللفظ الأصلي المشبع [g] ما زال موجودا في بعض نواحي اليمن ومصر).

سيبويه كان يدرك الفرق بين الأصوات المجهورة وغير المجهورة (المهموسة):

فأما [الحروف] المجهورة فالهمزة والألف العين والغين والقاف والجيم والياء والضاد واللام والنون والراء والطاء والدال والزاي والظاء والذال والباء والميم والواو. فذلك تسعة عشر حرفاً.

وأما المهموسة فالهاء والحاء والخاء والكاف والشين والسين والتاء والصاد والثاء

فالمجهورة: حرفٌ أشبع الاعتماد في موضعه ومنع النفس أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد عليه ويجري الصوت.
[…]

وأما المهموس فحرفٌ أضعف الاعتماد في موضعه حتى جرى النفس معه وأنت تعرف ذلك.

إذا اعتبرت فرددت الحرف مع جري النفس. ولو أردت ذلك في المجهورة لم تقدر عليه. فإذا أردت إجراء الحروف فأنت ترفع صوتك إن شئت بحروف اللين والمد أو بما فيها منها. وإن شئت أخفيت.


هذا الكلام لسيبويه أثار جدلا بين المستشرقين والباحثين المعاصرين، لأنه يصنف حرفي القاف والطاء مع الحروف المجهورة، ولكن اللفظ الفصيح المعروف حاليا لهذين الحرفين هو غير مجهور.

كثير من المستشرقين والباحثين يشككون في كلام سيبويه في هذه المسألة ويعتبرون أنه خطأ، ولكن أنا بصراحة لم أقتنع بكلامهم. كلام سيبويه في المسائل الصوتية هو عموما صحيح ودقيق. لماذا نقبل بعض كلامه ونرفض بعضه الآخر دون مبرر؟

اللفظ الفصيح الحالي للقاف [q] هو ربما لفظ حميري الأصل، بدليل أن هذا اللفظ غير موجود لدى البدو. البدو عموما يلفظون القاف كالجيم المشبعة [g] (التي هي حرف مجهور)، وهذا يتناسب مع كلام سيبويه عن كون القاف مجهورة.

على الأغلب أن صوت القاف الذي يقصده سيبويه هو [ɢ] (صوت وقفي لهوي مجهور voiced uvular stop). هذا الصوت لا يختلف بشيء عن القاف الفصيحة سوى الجهر. هذا الصوت موجود حاليا في منطقة الخليج والسودان وبعض مناطق اليمن (وهو أيضا اللفظ الفارسي لحرف القاف العربي). الناس عندما يسمعون هذا الصوت يظنون أنه غين، ولكنه في الحقيقة ليس غينا. هذا الصوت هو صوت القاف الذي يقصده سيبويه. هذا الصوت تحول لدى البدو إلى [g] لأن الفرق بين الصوتين بسيط (مخرج [g] يقع إلى الأمام قليلا من مخرج [ɢ]).

في اليمن حاليا قراء القرآن يقرؤون القاف بصوت الجيم المشبعة وليس بالصوت [q].

في الحقيقة كل الأحرف التي يسميها المستشرقون “موكدة” emphatic (أي الطاء والظاء والصاد والضاد والقاف) هي مجهورة حسب سيبويه باستثناء الصاد. هذا يتناقض مع الوضع السامي الأصلي. الدراسة المقارنة لللغات السامية تدل على أن الأحرف الموكدة كانت في الأصل غير مجهورة، ولكن العرب على ما يبدو جهروها جميعها ما عدا الصاد.

في اللغة الفصيحة المعروفة حاليا القاف هي غير مجهورة كما قلنا، وأيضا الطاء هي غير مجهورة. سيبويه يقول أن الطاء مجهورة. هذا يعني أنها كانت تلفظ بنفس صوت الضاد الفصيحة المعروفة حاليا (الذي هو صوت الدال مع الإطباق [dˤ]). هذا الأمر في رأيي ليس غريبا. هل هناك من العرب حاليا من يلفظ الطاء بصوت مجهور يشبه صوت الضاد؟ أنا أظن أنني سمعت مثل هذا اللفظ من السودانيين. لو ثبت وجود هذا اللفظ فهو في رأيي اللفظ الذي يقصده سيبويه.

الأصوات اللينة

الأصوات الوقفية والاحتكاكية هي أشيع أنواع الأصوات الصحيحة، ولكن هناك أنواعا أخرى.

من هذه الأنواع ما يسمى approximants (الأصوات المقاربة؟)

أشهر هذه الأصوات هما صوتا الواو [w] والياء [j].

الفرق بين هذه الأصوات وبين الأصوات الاحتكاكية هو أن إنتاجها لا يتطلب تضييقا شديدا لمجرى الهواء.

لكي ننطق صوت الواو فإننا نقوم بضم الشفاه، ولكن مرور الهواء عبر الشفاه المضمومة لا يؤدي إلى خلخلة واضطراب هوائي كبير كما يحدث عند النطق بالأصوات الاحتكاكية (التي يتم فيها إمرار الهواء عبر ممر ضيق).

نفس الأمر ينطبق على صوت الياء الذي يتطلب رفع اللسان نحو الحنك الصلب (الغار)، ولكن التضييق هنا ليس شديدا.

الفرق بين هذه الأصوات وبين الأصوات الاحتكاكية يتعلق فقط بشدة التضييق في المجرى الصوتي.

هذه الأصوات تقع في منزلة وسط بين الأصوات الاحتكاكية وبين أصوات العلة. لهذا السبب هي كثيرا ما تسمى بالحروف الضعيفة weak letters ونحو ذلك من التسميات التي تدل على ضعفها وقربها من أصوات العلة.

سيبويه يسمي هذه الأصوات بالحروف اللينة:

ومنها اللينة وهي الواو والياء لأن مخرجهما يتسع لهواء الصوت أشد من اتساع غيرهما

كقولك: وأي والواو وإن شئت أجريت الصوت ومددت.


الأصوات التكرارية 

هذه الأصوات هي حالة خاصة لأنها لا تنشأ من تضييق مجرى الهواء ولكنها تنشأ من الاهتزاز عند موضع النطق.

المثال البارز هو حرف الراء [r] الذي ينشأ من اهتزاز طرف اللسان قرب اللثة.

هذه الأصوات تسمى trills.

الراء تسمى alveolar trill.

ما يلي هو وصف سيبويه للراء:

ومنها المكرر وهو حرفٌ شديد يجري فيه الصوت لتكريره وانحرافه إلى اللام فتجافى للصوت كالرخوة ولو لم يكرر لم يجر الصوت فيه. وهو الراء.

صوت الراء التكراري [r] يشيع في اللغات المحكية حول البحر المتوسط (كالعربية والإيطالية والإسبانية، وقديما اللاتينية). ولكن في وسط وغرب أوروبا هناك نزعة بدأت منذ قرون لإضعاف هذا الصوت والتخلص منه.
أولى مراحل إضعاف هذا الصوت هي بتحويله إلى ما يسمى alveolar flap (يكتب هكذا [ɾ]). هذا الصوت له نفس مخرج الراء التكرارية ولكن اللسان لا يهتز فيه وإنما يتقلص لوقف جريان الهواء بشكل وجيز. مبدأ هذا الصوت هو شبيه بمبدأ الأصوات الوقفية ولكنه أضعف، أي أنه يشبه الأصوات اللينة approximants.

المرحلة التالية تكون بتحويل هذا الصوت إلى صوت لين حقيقي، وهو ما يسمى alveolar approximant (يكتب هكذا [ɹ]). هذا الصوت هو صوت الحرف r كما يلفظ في اللغة الإنكليزية. هذا الصوت يختلف عن الراء العربية التكرارية. العرب عندما يتحدثون الإنكليزية ينطقون الحرف r بالصوت التكراري، وهذا يعطيهم لكنة غريبة. نفس الأمر يحصل عندما يتحدث متحدثو اللغة الإنكليزية اللغة العربية—هم ينطقون الراء العربية بالصوت الإنكليزي اللين [ɹ]، وهذا ما يعطيهم لكنة غريبة.

الصوت اللين [ɹ] يشبه صوت الياء ولكن مخرجه يقع إلى الأمام—عند اللثة بدلا من الحنك الصلب.

المرحلة التالية في تطور الحرف r هي بتحويله إلى صوت علة حقيقي، أي عمليا إسقاطه من الكلام. هذه المرحلة حصلت في ولاية Massachusetts الأميركية (الناس هناك لا ينطقون الحرف r مطلقا)، وأظن أن نفس هذا التطور حصل في بريطانيا ومناطق أخرى.

من الممكن أن اللفظ اللين [ɹ] هو الذي أنتج اللفظ الشبيه بصوت الغين [ʁ] الذي يسود حاليا في فرنسا وألمانيا.

الأصوات الجانبية

الأصوات الاحتكاكية واللينة تقوم على مبدأ إمرار الهواء عبر ممر ضيق.

في الفم هذا الممر يكون عادة في وسط اللسان، ولكن في بعض الأصوات يتم إمرار الهواء على جانب اللسان وليس وسطه.

مثل هذه الأصوات تسمى الأصوات الجانبية lateral consonants.

الرسم التالي يبين الفرق بين الأصوات المركزية والجانبية.

lateral and medial consonants

أشهر مثال على الأصوات الجانبية هو صوت اللام [l] الذي يوصف بأنه صوت لين جانبي لثوي alveolar lateral approximant.

سيبويه سمى اللام بالحرف المنحرف:

ومنها المنحرف وهو حرفٌ شديد جرى فيه الصوت لانحراف اللسان مع الصوت ولم يعترض على الصوت كاعتراض الحروف الشديدة وهو اللام. وإن شئت مددت فيها الصوت. وليس كالرخوة لأن طرف اللسان لا يتجافى عن موضعه. وليس يخرج الصوت من موضع اللام ولكن من ناحيتي مستدق اللسان فويق ذلك.

حاليا صوت اللام هو الصوت الجانبي الوحيد المألوف لدى العرب، ولكن في السابق كانت هناك أصوات جانبية أخرى.

حرف الضاد كان يلفظ بصوت جانبي في العصر الإسلامي الباكر، وهذا ما ذكره سيبويه وغيره:

ومن بين أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس مخرج الضاد.

حسب سيبويه فإن مخرج الضاد هو “من بين أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس”. هذا الكلام لا علاقة له بلفظ الضاد المعروف حاليا (سواء اللفظ الفصيح [dˤ] أم البدوي [ðˤ])، ولكنه ينطبق على صوت جانبي.

سيبويه عدّ الضاد مع الأحرف الرخوة، أي الاحتكاكية. اللفظ الفصيح المعروف حاليا للضاد [dˤ] هو وقفي وليس احتكاكيا، ولكن اللفظ البدوي (الشبيه بالظاء [ðˤ]) هو احتكاكي.

سيبويه كان يدرك الشبه بين الضاد واللام:

لأن الضاد استطالت لرخاوتها حتى اتصلت بمخرج اللام.

بقية اللغويين القدماء تحدثوا عن الضاد وكلامهم يوافق كلام سيبويه. هم قالوا أن صوت الضاد كان في زمانهم مهددا بالانقراض وأن كثيرا من الناس يبدلون الضاد بالظاء (وهو المشاهد الآن لدى البدو).

بالنسبة لللغويين القدماء صوت الضاد كان صوتا غريبا وصعب اللفظ. من هنا جاءت تسمية اللغة العربية بلغة الضاد، لأن هذا الصوت كان أغرب صوت فيها من وجهة نظر القدماء.

أنا الآن لا أريد أن أخوض في تاريخ حرف الضاد، ولكن باحثي اللغات السامية متفقون على أن حرف الضاد كان في الأصل حرفا جانبيا، وكثيرون يرون أنه كان في الأصل حرفا احتكاكيا جانبيا غير مجهور [’ɬ]. هذا الصوت تحول في اللغة العربية إلى صوت احتكاكي جانبي مجهور [ɮ]، وهذا الصوت هو تحديدا الذي يقصده سيبويه واللغويون القدماء.

هذا الصوت [ɮ] اندمج خلال العصر الإسلامي مع صوت الظاء [ðˤ]، وفي اللهجات المدينية صوت الظاء تحول إلى صوت الضاد الفصيح المعروف حاليا (والذي هو بعيد جدا عن صوت الضاد القديم الذي وصفه سيبويه).

حرف الشين كان في الأصل حرفا جانبيا كالضاد. هو كان النسخة غير الموكدة من الضاد [ɬ]. ولكن كلام سيبويه يوحي بأن الشين فقدت طبيعتها الجانبية في اللغة العربية منذ ما قبل الإسلام. اللفظ الجانبي الأصلي للشين ما يزال موجودا اليوم عند المهرة وأمثالهم من سكان جنوب الجزيرة العربية.

الأصوات الأنفية

الأصوات الأنفية nasals هي الأصوات التي تخرج من الأنف والفم في آن واحد. أبرز الأمثلة هي النون [n] والميم [m].

ما يلي قول سيبويه:

ومنها حرفٌ شديد يجري معه الصوت لأن ذلك الصوت غنةٌ من الأنف فإنما تخرجه من أنفك واللسان لازم لموضع الحرف لأنك لو أمسكت بأنفك لم يجر معه الصوت. وهو النون وكذلك الميم.

الأصوات الأنفية لا يشترط أن تكون وقفية بل يمكن أن تكون احتكاكية أو أي صوت آخر. حتى أصوات العلة يمكن أن تكون أنفية (أصوات العلة الأنفية معروفة في اللغة الفرنسية، وإلى حد ما أيضا في لهجة دمشق).

أي صوت لو تم إخراج جزء منه من الأنف يصبح أنفيا. اللفظ الأنفي على ما أظن هو شبيه بالنطق الثانوي.

الأصوات المركبة الوقفية-الاحتكاكية

هذا النوع من الأصوات شائع جدا. تسميته الأجنبية هي affricates، ولكنني لا أعرف ما هي الترجمة العربية المناسبة.

هذه الأصوات هي باختصار أصوات مركبة وقفية-احتكاكية. الصوت الوقفي في الحالة الطبيعية ينتهي بمجرد أن يحدث الانفجار، ولكن في هذه الأصوات هناك تيار هوائي يستمر في التدفق بعد الانفجار، والنتيجة هي أن الصوت يبدأ كصوت وقفي ولكنه يستمر بعد ذلك كصوت احتكاكي.

من أمثلة هذه الأصوات الصوت [t͡ʃ] المركب من التاء اللثوية [t] والشين [ʃ]. هذا الصوت هو الصوت الأول في كلمة child الإنكليزية، وهو صوت الحرف ç في التركية، وصوت ch في الإسبانية. هذا الصوت يحل في بعض اللهجات العربية محل الكاف، خاصة عندما تكون متبوعة بالكسر.

الصوت [d͡ʒ] هو النسخة المجهورة من [t͡ʃ]. الصوت [d͡ʒ] هو مركب من الدال اللثوية [d] ومن الصوت [ʒ] (النسخة المجهورة من الشين، صوت j في الفرنسية و ژ في الفارسية). الصوت [d͡ʒ] هو صوت حرف الجيم في معظم اللهجات العربية، وصوت الحرف c في التركية، و ج في الفارسية، و j  في الإنكليزية في معظم الكلمات.

الصوت [ʒ] هو نادر في العربية حاليا ولكنه كان موجودا قبل قرون كلفظ لحرف الجيم لدى بعض القبائل البدوية. هذا الصوت هو قريب جدا من صوت الشين (الفرق هو فقط في الجهر). لهذا السبب نجد في بعض اللهجات العربية تبديلا بين الجيم والشين. مثلا في دمشق الناس يقولون “وشّ” بدلا من “وجه” (في حلب الناس يقولون “وجّ”). هناك كلمات عديدة في لهجة دمشق يتم فيها إبدال الجيم بالشين، وأحيانا حتى يتم إبدال الجيم بالزين (مثلا “يتزوز” بدلا من “يتزوج”). هذه الظواهر تدل على أن لفظ الجيم في لهجة دمشق قديما كان [ʒ]، أو أن هذه الكلمات هي دخيلة أتت إلى دمشق من البادية.

كلمة “وش” هي موجودة أيضا في القاهرة رغم أن الناس هناك يلفظون الجيم بالإشباع. هذا يوحي بأن هذه الكلمة وأمثالها ربما تكون دخيلة من البادية.

من الأصوات المركبة المهمة أيضا الصوت [t͡s] (مركب من التاء والسين)، ونظيره المجهور [d͡z] (مركب من الدال والزاي). الصوت [t͡s] يحل في بعض اللهجات العربية محل الكاف، خاصة عندما تكون متبوعة بالكسر.

ميزان الأصوات

فيما سبق أنا ذكرت أن الفرق الأهم بين الأصوات من حيث كيفية النطق هو شدة التضيق الذي تحدثه هذه الأصوات في المجرى الصوتي.

الأصوات التي تحدث تضيقا كبيرا في المجرى الصوتي وتتسبب في عرقلة مرور تيار الزفير تستهلك طاقة أكثر من غيرها.

أكثر الأصوات استهلاكا للطاقة هي الأصوات الوقفية stops أو الانفجارية plosives، لأن إصدار هذه الأصوات يتطلب وقفا تاما لتيار الهواء ومراكمة للضغط ثم تفجير هذا الضغط.

في المرتبة الثانية تأتي الأصوات المركبة affricates التي يتطلب إصدارها أيضا وقفا تاما لتيار الهواء.

بعد ذلك تأتي الأصوات الاحتكاكية fricatives التي يتطلب إصدارها إمرار تيار الهواء عبر ممر ضيق.

ثم تأتي الأصوات الأنفية nasals التي يتطلب إصدارها إمرار جزء من تيار الهواء عبر الأنف.

ثم تأتي الأصوات التي تسمى trills و flaps التي ذكرت أمثلة عنها في الأعلى عندما تحدثت عن نطق الحرف r.

ثم تأتي الأصوات التي تسمى approximants والتي تشمل الواو والياء واللام.

وأخيرا تأتي أصوات العلة vowels.

هذا هو ترتيب الأصوات البشرية من حيث شدة التضيق الذي تحدثه في المجرى الصوتي.

هذا الترتيب يسمى sonority scale. الترجمة التقريبية لهذا المصطلح هي “ميزان الأصوات”.

أصوات العلة تعتبر “أضعف” الأصوات على هذا الميزان، والأصوات الوقفية تعتبر “أقوى” الأصوات.

الأصوات المجهورة voiced هي دائما أضعف من الأصوات غير المجهورة voiceless، لأن لفظ الصوت دون جهر يتطلب إطلاق كمية أكبر من الهواء من الحنجرة.

sonority scale
sonority scale

تقليديا كل الأصوات على هذا الميزان ما عدا أصوات العلة تصنف تحت مسمى consonants، ولكن باحثي الصوتيات يستخدمون تقسيمات أخرى أيضا.

أحد هذه التقسيمات هو تقسيم الأصوات إلى sonorants و obstruents.

كلمة obstruents تشمل stops و fricatives و affricates، وكلمة sonorants تشمل الأصوات الأخرى (من nasals وحتى vowels).

الأصوات التي تدخل تحت مسمى sonorants هي في العادة دائما مجهورة voiced، ومن النادر أن ترد هذه الأصوات دون جهر. أما الأصوات المسماة obstruents فيمكن أن تأتي غير مجهورة.

التقوية والتضعيف

عندما يتغير صوت على ميزان الأصوات فإن باحثي اللغويات المقارنة يصفون ذلك بمصطلحات من قبيل “التقوية” و”التضعيف”.

إزالة الجهر devoicing هي مثال على التقوية fortition. مثلا في اللغة التركية الحرف الصحيح الأخير من كل كلمة لا بد أن يكون غير مجهور. لهذا السبب كلمة “كتاب” العربية أصبحت في التركية kitap (الحرف الأخير أصبح غير مجهور p بدلا من الحرف الأصلي المجهور b). اسم “مراد” العربي أصبح في التركية Murat (الحرف الأخير أصبح غير مجهور t بدلا من الحرف الأصلي المجهور d).

إزالة الجهر من أواخر الكلمات هي ظاهرة منتظمة في اللغة التركية. هذه الظاهرة هي مثال على التقوية.

مثال آخر على التقوية هو تحويل الأصوات الاحتكاكية إلى أصوات وقفية. هذه الظاهرة حدثت في العديد من اللهجات العربية (تحويل الثاء إلى تاء والذال إلى دال والظاء إلى ضاد).

التضعيف lenition هو عكس التقوية. تضعيف الأصوات هو أشيع في اللغات البشرية من تقويتها، وهذا أمر مفهوم لأن الناس لهم مصلحة في تسهيل الكلام وليس تصعيبه. التقوية تحدث عادة لأسباب صوتية أو نحوية، أما التضعيف فهو يحدث في كثير من الأحيان دون سبب. السبب فقط هو تسهيل النطق.

من الأمثلة الشائعة للتضعيف تحويل الأصوات الوقفية إلى احتكاكية، وهذا كثيرا ما يتم عبر مرحلة انتقالية هي الأصوات المركبة affricates.

مثلا الحرف اللاتيني c كان في الأصل يلفظ كالكاف، ولكنه في اللغات الأوروبية المعاصرة أصبح يلفظ [t͡ʃ] أو [t͡s] أو [s]. نفس الظاهرة حدثت مع حرف الكاف العربي الذي صار يلفظ في كثير من اللهجات بمثل هذه الأصوات.

الجهر voicing هو أيضا مثال على التضعيف. مثلا كلمة “ركض” صارت تلفظ في سورية ragad بجهر الحرف الأوسط.

المصادر

ويكيبيديا ومصادر أخرى.

6 thoughts on “الأصوات البشرية (2)

    • أهلا بك… لدى موضوع ضخم عن تاريخ الساميين وأصلهم كتبته قبل سنة ولم أكمله للأسف… ولكن في المستقبل لا بد أنني سأكمله وأنشره…

      الساميون يشملون العبريين والآراميين وغيرهم… وهؤلاء تاريخيا لم يكونوا يسمون عربا… كلمة عرب هي تسمية قديمة لها معنى محدد ولا يصح الآن أن نعممها ونغير معناها…

      • هاني انت رائع …و مقالاتك انا مدمن عليها …هل قرات كتاب تاريخ سوريا القجيم للياحث الدكتور احمد داوود؟؟؟
        العربية الفصحى و السريانية و العبرية كلها لهجات للغة واحدة هي اللغة العربية .. وليست منفصلة عن بعضها

  1. بخصوص حرف الضاد هذه لفتة مهمة فعلاً.. يبدو أن الحرف الذي ننطق به اليوم شبيها بالدال المفخمة ليس هو الضاد عند العرب القدماء، ولو كان هو نفسه عندهم لما كان هناك داع لأن توصف به اللغة العربية، فالدال المفخمة = الضاد يمكن أن نجدها في التركية أو حتى في الإنكليزية.
    لاحظت أن قراء القرآن الأتراك يحاولون بصعوبة استعادة طريقة اللفظ كما في المصادر اللغوية العربية القديمة لكنها محاولة لا تلقى قبولاً لدى العربي الذي يعتقد أنه أدرى بلغته!!

    • شكرا لك على التعليق أخي…

      حتى الضاد العربية القديمة هي ليست حكرا على اللغة العربية… صحيح أنها صوت نادر ولكنها موجودة في لغات أخرى… ميزتها أنها كانت في العصر الإسلامي الباكر على وشك الانقراض، وقليل من العرب كانوا يلفظونها بالصوت الصحيح… هذا تحديدا هو السبب الذي جعلها تكتسب الشهرة (والله أعلم، لأن هذه في النهاية هي مجرد نظرية لا أقطع بصحتها).

      تحياتي لك…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s