الأصوات البشرية (1)

الأصوات التي يصدرها البشر تدرس في علم يسمى الفونيطيقا phonetics (بالعربية يسمى ربما “الصوتيات”)، والذي هو فرع من علم “اللغويات” أو “اللسانيات” linguistics.

علم الفونيطيقا phonetics يختلف عن الفونولوجيا phonology من حيث أنه يدرس الأصوات البشرية بشكل عام وبغض النظر عن كيفية استخدامها في اللغات المختلفة. الفونولوجيا تدرس الأصوات حسب استخدامها في اللغات المختلفة.

في الفونيطيقا هناك فرع يسمى الفونيطيقا النطقية articulatory phonetics. هذا الفرع يميز بين الأصوات البشرية حسب كيفية نطقها، وهو ما سأتحدث عنه الآن.

مصدر الأصوات البشرية

طريقة إنتاج الأصوات البشرية معروفة. هي تنتج بسبب مرور الهواء المزفور في المجرى الصوتي vocal tract (الذي هو نفسه المجرى التنفسي العلوي upper respiratory tract الذي يبدأ من الحنجرة وينتهي في الفم والأنف). الهواء المزفور يخرج من الرُّغامى trachea (القصبة الهوائية) التي في الصدر نحو الحنجرة والبلعوم في الحلق ثم نحو الفم والأنف. تيار الهواء أثناء مروره في تضيقات هذا المجرى يتعرض للخلخلة أو الاضطراب turbulence، وهذه الخلخلة أو الاضطراب هي سبب الصوت البشري الذي يصدر من الفم أو الأنف (الصوت بالتعريف الفيزيائي هو عبارة عن موجة من الخلخلة التي تنتشر عبر الهواء إلى أن تصطدم بطبلة الأذن فيسمعها الإنسان).

طريقة النطق

أهم عامل في إنتاج الأصوات البشرية هو التضيقات في المجرى الصوتي.

التضيقات في المجرى الصوتي هي نوعان:

  • تضيقات لا يمكن للإنسان أن يتحكم بها إراديا: هذه التضيقات لا تلعب دورا في إنتاج الكلام ولكنها مسؤولة عن الصوت الذي ينتج أثناء الشهيق والزفير والنفخ والسعال ونحو ذلك.
  • تضيقات يمكن للإنسان أن يتحكم بها إراديا: هذا النوع من التضيقات هو الذي ينتج أصوات الكلام.

الإنسان لديه القدرة على إحداث عدد كبير من التضيقات الإرادية في مختلف أجزاء المجرى الصوتي، وهذا هو سبب كثرة الأصوات الكلامية التي يستطيع البشر إنتاجها.

الباحثون الصوتيون يصنفون الأصوات الكلامية وفق معيارين أساسيين:

  • طريقة النطق manner of articulation
  • موضع النطق place of articulation

 

palces of articulation
مواضع النطق

معنى “طريقة النطق” هو باختصار شدة التضيق في المجرى الصوتي عند إنتاج الصوت.

هناك تقسيمات عديدة يستخدمها الباحثون للتمييز بين الأصوات حسب طريقة نطقها. أهم وأشهر هذه التقسيمات هو التقسيم الكلاسيكي الذي يقسم الأصوات إلى نوعين:

  • أصوات صحيحة consonants: هي الأصوات التي يرافقها إغلاق المجرى الصوتي كليا أو جزئيا.
  • أصوات عليلة vowels: هي الأصوات التي لا يرافقها إغلاق المجرى الصوتي.

في كلتا الحالتين هنا تضيق في المجرى الصوتي (لولا التضيق لما كان هناك صوت)، ولكن الفرق هو أن نطق الأصوات الصحيحة يؤدي إلى إغلاق المجرى الصوتي بحيث يتوقف تيار الهواء عن الجريان لبرهة من الزمن.

sounds

ملاحظة حول ترجمة كلمة consonant

كلمة consonant ليس لها ترجمة واضحة في اللغة العربية. كل شخص يترجم هذه الكلمة على هواه، وأنا بصراحة لم أر أية ترجمة مقنعة.

كثيرون يترجمون هذه الكلمة إلى “صوت صامت”. أنا حاولت أن أعرف ما هو أصل هذا المصطلح ولكنني لم أتمكن من ذلك. هذا المصطلح لم يرد في كتاب سيبويه. سيبويه يستخدم في كتابه كلمة “حروف” بمعنى consonants، لأن أصوات العلة في علم اللغويات العربي لا تعتبر من أحرف الهجاء (تسمى “حركات”). لهذا السبب سيبويه عندما يستخدم كلمة “حروف” فهو يقصد حصرا ما يسميه الأوروبيون consonants.

الاستثناء الوحيد هو الألف الممدودة (التي تكتب بدون همز). هذه الألف هي حرف علة ولكن سيبويه رغم ذلك اعتبرها من “الحروف”، ولكنه ميزها عن بقية الحروف:

ومنها [أي من الحروف] الهاوي، وهو حرفٌ اتسع لهواء الصوت مخرجه أشد من اتساع مخرج الياء والواو لأنك قد تضم شفتيك في الواو وترفع في الياء لسانك قبل الحنك، وهي الألف.

سيبويه أطلق على الألف الممدودة مسمى “حرف هاوٍ”، وحسب التعريف الذي ذكره فإن الحرف الهاوي هو نفس ما يسميه الأوروبيون vowel، ولكن لا أحد من العرب حاليا يستخدم كلمة “حرف هاو” كترجمة لـ vowel.

باختصار سيبويه لا يعلم بوجود شيء اسمه “الصوت الصامت”، وأنا بصراحة أشك في وجود هذا المصطلح لدى أحد من اللغويين القدماء. ما يبدو لي هو أن مصطلح “الصوت الصامت” هو مصطلح حديث العهد.

كلمة “الصوت الصامت” لا علاقة لها بمعنى كلمة consonant. أقرب شيء لكلمة “الصوت الصامت” هو ما يسمى silent letter، أي الحرف الذي يكتب ولا يلفظ. أما كلمة consonant فلا أدري ما هو الرابط بينها وبين الصمت. كلمة consonant هي مركبة من -con التي تعني “مع” ومن sonare التي تعني “صوت”، أي أن معناها الحرفي هو نقيض معنى “الصوت الصامت”.

كلمة “الصوت الصامت” هي مثال رائع على ما يسميه الأوروبيون oxymoron. هي عبارة عن مصطلح غبي ذو تركيب متناقض (كيف يكون الصوت صامتا؟)

لو كان مصطلح “الصوت الصامت” حديث العهد فمن الممكن في رأيي أن هذا المصطلح نشأ بسبب اللبس بين كلمتي consonant و constant. الكلمة الثانية تعني “ثابت”، ومن الممكن أن بعض الناس المعاصرين توهموا وجود علاقة بين الكلمتين ومن هنا نشأ مصطلح “الصوت الصامت” كترجمة لـ consonant. هذه الترجمة هي خاطئة جدا. هي بعيدة جدا عن معنى كلمة consonant سواء من الناحية التاريخية أم من ناحية المفاهيم المعاصرة.

أنا أستخدم كلمة “الصوت الصحيح” أو “صوت الصحة” كترجمة لـ consonant. هذه الترجمة هي نقيض لمصطلح “الصوت العليل” أو “صوت العلة” الذي يستخدم كترجمة لـ vowel. طالما أن vowel هو صوت عليل فإذن consonant هو صوت صحيح. أنا قرأت هذه الترجمة في إحدى صفحات الإنترنت ولكنني لا أدري إن كان مؤلف الصفحة اخترعها من عنده أم أنه نقلها عن القدماء. هي حتما أفضل من مصطلح “الصوت الصامت”.

أصوات العلة

أصوات العلة تنتج دون إغلاق المجرى الصوتي ومع انسياب مستمر لتيار الزفير. هذه الأصوات هي أضعف الأصوات الكلامية البشرية، أي أن النطق بها يتطلب قدرا أقل من الطاقة مقارنة بأصوات الصحة.

نطق أصوات العلة حسب علمي يتم حصرا في الفم، أي أن مكان النطق place of articulation لأصوات العلة هو دائما في الفم. اللسان هو العضو المسؤول عن إنتاج أصوات العلة.

الباحثون يصنفون أصوات العلة حسب وضعية اللسان أثناء النطق بها وفق بعدين:

  • البعد الأول: أعلى وأسفل

أصوات العلة تصنف حسب ارتفاع اللسان أثناء النطق بها إلى أصوات “عالية” أو “مغلقة” (لأن اللسان يغلق الفم أثناء النطق بها) وأصوات “منخفضة” أو “مفتوحة”. الرسم التالي من ويكيبيديا يبين ارتفاع الفم أثناء النطق ببعض أصوات العلة الشائعة:

الصوت [a] هو أخفض أصوات العلة أو أكثرها انفتاحا، لأن اللسان عند النطق بهذا الصوت يكون في أخفض وضعية ممكنة.

أما الصوت [i] فهو أعلى أصوات العلة أو أكثرها انغلاقا، لأن اللسان عند النطق بهذا الصوت يكون في أعلى وضعية ممكنة. ما ينطبق على الصوت [i] هنا ينطبق أيضا على الصوت [u].

الصوتان [ɛ] و[e] هما صوتان وسطيان بين [a] و[i]. أيضا الصوتان [ɔ] و[o] هما صوتان وسطيان بين [a] و[u].

  • البعد الثاني: أمام وخلف

أصوات العلة تصنف أيضا إلى أصوات “أمامية” و”خلفية” حسب موضع اللسان في الفم أثناء النطق بها. الصوت [a] هو صوت وسطي، بمعنى أن اللسان عند النطق به يكون تقريبا في وسط الفم على المحور الأمامي-الخلفي، أما الصوت [i] فهو صوت أمامي، بمعنى أن اللسان عند النطق به يكون في مقدمة الفم، والصوت [u] هو صوت خلفي، بمعنى أن اللسان عند النطق به يكون في مؤخرة الفم.

هذا الرسم التبسيطي يوضح مواقع أصوات العلة “القصوى”:

vowels

الصوت [i] هو أمامي مرتفع (مغلق).

الصوت [u] هو خلفي مرتفع (مغلق).

الصوت [a] هو وسطي منخفض (مفتوح).

بقية أصوات العلة تتوزع بين هذه الأصوات الثلاثة القصوى. مثلا الصوتان [ɛ] و[e] هما صوتان أماميان وسطيان، والصوتان [ɔ] و[o] هما صوتان خلفيان وسطيان.

هذا الرسم هو تبسيطي. الرسم الحقيقي الذي يستخدمه باحثو الفونيطيقا هو كما يلي (من ويكيبيديا):

IPA_vowel_chart

أصوات العلة الظاهرة على هذا الرسم تسمى cardinal vowels (أصوات العلة المفصلية أو الرئيسية).

على هذا الرسم هناك رمزان في كل موضع من مواضع النطق. مثلا في الموضع الأمامي الأعلى هناك رمزان هما [i] و[y]. الفرق بين الرمزين يتعلق بوجود أو عدم وجود الاستدارة roundness.

الاستدارة تعني ضم الشفتين عند نطق الصوت. الصوت [y] هو نفس الصوت [i] ولكن مع ضم الشفتين. الصوت [y] موجود في العديد من اللغات (مثلا الحرف ü في التركية والألمانية، والحرف u في الفرنسية، والحرف y في اللاتينية الكلاسيكية).

الرمز الموجود على اليمين عند كل موضع على الرسم يعني الصوت المستدير، والرمز الموجود على اليسار يعني الصوت غير المستدير. الأصوات الخلفية (مثلا [u] و[o]) هي مستديرة في أغلب اللغات لأن مخرج هذه الأصوات قريب من مخرج الواو (الاستدارة تشبه النطق بالواو). طبعا في اللغة العربية الصوت [u] هو صوت الضمة (صوت خلفي مرتفع مستدير)، والصوت [i] هو صوت الكسرة (صوت أمامي مرتفع غير مستدير).

الاستدارة والنطق الثانوي

الاستدارة هي فرع من ظاهرة أعم يسميها علماء الفونيطيقا “النطق الثانوي” secondary articulation.

المقصود بالنطق الثانوي هو باختصار نطق صوتين في آن واحد. الصوت [y] هو في الحقيقة مركب من صوتين هما [i] وصوت قريب من صوت الواو. عندما ننطق هذين الصوتين في آن واحد فإننا نحصل على [y].

الأصوات الكلامية تنتج كما قلنا بسبب التضيق في المجرى الصوتي. معنى ظاهرة “النطق الثانوي” هو أن يكون هناك أكثر من تضيق في المجرى الصوتي في آن واحد. هذه الظاهرة ليست خاصة بأصوات العلة فقط بل هي شائعة أيضا في أصوات الصحة (كما سنرى لاحقا).

أصوات العلة الوسطية في اللغة العربية

اللغة العربية الفصيحة فيها ثلاثة أصوات علة هي الأصوات القصوى الثلاثة التي ذكرتها في الأعلى [a] و[i] و[u].

اللهجات العربية المحكية فيها أصوات أخرى عديدة إلى جانب هذه الأصوات. أهم هذه الأصوات هما الصوتان [e] و[o] اللذان يحلان محل [ay] و[aw] في معظم اللهجات.

هناك في اللهجات المحكية أيضا أصوات علة وسطية. أصوات العلة الوسطية هي كثيرة، ولكن يمكن ببساطة اختصار هذه الأصوات بالرمز /ə/ (الذي يسمى schwa، وهي كلمة عبرية الأصل).

الصوت الوسطي /ə/ يظهر مثلا في اللهجة الحلبية والدمشقية في كلمات من قبيل “وقت” (تلفظ /waʔət/ بدلا من اللفظ الفصيح /waqt/).

 

الألوفون والفونيم

مثال: حرف القاف في بعض اللهجات العربية يمكن أن يلفظ بصوتين مختلفين، الصوت الأول هو كالقاف الفصيحة [q]، والصوت الثاني هو الجيم المشبعة [g]. في هذه اللهجات لو أنني بدلت بين الصوتين [q] و [g] في كلمة معينة فهذا لن يغير معنى الكلمة. في هذه الحالة نقول عن الصوتين [q] و [g] أنهما ألوفونان allophones لفونيم phoneme واحد.

بالمصطلحات العربية التقليدية يمكننا أن نقول أن الفونيم هو حرف واحد يلفظ بأكثر من صوت، والألوفونات هي الأصوات المختلفة التي يمكن أن يلفظ بها حرف واحد.

الفونيم يكتب عادة بين علامتي / /، وأما الصوت (الفون phone) فيكتب بين علامتي [ ]. مثلا في المثال الأخير حرف القاف يكتب هكذا /q/. هذه الكتابة لا تعني بالضرورة أن القاف تلفظ باللفظ الفصيح [q]. الفونيم /q/ له صوتان مختلفان أو ألوفونان مختلفان هما [q] و[g].

 

ملاحظة

في الأبجدية الصوتية الدولية أصوات العلة الممدودة تكتب بإضافة علامة [ː]، مثلا الألف الممدودة تكتب هكذا [aː].

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s