مصطلحات هدامة في الإعلام عند الحديث عن المسيحيين

عندما يتحدث الإعلام عن التركيب السكاني لمنطقة الجزيرة فإن المكونات السكانية كثيرا ما تعدد على هذا النحو: الأكراد، العرب، المسيحيون.

هذا التعداد ليس خاطئا في منطقة الجزيرة، لأن المسيحيين في الجزيرة هم فئة إثنية منفصلة عن العرب.

ولكن المشكلة في هذا التعداد هي أنه ربما يؤثر سلبا على ثقافة مناطق أخرى في البلاد.

المسيحيون في حمص والساحل ودمشق (ولبنان أيضا) هم ليسوا فئة إثنية منفصلة عن العرب، وبالتالي في هذه المناطق لا يمكننا أن نعدد السكان هكذا: عرب ومسيحيون.

لو ميزنا بين العرب والمسيحيين في هذه المناطق فهذا يعني أن كلمة “عرب” أصبحت مردافا للمسلمين، وهذا يتناقض مع المفهوم التقليدي لكلمة عرب.

بالنسبة لحلب فأنا لا أعرف ما هي النسب الدقيقة للسكان هناك، ولكن المسيحيين في حلب يضمون فئة كبيرة من السريان الذين تعود أصولهم لمنطقة الجزيرة (وهناك أيضا الأرمن). بالتالي المسيحيون في حلب ليسوا جميعا عرب وفق التصنيف الإثني، ولكن العرب هم الفئة الأقدم بين مسيحيي حلب.

يجب على الإعلام عندما يتحدث عن سورية أن يتجنب التمييز بين العرب والمسيحيين. هذا التمييز هو أحيانا صحيح، ولكنه في أحيان أخرى غير صحيح. تجنبا للبس يجب الإقلاع عن هذا التمييز.

بالنسبة لسكان الجزيرة فهم كما يلي: أكراد وعرب وسريان.

كلمة سريان يجب أن تستخدم بدلا من مسيحيين. هذه الكلمة هي أفضل من كل النواحي.

طبعا بالنسبة للسريان في الجزيرة فهناك الآن مشكلة ما يسمى بالآشوريين.

هناك فئة من السريان في الجزيرة تسمي نفسها “آشوريين”.

أنا الآن لا أريد أن أخوض في أصل هذه التسمية، ولكنني فقط سأسرد النقاط التالية:

  • كلمة “آشوريين” كتسمية لفئة من السريان لم تكن مستخدمة مطلقا في أية لغة من لغات العالم قبل القرن 19.
  • التسمية التاريخية في كل لغات العالم لما يسمى حاليا بالآشوريين هي “السريان” (تحديدا “السريان النساطرة”).
  • الآشوريون الجدد هم ليسوا فئة إثنية منفصلة عن بقية السريان. من الناحية الإثنية هم كانوا وما زالوا لا يختلفون عن بقية السريان.
  • الفرق الوحيد بين الآشوريين الجدد وبين بقية السريان هو الكنيسة التي يتبعونها، والتي كانت تسمى تاريخيا بالكنيسة النسطورية.

 

تسمية “الآشوريين” أطلقت على السريان النساطرة لأول مرة في القرن 19 تحت تأثير من المستكشفين والمبشرين البريطانيين.

الهدف من إطلاق هذه التسمية عليهم كان محاولة فصلهم عن محيطهم وإيجاد نزعة انعزالية بينهم.

هذه نفس السياسة التي اتبعها الاستعمار في كل مكان، بما في ذلك الساحل السوري ولبنان.

في القرن 19 الفرنسيون أقنعوا موارنة لبنان بأنهم شعب منفصل عن محيطهم. هذا هو نفس ما حصل في منطقة الجزيرة. البريطانيون أقنعوا السريان النساطرة في ولاية الموصل بأنهم شعب منفصل عن محيطهم وبأنهم من نسل الآشوريين القدماء.

طبعا السريان النساطرة هم ليسو الآشوريين القدماء. هذا القول هو مثل القول بأن الموارنة هم الفينيقيون، ومثل القول بأن المصريين هم الفراعنة.

السريان النساطرة لا يختلفون عن بقية السريان. هم في الأصل شعب آرامي سكن منطقة الجزيرة وشمال العراق خلال الألفية الأخيرة قبل الميلاد. وجود اختلاط بينهم وبين السكان الأصليين (الآشوريين) هو أمر طبيعي، وهو لا يبرر اعتبارهم “آشوريين” وإطلاق هذه التسمية عليهم في زمننا الحالي.

النزعة الآشورية لدى السريان هي مثل النزعة الفينيقية لدى الموارنة ومثل النزعة الفرعونية لدى بعض المصريين. هي عبارة عن فكر انعزالي عنصري خلقه الاستعمار لخدمة أهدافه ومصالحه.

لهذا السبب أنا أستنكر من بعض السوريين استخدامهم لمصطلح “آشوريين” (بما في ذلك حتى في الإعلام الرسمي، وهذه كارثة حقيقية).

العرب تاريخيا لا يعرفون طائفة اسمها الآشوريون. هناك طائفة اسمها السريان. ما يسمى بالآشوريين حاليا كانوا يسمون لدى العرب والمسلمين باسم السريان.

لو كانت هناك في سورية دولة تحترم نفسها لكانت أصدرت منذ زمن طويل قرارا بمنع استخدام تسمية الآشوريين بشكل رسمي. إذا كان الآشوريون الجدد يريدون استخدام هذا المسمى فهم أحرار في ذلك، ولكن الدولة لا يجب أن تجاريهم في هذا العبث.

استخدام تسمية الآشوريين هو أمر لا يصب في مصلحة الآشوريين الجدد أنفسهم، لأنه يعزلهم عن بقية السريان.

السريان هم أصلا شعب قليل العدد ومهدد بالانقراض. ما هي الفائدة من تقسيم هذا الشعب وتشتيته إلى فرق وطوائف جديدة؟

هذا الأمر لا يفيد أحدا.

المسيحيون في الجزيرة كلهم سريان. لا يوجد شيء اسمه آشوريون. الآشوريون هم شعب منقرض كان يعيش في الجزيرة قبل 2500 عام.

المسيحيون في سورية ينتمون إلى الشعوب التالية:

  • العرب
  • السريان
  • الأرمن

 

هذه هي الشعوب الحقيقية الموجودة بين المسيحيين في سورية ولبنان، وأما الشعوب الأخرى (الفينيقيون والآشوريون) فهي شعوب وهمية تم اختراعها خلال القرن 19 تحت التأثير المباشر للاستعمار.

الفينيقيون هم عرب، والآشوريون هم سريان (والسريان هم آراميو الأصل كما تدل على ذلك الأدلة المتراكمة التي لا يمكن حصرها لكثرتها).

بعض السريان صاروا عربا

 

هناك نقطة مهمة يجب أن نشير إليها وهي أن كثيرا من السريان في سورية اليوم يتحدثون اللغة العربية ولا يعرفون اللغة السريانية.

ما هو الفرق بين هؤلاء وبين المسيحيين العرب؟

لا يوجد فرق مهم. هم عمليا أصبحوا من المسيحيين العرب.

أمثال هؤلاء لا يصح في رأيي أن نصفهم بالسريان. هم عرب من أصل سرياني.

طبعا هم ربما لا يحبون هذه التسمية، ولكن هذا هو الواقع. أنا شاهدت هؤلاء السريان المتعربين في حلب ولم أستطع أن أجد فرقا مهما بينهم وبين المسيحيين العرب.

هم يعيشون مع المسيحيين العرب في اندماج كامل ومن الصعب التمييز بين الجنسين (على الأقل هذا هو ما بدا لي).

حسب ما فهمت فإن غالبية السريان في سورية لا يتحدثون السريانية، بالتالي الشعب السرياني في سورية هو شبه منقرض.

بالنسبة للآشوريين الجدد فهم قليلون في سورية. معظم هؤلاء هم موجودون في العراق (أو كانوا موجودين في العراق. حاليا أنا أظن أن معظمهم صاروا موجودين في إسكندنافيا).

الآشوريون الجدد هم شعب منفصل بوضوح عن العرب. هم لديهم لغة خاصة وهوية خاصة. هويتهم ليست مجرد هوية إثنية بل هم يملكون شعورا قوميا طاغيا للغاية ويشبه الفاشية في بعض الأحيان (وأنا بصراحة أتساءل عن الفائدة من كل هذا التعصب طالما أنكم أقلية صغيرة مهددة بالانقراض؟).

الأرمن في سورية

 

معظم الأرمن في سورية هم مهاجرون من الدولة التي تسمى حاليا “تركيا”.

عندما وصل الأرمن إلى سورية حاولت سلطات الانتداب الفرنسي أن توزع عليهم بعض الأراضي الزراعية وأن توطنهم في الريف، ولكنهم رفضوا ذلك.

هم في معظمهم كانوا حرفيين من سكان المدن، ولهذا السبب لم يحبوا السكن في الريف.

معظمهم اليوم يسكنون في حلب ودمشق (وبيروت).

بعيدا عن هؤلاء، هناك في سورية عدد قليل من الأرمن الأصليين (ليسوا مهاجرين).

هؤلاء يوجدون في شمال محافظة اللاذقية (منطقة كسب).

الأرمن هناك لم يهاجروا من أي مكان ولكن هذه هي مناطقهم التي يسكنون فيها منذ مئات السنين.

لواء إسكندرون كان يحوي مناطق أرمنية، ولكن الأتراك هجروا الأرمن منه خلال احتلالهم لللواء.

رأي واحد حول “مصطلحات هدامة في الإعلام عند الحديث عن المسيحيين

  1. الأمر أكثر تعقيد من مجرد كون تسمية الآشوريين تسمية من ابتداع الاستعمار. التسمية كانت موجودة ولا تزال في كل من الأرمنية والفارسية، هناك دليل قوي أن تسمية سريان وسوريا نفسها تحريف لكلمة آشور… ثم لو عدنا إلى التاريخ فذكر الملوك الآشوريين استمر محفوظا لدى أتباع الكنيسة السريانية على شكل أساطير وسير قديسين وشهداء منها على سبيل المثال لا الحصر سيرتي مار بهنام ومار قرداغ. طبعا السريان سموا أنفسهم سريان بدون استثناء حتى أواخر القرن التاسع عشر حين ظهرت النزعة القومية وانتشار تسمية الآشوريين بينهم، التسميتان لا تناقضان على أية حال وبالإمكان استخدامهما بشكل متبادل.
    لا ننسى أن العديد من الحركات القومية قامت بنبش التاريخ للوصول لاسم جديد في سبيل “التذكير بأمجاد الماضي” على سبيل المثال تحول اللمبارد والأوربيون والصقليون إلى “إيطاليين” بحلول القرن التاسع عشر، وأصبح المولداف والفلاخيون “رومان”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s