سقوط النظام السوري صعب في ظل النظام المركزي

الكلام الذي سأقوله الآن ليس جديدا من حيث المضمون لأنني سبق أن قلته بصيغ أخرى، ولكنني الآن سأصيغه بطريقة جديدة أكثر وضوحا.

المحور الأميركي اتبع استراتيجية التحريض الطائفي بهدف تدمير سورية والمنطقة.

التحريض الطائفي أدى إلى نتيجة على أرض الواقع. حاليا في سورية هناك انقسام طائفي.

هذا الانقسام ربما لا يكون واضحا في محافظة حلب، ولكنه واضح في مناطق أخرى (محافظة حمص).

طالما أن الصراع اتخذ منحى طائفيا فهذا يعني أن سقوط النظام السوري صار شبه مستحيل.

كثير من مناصري النظام السوري الآن صاروا يدافعون عنه على أساس العصبية الطائفية، وأيضا كثير من معارضيه صاروا يهاجمونه على أساس العصبية الطائفية.

في مثل هذا المناخ لا يمكن لعاقل أن يتحدث عن عملية ديمقراطية. من يتحدث عن الديمقراطية الآن هو كاذب ومنافق.

الديمقراطية تقوم أساسا على الثقة والتعاون. إذا كان المجتمع لا يثق في بعضه فكيف يمكن أن يكون هناك تداول سلمي للسلطة؟ هذا كلام خيالي.

قبل الحرب على سورية أنا كان لدي أمل في إحداث تغيير ديمقراطي في سورية.

التغيير الديمقراطي كان ممكنا عن طريق التنمية والانفتاح الثقافي.

إذا تحسن مستوى التعليم والثقافة فهذا سيؤدي لتقليل التعصب وضيق الأفق.

التعصب ينشأ أساسا من الجهل (وسوء التعليم الذي هو فرع من الجهل).

لو تم تحسين التعليم في سورية فهذا كان سينعكس على نفسيات الناس وطريقة تفكيرهم وتعاملهم مع المختلفين عنهم.

ولكن للأسف المؤامرة الأميركية كانت أسرع من التغيير في سورية.

المؤامرة دمرت كل شيء وأعادت البلد قرنا إلى الوراء.

الآن لم يعد من الممكن الحديث عن تغيير ديمقراطي. حاليا لا يوجد إلا خياران، بقاء النظام الحالي أو تقسيم البلد.

بقاء النظام الحالي ربما يكون مفيدا على المدى القصير من حيث أنه لن يكون لمصلحة المحور الأميركي في المنطقة، ولهذا السبب الأميركان يرفضون بقاء النظام ويصرون على الخيار الآخر الذي هو التقسيم (سواء بصورة صريحة أم مضمرة).

ولكن على المدى الطويل لا توجد أية فائدة من بقاء النظام.

النظام الحالي هو نظام فاشل بالتجربة وليس بالتنظير. نحن جربنا هذا النظام وعقليته ورأينا النتيجة التي وصلنا إليها.

النظام قام بإصلاحات، ولكن بصراحة أنا لم أقتنع بجدوى هذه الإصلاحات.

هذه الإصلاحات ربما كانت نفعت لو أنها تمت قبل الحرب على سورية، ولكن في الوضع الحالي أنا أشك في جدواها.

المشكلة الآن صارت أعمق من السابق، لأنها تحولت إلى صراع بين طوائف.

الآن عندما أتحدث عن تنحي الرئيس السوري فإن بعض العلويين يفهمون ذلك على أنه تهجم على العلويين ومحاولة للنيل منهم.

وعندما لا أتحدث عن تنحي الرئيس السوري فإن بعض السنة يفهمون ذلك على أنه انحياز للعلويين.

كيف يمكن في ظل هذا الوضع أن نصل إلى حل؟

أفضل شيء يمكن أن نفعله هو أن نوازن بين الخيارين المتاحين، ألا وهما بقاء النظام وتقسيم البلد.

أنصار النظام يريدون بقاء النظام بنفس الطريقة التي كانت قبل الحرب على سورية، وهذا خيار عبثي وغير مجد.

والأميركان يريدون تقسيم البلد.

الحل الوسط هو بقاء النظام مع تطبيق شكل من اللامركزية.

بدون تطبيق اللامركزية لا يمكن مطلقا أن يتم الوصول إلى الديمقراطية في سورية.

النظام القائم في سورية حاليا (الذي أسميه بالنظام الدمشقي) يعطي الحكومة المركزية صلاحات كبيرة جدا.

انصار النظام لن يقبلوا أبدا بالتخلي عن هذه الصلاحيات وتسليمها لخصومهم، لأنهم يعتبرون أن خصومهم سيستخدمون هذه الصلاحيات للنيل من العلويين.

لا يمكن للعلويين أن يتخلوا عن عصبيتهم الطائفية إلا في ظل نظام لامركزي. هذا هو الواقع.

لو تم تطبيق اللامركزية فعندها سوف يقل اهتمام العلويين بالسلطة المركزية وسوف يهتمون أكثر بشؤونهم الخاصة.

جوهر المشكلة في سورية هو تسلط النظام الدمشقي. هذا النظام سعى تاريخيا لقهر الأقليات والمناطق المختلفة في سورية، وهذا هو ما أدى إلى ردود الفعل.

المركزية في سورية هي تجربة فاشلة بامتياز.

المركزية في سورية بدأت كمركزية إدارية (في الأربعينات والخمسينات)، ولكنها منذ الستينات تحولت أيضا إلى مركزية اقتصادية، وهذا ما فاقم المشكلة وعمقها كثيرا.

هذه المركزية المفرطة هي سبب المشكلة الموجودة حاليا في سورية. طالما أن الحكومة المركزية تملك كل هذه السلطات الهائلة فمن الطبيعي أن الطوائف والمناطق المختلفة سوف تتصارع عليها وسوف تنظر لها على أنها مكسب أو مغنم.

العلويون الآن ينظرون للسلطة المركزية على أنها غنيمة يحاول الآخرون تشليحهم إياها.

هذا الأسلوب في التفكير من المستحيل أن يوصلنا إلى الديمقراطية.

أنا كنت أود أن تتغير عقلية السوريين وأن يتوقفوا عن النظر للسلطة على أنها غنيمة.

تغيير عقلية السوريين كان ممكنا عن طريق التنمية والإصلاح التدريجي.

ولكن المؤامرة الأميركية جعلت هذا الخيار صعبا.

حاليا لم يعد هناك طريقة ممكنة للتغيير في سورية سوى تطبيق اللامركزية.

الأميركان يريدون تطبيق اللامركزية في سورية بشكل استعماري يخدم مصالحهم.

هم يريدون أن يرحل النظام وأن يتم تقسيم البلد إلى كيانات غير متفقة مع بعضها.

ولكن ليس من الضروري أن نقبل بذلك.

أفضل حل في رأيي هو تطبيق اللامركزية مع بقاء النظام الحالي.

النظام يجب أن يبقى ليس لكي يحكم سورية للأبد. هذا الكلام هو جنون وحماقة ليس بعدها حماقة.

لا يمكن لفئة معينة من الشعب أن تستعبد فئة أخرى. مشكلة بعض العلويين هي أنهم يعتقدون بقدرتهم على استعباد الآخرين.

منطق الاستعباد هو هراء كبير. هذا الأمر لا يمكن أن يوصل إلى شيء.

النظام يجب أن يبقى لكي يدير البلد في مرحلة انتقالية تنتهي برحيله عن السلطة.

يجب أن يقتنع جماعة النظام السوري بضرورة رحيلهم عن السلطة. إذا لم يقتنعوا بذلك فهذا يعني أن سورية لن تستقر أبدا.

لا يمكن لجماعة النظام أن يستعبدوا معارضيهم. عدد معارضي النظام في سورية يبلغ الملايين.

هؤلاء الملايين هم مواطنون، وهم بشر قبل أن يكونوا مواطنين.

البشر لهم حقوق.

لا يحق لأحد (حتى لو كان علويا) أن يجرد ملايين الناس من حقوقهم البشرية.

أنا لا أدري بصراحة ما هو نوع العقل الذي يملكه جماعة النظام السوري. رغم كل ما حصل في سورية هم ما زالوا يصرون على استعباد البشر.

استعباد البشر هو أمر مرفوض. هل تفهمون ذلك؟

النظام يجب أن يبقى لكي يدير مرحلة انتقالية تنتهي برحيله عن السلطة. هذا هو الحل الوحيد. لا يوجد حل آخر.

خلال المرحلة الانتقالية يجب أن يعمل النظام على تحقيق عدة أمور:

  • تطبيق اللامركزية الإدارية والاقتصادية (كضمانة للعلويين في المستقبل)
  • المصالحة الوطنية عبر الاعتراف بالأخطاء والاعتذار عنها (وليس الاحتفاء بها واعتبارها انتصارات ومنجزات)
  • تنمية الاقتصاد
  • إصلاح مناهج التعليم
  • وضع أساسات الديمقراطية وتداول السلطة وحرية تعبير والشفافية وسيادة القانون

هذا ما يجب أن يفعله النظام خلال المرحلة الانتقالية التي يجب أن تنتهي برحيله بكامل رموزه.

ولكن أنا بصراحة غير متفائل.

من يريد إنقاذ سورية يجب أن يضغط لتطبيق هذه الإصلاحات، وخاصة اللامركزية.

من يعارض اللامركزية ويصر على بقاء النظام المركزي هو شخص منفصل عن الواقع.

لا يمكن حل المشكلة الطائفية في سورية إلا بتطبيق اللامركزية، وبدون حل المشكلة الطائفية لن يكون هناك تغيير ديمقراطي حقيقي.

تمسك النظام السوري بالمركزية هو مؤشر سلبي. لو كان النظام السوري يفكر فعلا بالرحيل لكان عمل على تطبيق اللامركزية، ولكن عندما نرى أن النظام يتمسك بكل صلاحياته وسلطاته المركزية فهذا يعني أنه لا يفكر بالرحيل.

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s