أصل ظاهرة الكبت الجنسي عند العرب (2)

المقال السابق لم يكن منظما كثيرا وأنا تطرقت فيه لبعض الأمور دون أن أوضحها كما يجب.

أنا قارنت في ذلك المقال بين النظام الاجتماعي في أميركا والنظام الاجتماعي في العالم العربي، وقلت أن الشريعة الإسلامية لا تمنع تطبيق نظام شبيه بالنظام الأميركي.

الشريعة الإسلامية لا تمنع المرء أو المرأة من الزواج عدة مرات متتالية، وبالتالي نظريا يمكن للشاب أو الشابة أن يتزوج عدة مرات قبل أن يستقر على زوج أو زوجة دائمة.

ولكن هذا الكلام لا يحصل على أرض الواقع. حاليا في العالم العربي الناس لا يطبقون فكرة “الزواج التجريبي” ولكنهم يقفزون فورا إلى الزواج الدائم، والزواج الدائم كثيرا ما يحصل في سن متأخرة (مثلا في الثلاثينات من العمر)، وهذا الزواج يعتبر بالنسبة لكثير من النساء “الزواج الأول والأخير”، بمعنى أن هذا الزواج لو فشل فلا يوجد زواج آخر بعده.

لهذا السبب النساء يتشددن كثيرا في موضوع الزواج. المرأة في العالم العربي تعرف أن أمامها فرصة واحدة للزواج. هي سوف تتزوج مرة واحدة وهذه المرة هي “نصيبها” الذي سوف يصبغ ما تبقى من حياتها. لو خانها نصيبها فهذا يعني أنها ستتحول إلى مطلقة، والمطلقات في العالم العربي يعانين من صعوبة في الزواج.

طالما أن المرأة أمامها فرصة واحدة فقط فهي تتروى كثيرا في قبول عروض الزواج. لا يمكن للمرأة في العالم العربي أن تقبل بشيء اسمه “زواج تجريبي”. لو تزوجت المرأة تجريبيا وفشل هذا الزواج فسوف تلاقي صعوبة في الزواج مجددا.

هذا هو السبب الذي يدفع النساء في العالم العربي لوضع الكثير من الشروط أمام المتقدمين للزواج، وهذه الشروط هي صعبة التحقيق بالنسبة لكثير من الشباب صغار السن. المحصلة هي تأخر سن الزواج بالنسبة للرجال والنساء على حد سواء.

أساس مشكلة الكبت الجنسي في العالم العربي هو صعوبة الزواج، خاصة بالنسبة للشباب الصغار. صعوبة الزواج تعود إلى الشروط التي تضعها النساء للزواج، وهذه الشروط تعود إلى خوف النساء من الطلاق أو من فشل الزواج (الزواج الفاشل لا ينتهي دائما بالطلاق لأن المرأة يمكن أن تقبل بنصيبها وألا تطلب الطلاق حتى لو كانت غير سعيدة بحياتها مع زوجها).

إذن أساس المشكلة هو خوف النساء من فشل الزواج الأول، لأنهن يعلمن أن الزواج مجددا هو أمر صعب.

لماذا الزواج مجددا هو أمر صعب؟

لأن المجتمع العربي يقدس مفهوم العذرية أو البكارة.

في المجتمع العربي هناك تمييز صارم بين المرأة العذراء (البكر) والمرأة غير العذراء (الثيّب).

المرأة العذراء هي عموما مرغوبة للزواج، أما المرأة غير العذراء فهي عموما غير مرغوبة.

المرأة المطلقة هي ثيّب، ولهذا السبب هي غير مرغوبة للزواج.

هذا هو السبب الذي يجعل النساء يتشددن في موضوع الزواج الأول. المرأة قبل الزواج الأول هي بكر، ولكنها بعده ستصبح ثيبا، أي أنها ستنتقل من فئة إلى فئة أخرى.

الزواج بالنسبة للمرأة في العالم العربي هو ليس كالزواج في أميركا أو غيرها. الزواج العربي يتضمن انتقالا للمرأة من فئة اجتماعية إلى فئة أخرى.

لهذا السبب الزواج هو مسألة مخيفة. هناك فرق كبير بين النساء المصنفات على أنهن أبكار والنساء المصنفات على أنهن ثيبات. الثيبات هن أدنى اجتماعيا من الأبكار، أي أن المرأة عندما تتزوج فهي تهوي بنفسها من طبقة اجتماعية إلى طبقة أخرى.

هذا هو أساس مشكلة الكبت الجنسي في العالم العربي. جوهر المشكلة هو التمييز الشديد بين الأبكار والثيبات. هذا التمييز يجعل النساء يخفن من فقدان البكارة، والخوف من فقدان البكارة يجعلهن يتشددن في الزواج الأول.

في أميركا لا يوجد تمييز كهذا. موضوع البكارة في أميركا هو موضوع هامشي والرجال يتزوجون من الثيبات كما يتزوجون من الأبكار.

مفهوم البكارة أو العذرية موجود لدى أغلب المجتمعات البشرية، ولكن مشكلة العرب هي أنهم يعطون هذا المفهوم قدسية هائلة لا توجد لدى معظم الشعوب الأخرى.

الرجل العربي يمكن أحيانا أن يقتل ابنته إذا فقدت بكارتها، لأن فقدان البكارة يصيب الرجل في عرضه، أي في شرفه.

طبعا هناك أمور كثيرة يمكن أن تصيب الرجل في شرفه، والرجل لا يلجئ دائما للقتل لكي يحمي شرفه، ولكن بالنسبة لموضوع البكارة بالذات فهذا الموضوع له حساسية خاصة واستثنائية عند العرب.

البكارة في الجاهلية

 

أنا بصراحة لم أبحث كثيرا في موضوع البكارة عند الجاهليين، ولكن في القرآن وردت آيات تدل على أن هذا المفهوم كان معروفا لهم.

القرآن عندما يصف الحور العين (جواري الجنة) يصفهن بأنهن أبكار. مثلا في سورة الواقعة ورد ما يلي عن الحور العين:

إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً ۝ فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا ۝ عُرُبًا أَتْرَابًا

وفي سورة الرحمن:

فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ

“لم يطمثهن” تعني “لم يفتضهن” (أي “لم يُزِل بكارتهن”).

القرآن يصف الحور العين بأنهن أبكار على سبيل الترغيب بهن. هذا يدل على أن البكارة كانت معروفة لدى العرب الجاهليين وكانت تعتبر أمرا مرغوبا.

من الغريب أن الرجل العربي في الجاهلية كان مستعدا لإرسال امرأته لكي تمارس الجنس مع رجل آخر (نكاح الاستبضاع) ولكنه في نفس الوقت كان يهتم بالبكارة.

سبب هذا الأمر على ما أظن هو أن المجتمع الجاهلي كان ما يزال في مرحلة انتقالية نحو المجتمع الأبوي. نكاح الاستبضاع هو من التراث القديم الذي يعود لعصر ما قبل المجتمع الأبوي، وأما مفهوم البكارة فهو مفهوم حديث مرتبط بالمجتمع الأبوي. لهذا السبب نجد الآن أن نكاح الاستبضاع لم يعد موجودا لدى العرب (رغم أن المستشرقين يقولون أنه كان موجودا في اليمن في بداية القرن العشرين)، وأما مفهوم البكارة فتعزز وأصبح من مقدسات المجتمع العربي. المجتمع العربي بعد العصر الجاهلي أكمل انتقاله نحو الأبوية.

في لسان العرب ورد التعريف التالي لكلمة بكر:

والبِكْرُ: الجارية التي لم تُفْتَضَّ، وجمعها أَبْكارٌ. والبِكْرُ من النساء: التي لم يقربها رجل، ومن الرجال: الذي لم يقرب امرأَة بعد؛ والجمع أَبْكارٌ. ومَرَةٌ بِكْرٌ: حملت بطناً واحداً. والبِكْرُ: العَذْراءُ، والمصدر البَكارَةُ، بالفتح. والبِكْرُ: المرأَة التي ولدت بطناً واحداً، وبِكْرُها ولدها، والذكر والأُنثى فيه سواء؛ وكذلك البِكْرُ من الإِبل. قال أَبو الهيثم: والعرب تسمي التي ولدت بطناً واحداً بِكْراً بولدها الذي تَبْتَكْرُ به، ويقال لها أَيضاً بِكْرٌ ما لم تلد.

هذا الكلام لافت لأنه يدل على أن معنى مفهوم البكارة لدى العرب كان أوسع من المعنى الذي نعرفه حاليا.

حاليا البكر هي المرأة العذراء حصرا، وأما المرأة التي أنجبت ولدا واحدا فهي لا يمكن أن تعتبر بكرا.

ولكن العرب في الأصل كانوا لا يميزون بين المرأة العذراء والمرأة التي أنجبت ولدا واحدا. كلتاهما ينطبق عليهما وصف “بكر”.

هذا دليل على أن المفهوم الحالي للبكارة هو مفهوم طارئ لدى العرب الجاهليين. كلمة “بكر” في الأصل لم يكن لها المعنى الصارم الذي نعرفه حاليا.

حاليا في المجتمع العربي المرأة لا تعتبر عذراء إلا بعد الكشف على غشاء بكارتها والتأكد من أنه أصلي وغير مزور. القدماء لم تكن لديهم هذه الصرامة. هم كانوا يطلقون مسمى “بكر” على المرأة التي أنجبت ولدا واحدا.

من الواضح إذن أن المفهوم الحالي للبكارة هو أحد المفاهيم التي طرأت على المجتمع العربي في زمن متأخر، وبعد الإسلام استمر التشدد في هذا المفهوم حتى وصلنا إلى الوضع الحالي الذي صارت النساء يقتلن فيه بسبب فقدانهن غشاء البكارة.

الزواج والعفة

 

في المقال السابق أنا كنت أتحدث على عجل ولم أميز بشكل جيد بين بعض المفاهيم.

هناك مفهومان يجب أن نميز بينهما هما الزواج والعفة.

عندما أستخدم مصطلح “العفة” هنا فأنا أقصد به التزام المرأة بزوجها وعدم ممارستها الجنس مع أي رجل آخر.

في بعض المجتمعات الزواج لا يستلزم بالضرورة العفة.

مثلا عند العرب في الجاهلية المرأة المتزوجة كان يمكنها في بعض الحالات أن تمارس الجنس مع رجال آخرين غير زوجها.

هذه الظاهرة موجودة في العديد من المجتمعات “البدائية” (التي لم تكمل انتقالها نحو المجتمع الأبوي).

من الممكن إذن أن مفهوم الزواج هو في الحقيقة ليس مرتبطا بالمجتمعات الأبوية.

أنا عندما تحدثت عن ظهور المجتمعات الأبوية ربطت ذلك بالتقييد الجنسي للمرأة (أي العفة).

إذا فرضنا العفاف على النساء (الالتزام برجل واحد لكل امرأة) فهذا على ما أظن سيؤدي لنشوء المجتمع الأبوي، ولكن مفهوم الزواج هو قضية أخرى. من الممكن أن الزواج كان معروفا لدى البشر قبل ظهور المجتمعات الأبوية.

أصل العفة

 

هناك نظريات عديدة تشرح ظهور العفة أو التقييد الجنسي للمرأة. معظم هذه النظريات تدور حول مسألة الإنجاب.

البشر قديما لم يكونوا يعرفون أن الذكور يلعبون دورا في الإنجاب. هم كانوا يتصورون أن النساء تحملن وتلدن من تلقاء أنفسهن.

لهذا السبب كانت المجتمعات القديمة تقدس النساء. هم كانوا يتصورون أن النساء هم أصل البشر.

في زمن ما (ربما في الألفية الرابعة قبل الميلاد) اكتشف البشر أن الذكور هم الذين يتسببون في حمل النساء وولادتهن، وأن المرأة التي لا يجامعها ذكر لا يمكنها أن تحمل وتلد.

هذا الاكتشاف أدى إلى تغييرات اجتماعية عميقة، وكثير من النظريات ترى أن هذا الاكتشاف هو الذي أدى لظهور المجتمعات الأبوية.

هذا الاكتشاف ضرب المكانة التقليدية للمرأة. البشر لم يعودوا ينظرون للمرأة على أنها أصل الحياة.

هذا الاكتشاف ترافق مع اكتشاف مفهوم الوراثة الجينية. البشر لاحظوا أن المرأة تلد طفلا يشبه أحد الذكور الذين جامعوها، وبالتالي هم ربطوا لأول مرة بين الأب وطفله.

في البداية البشر لم يكونوا يعرفون بالضبط آلية الوراثة الجينية. هم كانوا يتصورون أن الطفل الذي تلده المرأة هو عبارة عن مزيج من مني جميع الرجال الذين جامعوها.

في التراث الإسلامي هناك أحاديث منسوبة للرسول تحمل هذا المفهوم. ما يلي من سنن أبي داود:

عن رويفع بن ثابت الأنصاري قال قام فينا خطيبا قال: أما إني لا أقول لكم إلا ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم حنين قال: لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره، يعني إتيان الحبالى، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم.

حسب الروايات فإن الرسول نهى عن إتيان السبايا الحوامل. هذا النهي هو نابع من الفكرة القديمة التي تصور الحمل على أنه مزيج من مني جميع الرجال الذين جامعوا المرأة.

القدماء كانوا يظنون أن الرجل لو جامع امرأة حامل فإن منيه يمكن أن يمتزج مع الطفل الذي في رحمها ويؤثر في تكوينه، وهذا بالنسبة لهم كان أمرا مريعا (كما يظهر مثلا من التحريم الشديد الوارد في هذا الحديث).

من يقرأ في كتب الفقهاء المسلمين يجد أنهم يخافون جدا من “اختلاط الأنساب”. هم يقولون أن السبب الأساسي لتحريم الزنا هو منع “اختلاط الأنساب”.

فكرة “اختلاط الأنساب” كانت  فكرة مخيفة للمجتمع العربي الجاهلي. هذه الفكرة هي سبب تحريم مجامعة السبايا الحوامل وهي سبب تحريم الزنا وسبب عدد من الأحكام الإسلامية الأخرى.

كثير من الباحثين يرون أن الخوف من “اختلاط الأنساب” هو السبب الذي أدى إلى ظهور مفهوم العفة.

السؤال هو لماذا خاف الناس من اختلاط الأنساب؟

أحد الأجوبة التقليدية هو أن هذه المسألة مرتبطة بقضية وراثة الأملاك الخاصة.

عندما ظهر مفهوم الملكية الخاصة ظهر أيضا مفهوم التوريث. الرجال أرادوا أن يورثوا أملاكهم الخاصة لأبنائهم، ولهذا السبب صاروا يحرصون على أن يكون لديهم أبناء أنقياء من صلبهم لكي يرثوهم.

هذه النظرية قديمة وأنا لا أدري مدى صحتها.

هناك نظريات أخرى مبنية على منطق التنافس البيولوجي. هذه النظريات هي مرتبطة بفكرة “صراع البقاء” التي طرحها تشارلز داروين.

الرجال صاروا يتنافسون على النساء اللواتي تتمتعن بمزايا أفضل (تنكح المرأة لأربع: مالها وجمالها وحسبها ودينها)، وكل رجل صار يريد أن يورث لابنه صفاته الشخصية بشكل نقي وبدون أي تلوث من الرجال الآخرين.

أي أن المسألة هي مرتبطة بغريزة  البقاء الموجودة لدى الرجال. الرجل يريد لنفسه أفضل امرأة (لأنها ستحمل ابنه)، وهو يريد لابنه أن يكون مطابقا له. فعليا هو يريد بهذه الطريقة أن يخلد نفسه.

الرجل ينظر لولده على أنه امتداد له. هو لا يستطيع أن يعيش للأبد ولكن ابنه سيحمل اسمه من بعده. لهذا السبب الرجل يهتم بأن يكون ابنه شبيها به وبأن تكون لديه”أفضل المواصفات” (ولذلك اختيار الأم المناسبة هو أمر مهم).

أنا أفضل النظريات القائمة على منطق التنافس البيولوجي، لأنها  تبدو لي أقرب للعلم والمنطق من النظريات الفلسفية القديمة (من قبيل نظرية توريث الأملاك الخاصة).

أصل البكارة

 

البكارة هي مفهوم أكثر تأخرا من مفهوم العفة، وأنا بصراحة لست واثقا من الآلية التي ظهر بها هذا المفهوم. ما سأقوله هنا هو مجرد نظرية مبدئية.

البكارة في الأصل هي أمر سيء، لأن المرأة البكر هي “غير مجربة” والرجل لا يعرف إن كانت قادرة على الإنجاب أم لا.

مصلحة الرجل هي أن يأخذ امرأة سبق لها أن أنجبت طفلا، لأن هذه المرأة “مضمونة” والرجل يعلم سلفا أنها قادرة على الإنجاب. ولكن مشكلة هكذا امرأة هي أنها ملوثة بمني الرجال الآخرين.

بعض الباحثين يربطون بين هذا الكلام وبين طقس ذبح الأطفال الذي كان يمارس في الحضارات القديمة. هذا الطقس كان موجودا لدى الكنعانيين (ورد في الكتاب اليهودي في قصة ذبح إبراهيم لابنه إسحق).

الباحثون يرون أن الرجل قديما كان يفضل أن يتزوج امرأة سبق لها أن أنجبت طفلا (لكي يضمن أنها قادرة على الإنجاب)، ولكنه في نفس الوقت لا يريد طفلها (لأنه ابن رجل آخر). لهذا السبب كان الرجال يتزوجون النساء مع أطفالهن وبعد ذلك يقومون بتقديم الأطفال كقرابين للآلهة (أي يقومون بذبحهم).

بهذه الطريقة يحصل الرجل على المرأة المجرّبة ويتخلص من طفلها الذي ليس من صلبه (ويرضي الآلهة أيضا).

هذه النظرية تتوافق مع تعريف البكر عند العرب (الذي سبق أن نقلته في الأعلى). كلمة “بكر” عند العرب يمكن أن تطلق على امرأة لديها طفل واحد. من الممكن أن هذا هو المعنى الأصلي لكلمة “بكر”.

البكر في الأصل كانت امرأة تملك طفلا واحدا. الرجل كان يتزوجها ويذبح طفلها.

لاحقا حصل تغيير في معنى كلمة “بكر” بحيث صارت تطلق على المرأة التي لم يسبق أن جامعها أحد، فما هو سبب هذا التغيير؟

السبب ببساطة هو تخلي الناس عن طقس ذبح الأطفال.

طقس ذبح الأطفال كان مكروها لدى غالبية الشعوب في الألفية الأخيرة قبل الميلاد. ذم هذا الطقس ورد في الكتاب اليهودي وورد أيضا في كتابات يونانية.

الشعب الوحيد الذي كان لا يزال يمارس ذبح الأطفال في الألفية الأخيرة قبل الميلاد هم الكنعانيون (والفينيقيون).

في فلسطين كان يوجد وادي اسمه “وادي ابن النم” (باللغة العبرية: “جيء بن هنم”) أو “وادي النم” (باللغة العبرية: “جيء هنم”). في هذا الوادي كان الكنعانيون يذبحون أطفالهم ويقدمونهم قرابين للإله “مالك” (إله العالم الأسفل).

كلمة “جيء هنم” هي أصل كلمة “جهنم” في اللغة العربية، وفي رأيي أن الإله مالك هو نفسه مالك خازن النار الذي ورد ذكره في الكتابات الإسلامية (أنا تحدثت عن هذه القضية في مقال سابق).

الكنعانيون (السكان الأصليون لفلسطين) كانوا ما يزالون يذبحون أطفالهم حتى زمن كتابة التوراة، أما اليهود (الذين تعود أصولهم إلى منطقة “عربية الصخرية”) فكانوا يمقتون هذه العادة ويرفضونها.

ربما يكون مقت اليهود لذبح الأطفال هو السبب الذي جعلهم يغيرون مفهوم البكارة. هم غيروا المفهوم من “المرأة التي لديها طفل (للذبح)” إلى “المرأة التي ليس لديها طفل”.

المرأة التي ليس لديها طفل هي ليست “مجرّبة”، ولكنها على الأقل “نقية”. أي أنها تحقق أحد الشرطين القديمين الذين كانا مطلوبين في المرأة البكر.

اليهود تنازلوا عن شرط التجريب في مقابل أن يتم إلغاء طقس ذبح الأطفال.

لو قبلنا هذه النظرية فيمكننا أن نفهم قصة إبراهيم مع إسحق الواردة في التوراة. حسب التوراة فإن إبراهيم (جد اليهود) كان يريد أن يذبح ابنه إسحق كما يفعل الكنعانيون، ولكن يهوه (إله اليهود) نهاه عن ذلك. إذن الامتناع عن ذبح الأطفال هو ميزة لليهود.

في الحقيقة هو ليس ميزة لليهود ولكنه ميزة لكل بني إبراهيم، والعرب هم من بني إبراهيم حسب العقل اليهودي.

أصل العرب هو شبيه بأصل اليهود. كلا هذين الشعبين هما شعبان ساميان بدويان تعود أصولهما إلى منطقة عربية الصخرية. إذن ليس من الغريب أن موقف العرب من قضية ذبح الأطفال هو نفس موقف اليهود، وليس غريبا أن مفهوم البكارة لدى العرب الجاهليين هو نفس المفهوم اليهودي.

طبعا الحديث عن “العرب الجاهليين” هو حديث شائك، لأن الجزيرة العربية هي بلاد شاسعة وليس من الضروري أن جميع سكانها كانت لديهم نفس العادات. من الممكن أن هناك بعض العرب الجاهليين الذين كانوا ما يزالون يحملون نفس مفهوم البكارة القديم (مرأة مع ولد واحد). أنا بصراحة لا أعرف الكثير حول هذه المسألة في الوقت الحالي، ولكن المؤكد هو أن الإسلام كان يتبنى نفس الموقف اليهودي وكان ينظر للبكارة على أنها تعني المرأة التي لم يسبق أن جامعها أحد.

ما سبق هو نظرية مبدئية حول أصل مفهوم “البكارة”. البكارة في الأصل كانت تعني المرأة التي لديها طفل واحد. الرجل كان يتزوج المرأة ويقدم طفلها قربانا للآلهة. لاحقا تم تغيير مفهوم البكارة بحيث صار يعني المرأة التي لم يجامعها أحد. سبب التغيير هو نفور الناس من طقس ذبح الأطفال الذي هو طقس شنيع ومريع.

تراكم المني

 

قديما كان البشر يظنون أن المرأة لوحدها تنجب الأطفال وبدون تأثير من الرجل.

لاحقا أدرك البشر دور الرجل في هذه المسألة.

هم لم يدركوا الآلية الدقيقة لعملية الإخصاب، ولكنهم أدركوا فقط أن مني الرجل له دور جوهري في هذه العملية.

القدماء كانوا ينظرون لدور المني في عملية الإخصاب نظرة سطحية خرافية.

كثيرون كانوا يعتقدون أن الطفل يتخلق من المني، وأما المرأة فهي مجرد وعاء للحمل.

إذا جامع رجل امرأة ولم تحمل هذه المرأة فكانوا يفسرون ذلك بأنه يعود لنقصان كمية المني في جسد المرأة.

العلاج هو بمجامعتها مجددا لكي تزيد كمية المني فيها.

هم كانوا يظنون أن المني يتراكم في جسد المرأة ويستمر في التراكم إلى أن يتحول في النهاية إلى طفل.

هذه النظرة للمني لعبت دورا جوهريا في ظهور مفهوم البكارة.

طالما أن المني يتراكم في جسد المرأة فهذا يعني أن المرأة الثيب هي ملوثة بمني الرجال الآخرين.

لهذا السبب الرجال كانوا يشمئزون من المرأة الثيب.

لاحقا حصل بعض التطور في هذه المفاهيم، وصار الناس يعطون دورا أكبر للمرأة في تخليق الطفل.

إحدى النظريات التي وردت في الكتب اليونانية هي نظرية اختلاط سائلي المرأة والرجل.

بناء على هذه النظرية المرأة لديها سائل شبيه بالمني يختلط مع سائل الرجل وهذا الاختلاط يؤدي إلى تكوين الطفل.

العرب والبكارة

 

ما سبق هو الخلفية التي أدت إلى ظهور مفهوم البكارة. الرجال قديما كانوا يظنون أن المرأة الثيب هي ملوثة بمني الرجال الآخرين، وأما المرأة البكر فهي نقية نظيفة.

طبعا من المعروف حاليا أن هذا الكلام هو مجرد ترهات وليس له أساس.

صحيح أن العرب حاليا لا يفهمون قضية البكارة بشكلها البدائي الفج، ولكن موقفهم من القضية لا يختلف من حيث الجوهر عن الموقف القديم.

هم ينظرون للمرأة الثيب على أنها ملوثة أو مستعملة أو مستهلكة إلخ، وهذا الكلام ليس كلاما علميا، وهو من أسباب التخلف في المجتمع العربي.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s