هل سيعيد النظام السوري إنتاج ظروف فترة ما قبل الحرب على سورية؟

أثناء قراءتي لبعض وسائل الإعلام شعرت أن الأمور تعود مجددا إلى ما كانت عليه في الفترة السابقة للحرب على سورية.

الكتاب اليساريون والشيوعيون بدؤوا منذ الآن في التهجم على المستثمرين والممولين الذين يفترض بهم أن يتولوا إعادة إعمار سورية، رغم أنني لا أدري إن كان هناك أي شيء واقعي في هذا المجال.

هم يتحدثون عن عشرات مليارات الدولارات “النيوليبرالية” التي ستتدفق على سورية لأجل إعادة إعمارها، وهم بدؤوا في حملة تهجم وتشهير ضد المستثمرين والممولين قبل حتى أن يأتوا إلى سورية وقبل أن نعلم من هم وإن كانوا موجودين بالفعل.

أنا بصراحة لا أثق في معلومات اليساريين والشيوعيين، لأنهم تاريخيا يفتقدون للمصداقية.

هم يتهجمون دائما على رجال الأعمال ويتهمونهم بالفساد. من يصدق كلامهم سوف يظن أن كل الناس هم لصوص ما عدا الشيوعيين، مع أن الواقع التاريخي هو غير ذلك. من يدرس التجارب التاريخية في الدول المختلفة يمكنه أن يكتشف بسهولة أن الأنظمة الاشتراكية والشيوعية هي أفسد الأنظمة على الإطلاق، وهي أكثر أنظمة يتم فيها إفقار محدودي الدخل وتدمير مستوى معيشتهم.

كلام الاشتراكيين حول الفساد والسرقة لا يجوز التعامل معه بجدية. هذا الكلام ينطلق في الغالب من اعتبارات أيديولوجية أشبه بالاعتبارات الدينية.

الإسلاميون في سورية يتخيلون أن هناك مؤامرة علوية تاريخية ضد السنة. هم يقولون أن العلويين عملوا بشكل ممنهج لكي يستولوا على السلطة ويقيموا نظاما علويا يقصي السنة.

هذه النظرية هي من أساسات فكر الإسلاميين. مهما ناقشناهم فإنهم لا يمكنهم أن يتخلوا عن هذه النظرية، لأنها نابعة من منطقهم الفكري الذي يقوم على مبدأ صراع الطوائف أو صراع الأديان.

نفس الأمر ينطبق على الاشتراكيين. الاشتراكيون لديهم نظرية تقول أن هناك مؤامرة نيوليبرالية رأسمالية تريد إفقار الشعب. هذه النظرية الخرافية لا يمكن للاشتراكيين أبدا أن يتخلوا عنها، لأنها نابعة من منطقهم الفكري الذي يقوم على مبدأ صراع الطبقات.

الإسلاميون لديهم صراع الأديان، والاشتراكيون لديهم صراع الطبقات. هاتان النظريتان هما وجهان لعملة واحدة.

في الحقيقة هذا العالم لا يقوم على صراع الأديان ولا على صراع الطبقات. كلتا هاتين النظريتين هما نظريتان خرافيتان.

غالبية الباحثين في مجال العلاقات الدولية يعتقدون أن العالم يقوم على صراع الأمم. هذه النظرية هي قديمة جدا وتعود إلى الفلاسفة الصينيين القدماء واليونانيين القدماء، وهي اليوم تسمى بالمدرسة الواقعية realist.

العالم هو عبارة عن أمم متصارعة. لا يوجد في هذا العالم شيء حقيقي اسمه صراعات دينية. غالبية الصراعات الدينية في التاريخ كانت في العمق صراعات بين دول أو أمم مختلفة.

المدرسة النيوليبرالية هي ظاهريا مدرسة مناقضة للمدرسة الواقعية. هذه المدرسة ظهرت في ثمانينات القرن العشرين (عندما كان الاتحاد السوفييتي يترنح). هذه المدرسة تروج لأفكار التعاون الدولي عبر المنظمات الدولية لأجل تحقيق مصالح جميع الأمم بدلا من التصارع فيما بينها.

أنا بصراحة لا أثق في شعارات المدرسة النيوليبرالية. هذه المدرسة قائمة على التكاذب والخداع. مثلا الروس في تسعينات القرن العشرين صدقوا الشعارات النيوليبرالية وكانوا يظنون أن “المجتمع الدولي” سيهرع لمساعدتهم واحتضانهم بعدما أسقطوا الاتحاد السوفييتي، ولكن ما حصل هو أن أميركا استغلت سقوط الاتحاد السوفييتي لكي توسع إمبراطوريتها الاستعمارية على حساب الروس.

الأفكار النيوليبرالية حاليا هي مجرد غطاء للهيمنة الاستعمارية الأميركية. كل المنظمات الدولية هي في المحصلة مسخرة لتحقيق الهيمنة الأميركية على العالم، رغم أن هذا الوضع بدأ يتغير قليلا الآن بسبب التصلب الروسي في القضية السورية.

الأميركان يبنون سياستهم الخارجية على أساس الواقعية السياسية. هم يفترضون أن الأمم الأخرى هي تهديد استراتيجي لهم، ولهذا السبب هم يتعاملون مع العالم بمنطق الاستعمار والهيمنة.

الأميركان يقولون أنهم أفضل بلد في العالم لأنهم يطبقون الحرية والديمقراطية، أما الأمم الأخرى فغالبيتها أمم شريرة لا تطبق الحرية والديمقراطية. لهذا السبب يحق لأميركا أن تستعمر العالم لتحقيق هدفين على الأقل: حماية نفسها من تهديد الأمم الأخرى غير الديمقراطية، ونشر الديمقراطية في العالم.

هذه هي فلسفة السياسة الأميركية. صحيح أن الاعتبارات الاقتصادية والدينية (وغيرها) تؤثر أحيانا في القرار الأميركي، ولكن لا يوجد شك في أن المنطق القومي الاستعماري هو الأساس الذي تبنى عليه السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

لكي ننجح في هذا العالم لا بد أولا أن نفهمه. حاليا لا توجد في العالم دول تبني سياساتها على أساس الفكر اليساري. الاتحاد السوفييتي انهار وصار من التاريخ. بالنسبة للدول الدينية فهي على ما أظن غير موجودة. إيران هي ربما الدولة الوحيدة التي تقدم الاعتبارات الدينية على الاعتبارات الأخرى في بناء سياستها الخارجية، ولكن إيران رغم ذلك هي دولة عقلانية.

المنظمات الدولية “النيوليبرالية” لا يمكنها أن تمنح عشرات المليارات لسورية كما يروج الاشتراكيون، لأن أميركا لن تسمح بذلك.

الاشتراكيون بسبب عقليتهم الخرافية يرون أن منح عشرات مليارات الدولارات لسورية هو أمر مفيد لأميركا، ولكن هذا غير صحيح. أميركا لا يمكنها أن تمنح كل هذا المال لسورية إلا إن كان هناك اتفاق دولي كبير حول هذا الموضوع.

أميركا لم تدمر سورية لكي تعيد إعمارها مجانا.

القروض الهائلة التي يتحدث عنها الاشتراكيون هي نعمة كبيرة لو أنها كانت حقيقية، ولكن حتى الآن لا يوجد مؤشر جدي على وجود هكذا قروض.

هم فقط يتخيلون أمورا ويتهجمون عليها لكي يثبتوا نهجهم العقائدي.

هم منذ الآن يهاجمون شركات تعمير الأبنية. أحدهم قال أن النظام السوري سعى عمدا لتدمير الأحياء العشوائية لكي يسمح بعد ذلك لشركات العمران بإعادة بنائها.

المفهوم من كلامه هو أنه يفضل بقاء أحياء السكن العشوائي كما هي على أن تتولى إعادة إعمارها شركات من القطاع الخاص.

هذا الموقف يلخص الموقف العام للاشتراكيين. هم يفضلون أن يبقى الشعب فقيرا ذليلا ميتا من الجوع على أن يتم انتهاج ما يسمونه بالاقتصاد النيوليبرالي.

بالنسبة لهم الفقر هو ليس مشكلة طالما أن الدولة تتبع الفكر اليساري.

هم دائما ينكرون ارتفاع الدخل في الدول التي تتبع الاقتصاد الحر، مع أن هذه معلومة يعرفها الناس بالفطرة.

لو سألت أي إنسان عن مستوى الدخل في أميركا فسيقول لك أنه عال، ولكن الاشتراكيين ينفون ذلك ويصرون على أن الشعب الأميركي فقير.

هم يرون أن الشعب السوري تحت ظلهم كان غنيا، وأما الشعب الأميركي فهو فقير. بعضهم قالوا بشكل صريح أن معيشة المواطن السوري هي أفضل من معيشة المواطن الأميركي.

نحن للأسف لا نتناقش مع ناس عقلانيين. هذا الفكر هو عبارة عن فكر وبائي جنوني لا يستند إلى أي منطق، والمصيبة أننا ابتلينا به ولم تعد نستطيع التخلص منه.

هم يتحدثون دائما في الاقتصاد مع أنهم لا يفقهون شيئا في الاقتصاد. هم عندما يناقشون الأرقام والبيانات الاقتصادية لا يناقشونها بشكل علمي موضوعي ولكنهم يحاولون استغلالها لتركيب سيناريوهات ونظريات خيالية تتحدث عن المؤامرات النيوليبرالية.

لو فرضنا أن مستثمرا قام بإعمار مدينة حمص وحولها إلى شيء شبيه بسوليدير في بيروت فهذه ليست كارثة بل نعمة كبيرة. حاليا في سورية هناك دمار هائل وبدون وجود مستثمرين في قطاع العمران فإن ملايين الناس ربما يظلون في الشوارع لسنوات.

سورية مدمرة بالكامل. نحن بحاجة للمال من كل مكان. لو وافقت المنظمات النيوليبرالية على تمويل إعمار سورية فهذه ستكون نعمة كبيرة جدا.

أنا أتمنى أن يكون ما يحذر منه الاشتراكيون أمرا حقيقيا وأن تكون هناك بالفعل عشرات مليارات الدولارات المعروضة على سورية، ولكنني أشك في صحة هذا الكلام.

لو فشل المشروع الأميركي في سورية فلا يوجد أحد سيعيد إعمار سورية سوى الصين وروسيا. دول المحور الأميركي لن تقدم أي مال لسورية إلا بعد حسم القضية الفلسطينية وبعد حسم كل موضوع الشرق الأوسط.

أي قرش يدفع لسورية الآن يعتبر تهديدا لإسرائيل وفق العقل الغربي.

 

النظام السوري والتعامل مع الاشتراكيين

 

أنا عندما بدأت كتابة هذا الموضوع كنت أريد أن أقول شيئا ولكنني انجرفت عنه إلى شيء آخر.

أنا كنت أريد أن اتحدث عن أسلوب النظام السوري في مواجهة ترهات الاشتراكيين.

هم بدؤوا منذ الآن يتحدثون عن الفساد في عمليات إعادة الإعمار، رغم أن عمليات إعادة الإعمار لم تبدأ بعد.

لا بد لمواجهة ترهات الاشتراكيين أن تكون هناك شفافية كاملة في الاقتصاد السوري والدولة السورية.

أسلوب القمع لا يجدي، وأسلوب التجاهل لا يجدي أيضا.

لا بد أن يرد النظام السوري بشكل رسمي على كل اتهامات الفساد التي توجه له أو لمحاسيبه.

لا بد من انتهاج الشفافية الكاملة في عمليات إعادة الإعمار. لا بد أن تكون المعلومات متاحة لجميع الناس. يجب ألا يتم إخفاء أي شيء.

إخفاء المعلومات وتجاهل اتهامات الفساد يسوف يعيدنا إلى نفس الجو الذي كان سائدا قبل الحرب على سورية.

 

 

الإعلانات

4 thoughts on “هل سيعيد النظام السوري إنتاج ظروف فترة ما قبل الحرب على سورية؟

  1. الأستاذ هاني لا اعتقد أنك تعي معاني الاشتراكية لا أنت والاشتراكيين السوريين ، دول الاسكندافية تعتبر دول اشتراكية فما رأيك فيها …. الاشتراكية كفكرة متطورة أكثر بكثير من الاقتصاد الحر ( الرأسمالية ) .

      • شاهدت أول نصف ساعة من الفيلم ووجدت أنه ينتقد النظام النقدي القائم على البنوك المركزية ومبدأ الاحتياطي الجزئي للودائع. مثل هذه القضايا تندرج تحت بند يسمى “الإصلاح النقدي”، وأنا سبق أن تحدثت في تدوينة سابقة عن فيلم شبيه بهذا الفيلم.

  2. أنا أعرف ان وضع الانترنيت والكهرباء صعبة في حلب هذه الايام ، ولكن أخي العزيز هاني أرجوك لو استطعت تابع هذا الفيلم للأخير لأن مغزاها في آخرها …. ولا تنسى ان تعطيني رأيك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s