كيف يسبب الفكر الاشتراكي الفقر ويقضي على الثروة

أنا دائما أتهم الفكر الاشتراكي والشيوعي بأنه سبب الفقر في سورية. في هذه التدوينة سوف أروي قصة رمزية توضح الطريقة التي يتسبب من خلالها الفكر الاشتراكي والشيوعي بإفقار الناس.

لنفرض أن هناك مؤسسة تجارية تضم عددا كبيرا جدا من الموظفين (آلاف الموظفين). غالبية موظفي هذه الشركة يعملون كمندوبي مبيعات. كل واحد من هؤلاء يحصل على كمية من البضائع وهو مطالب ببيعها، وهو يحصل على عمولة من المبيعات.

المؤسسة كانت ناجحة وكان الموظفون يبيعون الكثير من البضائع، وكل واحد فيهم كان يربح الكثير من المال جراء بيعه للبضائع وحصوله على عمولة من الربح.

في يوم من الأيام تم تغيير مدير المؤسسة وأتى مدير جديد ذو توجه اشتراكي. هذا المدير عقد اجتماعا للموظفين وقال لهم أن عمل المؤسسة فيه ظلم وإجحاف، لأن بعض الموظفين يبيعون بضائع أكثر من الآخرين، وبالتالي هم يحققون أرباحا أكثر من غيرهم.

تفاديا لهذا الظلم قرر المدير الجديد ما يلي:

  • منع موظفي الشركة من بيع البضائع
  • المدير وحده هو الذي يحق له بيع البضائع، ودور الموظفين هو مساعدته وتنفيذ أوامره
  • في نهاية الشهر سوف يقوم المدير بتقسيم الأرباح وتوزيعها على جميع الموظفين بالتساوي

أي أن ما حصل هو أن المدير الجديد قرر أن يقوم بنفسه بالعمل الذي كان يقوم به آلاف الموظفين.

هذه هي فكرة “الاقتصاد المركزي” أو “الاقتصاد المخطط” التي يقوم على أساسها الاقتصاد الاشتراكي.

في السابق كان آلاف الموظفين يخرجون من بيوتهم كل صباح لكي يبيعوا البضائع التي بحوزتهم. هم كانوا يحققون ربحا شخصيا ولكنهم كانوا أيضا يحققون الربح للشركة التي يعملون فيها. في عهد المدير الجديد تغير أسلوب العمل جذريا. الآن لم يعد يحق للموظفين أن يبيعوا البضائع بأنفسهم وصار يجب عليهم أن يحضروا صباح كل يوم إلى مقر الشركة لكي يساعدوا المدير الذي يريد أن يبيع بنفسه كل البضائع.

ما الذي حصل بعد ذلك برأيكم؟

طبعا المدير لا يمكنه لوحده أن ينجز نفس العمل الذي كان يقوم به آلاف الموظفين. في نهاية الشهر الأول من عهد المدير الجديد تبين أن مبيعات الشركة انخفضت بشدة، لأن المدير عجز عن بيع البضائع المكدسة لديه. هو باع جزءا صغيرا من البضائع وقام بتوزيع الأرباح على الموظفين. الموظفون فوجئوا بأن الأرباح التي وزعها المدير عليهم هي أقل بكثير من الأرباح التي كانوا يحققونها في السابق عندما كان كل موظف يبيع البضائع بنفسه.

المدير قال لهم ما يلي: أنا أوزع عليكم الأرباح بالعدل. في السابق كان بعض الموظفين يحققون أرباحا أكبر من البقية. لا أريد أن أسمع أي اعتراض منكم ومن يعترض فهو رجعي إمبريالي معاد لأهداف الثورة.

الموظفون سكتوا وقبلوا بنصيبهم حتى لا يتهموا بأنهم من أنصار الرأسمالية المتوحشة. المدير استمر يعمل بنفس الطريقة. في كل شهر هو كان يجمع البضائع ويحاول أن يبيعها بنفسه، ولكنه لا يستطيع أن يبيعها لأنها أكبر بكثير من طاقته، وبالتالي هو لم يكن يحقق الكثير من الأرباح، وعندما يحين موعد توزيع الأرباح كان يوزع على الموظفين مبالغ تافهة.

مع مرور الزمن بدأ زبائن الشركة القدامى ينفضون عنها ويذهبون إلى شركات أخرى ذات كفاءة أكبر، وهذا فاقم أكثر من تدني أرباح شركتنا، لأنها خسرت سمعتها وزبائنها. سبب ذلك هو أنها خسرت كفاءتها وقدرتها على المنافسة.

الموظفون الذين كانوا في السابق نشيطين ومحترفين في العمل صاروا فعليا عاطلين عن العمل. هم يحضرون كل يوم إلى مقر الشركة ولكنهم لا يقومون بعمل يذكر. المدير هو الذي يقوم بكل العمل، والموظفون جالسون يتفرجون. مع مضي الزمن فقد الموظفون مهارتهم وكفاءتهم، لأنهم لا يعملون، ومن لا يعمل لا يمكن أن توجد لديه مهارة وكفاءة.

الشركات المنافسة رأت الوضع المأساوي للموظفين في شركتنا فقررت أن تجتذب من تبقى بينهم من الموظفين الماهرين. هي بدأت تمنح عقود العمل وفيزات الهجرة للموظفين الكفوئين الراغبين بالعمل لديها، وهذا أدى مع مرور الزمن إلى هجرة العمال الكفوئين من شركتنا وانتقالهم إلى الشركات الأخرى.

المحصلة النهائية هي أن شركتنا خسرت أرباحها وكفاءتها وسمعتها وزبائنها. هي خسرت كل شيء.

من تبقى من الموظفين في الشركة صاروا يشعرون بأنهم مجرد عالة ولا دور لهم. البضائع التي ينقلونها هي للمدير وليست لهم. هو الذي يتصرف في هذه البضائع ولا يحق لأحد غيره أن يتصرف بها.

مع مرور الزمن وبسبب تدهور وضع الموظفين بدأ بعضهم يسرقون البضائع بدون علم المدير ويبيعونها لحسابهم في السوق السوداء. هم رأوا أن المدير يكدس البضائع بدون فائدة إلى أن تتلف، وإذا نجح في بيعها فهو يبيعها بثمن ضئيل وغير مجز، وفي النهاية هو يوزع عليهم أرباحا ضئيلة. الأجدى بالنسبة لهم هو أن يسرقوا البضائع وأن يبيعوها لحسابهم في السوق السوداء.

رغم ذلك فإن حالة الموظفين استمرت بالتدهور. لا يمكن لكل الموظفين أن يسرقوا بضائع الشركة وأن يبيعوها من وراء ظهر المدير. هذا الأمر يفيد قسما ضئيلا من الموظفين وليس كلهم (خاصة المتواطئين سرا مع المدير أو المقربين منه). لهذا السبب بدأ الموظفون يشعرون باليأس والقنوط. هم يكرهون المدير الفاشل الذي تسبب بفقرهم، ولا يمكنهم لا يستطيعون أن يغيروه. لهذا السبب هم صاروا يشعرون باللامبالاة. هم صاروا يشعرون أن الشركة لا تعنيهم وأنهم مجرد ديكور فيها. هي شركة المدير وليست شركتهم.

المدير أحس بما يحصل لدى الموظفين. هو شعر بأنهم باتوا يكرهونه وربما يحاولون أن يخلعوه من منصبه. لهذا السبب هو قرر أن يستعين ببعض المرتزقة والمحاسيب لكي يدافعوا عنه ويحموه. هو صار يعطيهم حصصا كبيرة من أرباح الشركة على نحو غير شرعي، وفي مقابل ذلك صار هؤلاء يدافعون عنه ويشيدون بالمكتسبات والمنجزات التي تحققت في عهده. وكلما انتقد أحد أسلوب عمل المدير فإنهم يشنون عليه حملة ويتهمونه بأنه نيوليبرالي وعميل لصندوق النقد الدولي.

المحصلة هي أن المدير لم يكتف بتدمير الموظفين وإفقارهم وتهجيرهم، ولكنه صار يقوم بشيء أسوأ من الشيء الذي زعم أنه قام بالثورة لأجل محاربته. هو كان يقول أنه قام بالثورة للقضاء على الظلم والتفاوت في الدخل، ولكنه الآن صار يوزع المال بشكل عشوائي على محاسيبه وزبانيته، وهذا الأمر هو قمة الظلم والهدر لأموال الشركة.

أمام هذا الواقع المرير فقد الموظفون كل انتمائهم إلى الشركة، وكثير منهم صاروا يتواصلون مع الشركات المنافسة ويسربون لها الأسرار ويتآمرون معها. بعضهم صاروا مستعدين للقيام بثورة للإطاحة بالمدير. هم لا يهتمون إن أدت الثورة إلى تدمير الشركة كليا وسيطرة الشركات الأخرى على ممتلكاتها. ما يهمهم فقط هو الانتقام من المدير.

انتهت القصة.

هذه القصة لا تنطبق تماما على الوضع السوري، لأن الوضع السوري فيه بعض الاختلافات. في سورية المدير الحالي (بشار الأسد) حاول أن يجري إصلاحات، ولكن الزبانية والمحاسيب هم الذين يتصدون للإصلاحات ويصرون على الإبقاء على النظام الشيوعي الفاسد.

النظام الشيوعي أو الاشتراكي أو ما يسمى بالاقتصاد المركزي أو الاقتصاد المخطط هو ضرب من ضروب المركزية الإدارية. هذا النظام يقوم على فكرة تركيز الصلاحيات الاقتصادية في يد الحكومة المركزية.

المركزية الإدارية هي عموما فكرة سيئة وفاشلة، وعندما يتم تطبيق المركزية الإدارية في موضوع خطير كموضوع الاقتصاد والإنتاج فإن المحصلة ستكون تدهور الإنتاج والفقر العام والظلم الاجتماعي والتخلف والانهيار الشامل على كل المستويات.

المركزية الإدارية هي دائما سيئة سواء كانت في الاقتصاد أم غير الاقتصاد. لهذا السبب مفهوم “الاقتصاد المركزي” الذي ينادي به الاشتراكيون هو من حيث المبدأ مفهوم سيئ وفاسد، وفي الحقيقة أنا أعتبره مفهوما شيطانيا، لأننا نتحدث هنا عن التلاعب بقوت المواطنين. هذا الأمر ليس لعبة. عندما تأتي مجموعة من الناس لكي تتلاعب بقوت المواطنين وتتسبب بإفقار شعب كامل فهذا الأمر هو جريمة كبرى.

أفكار “الاقتصاد المركزي” و”الاقتصاد المخطط” و”القطاع العام” هي أفكار شيطانية شريرة. هذه الأفكار ليست مجرد وجهات نظر في الاقتصاد. هذه الأفكار أدت فعليا وعلى أرض الواقع إلى تدمير الإنتاج الاقتصادي في سورية. هذه الأفكار هي التي أفقرت الشعب السوري وأدت إلى هجرة العقول والكفاءات وتسببت بالتخلف والكارثة التي تعيشها سورية حاليا.

كل مصائب السوريين سببها هذه الأفكار الاشتراكية الشيطانية.

الإصلاح الإداري يعني ببساطة تطبيق اللامركزية. النظام المركزي هو أساس كل المشاكل، لأنه يعيق ويكبل الطاقات والقدرات. تطبيق اللامركزية في الاقتصاد يعني القضاء على المنظومة الاشتراكية والشيوعية.

لا يمكن أن ينصلح حال سورية إلا إذا تخلصنا من المركزية بكل أشكالها، خاصة المركزية الاقتصادية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s