الفلسفة الطائفية في تفسير التاريخ السوري

هذا الكلام من جريدة الشرق الأوسط يعبر عن نظرة أحد المتعصبين الطائفيين للتاريخ السوري:

http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=724378&issueno=12554

… ولننتبه إلى أن الانقلاب على الوحدة مع مصر عام 1961، تلته مباشرة محاولة من جانب «القوميين السوريين» في لبنان، نصرة لفكرة الانفصال عن «العروبة» بالخلفيات الثقافية والإثنية المفترضة في الجغرافيا والتاريخ، شأن الكيان الصهيوني. وبدأ العمل بوعي للانفصال عن «العروبة الإسلامية» بعد انقلاب 8 مارس (آذار) عام 1963، الذي سيطر فيه البعثيون العروبيون، المعادون بالدرجة الأولى لعروبة جمال عبد الناصر، أي لعروبة الأكثرية العربية السنية.

وبعد تعملات اتخذت صبغة راديكالية، استقر الوعي للانفصال عن عروبة الأكثرية، بهزيمة مصر وانحسار امتداداتها عام 1967، ثم وفاة جمال عبد الناصر 1970.

وهكذا صار الشرط الخفي لاستمرار وحدة سوريا أن يحكمها رئيس غير سني، وأن يتولى وظائف في الإقليم معادية للمشروع الوحدوي بالمنطقة، فيصبح الأسد مسؤولا عن قضية الأكثرية العربية (تحرير فلسطين)، وعن حماية الأقليات وإعزازها وتسكينها (ومن العلويين إلى المسيحيين فإلى الأكراد والشيعة)! وقد بدا ذلك واضحا في استماتة الأسد للسيطرة على المقاومة الفلسطينية بحجة أنه يملك استراتيجية أفضل للتحرير، واستماتته في مصارعة صدام حسين في العراق بحجة أنه الأولى بحماية الفكرة العربية بعد انكفاء مصر نهائيا بالصلح مع إسرائيل. فبعد عام 1973 ما سعى الأسد أبدا لتحرير الجولان، كما لم يسع ابنه بشار بعد وفاة الأب عام 2000. وخلال تلك المدة الطويلة أنجز مذابح ضد الأكثرية في سوريا ولبنان وفلسطين، ودخل في تحالفات مع إيران. وبما أنه قاتل عام 1990 مع الولايات المتحدة لتحرير الكويت، فإن الولايات المتحدة ورغم مناكفاتها معه ومع ابنه ما سعت إلا «لتغيير سلوكه» وليس لتغيير نظامه. كما أنه أو أنهما ظلا على تحالف مع روسيا في عهديها السوفياتي والاتحادي.

لتبرير فكرته هو قام بحرف الحقائق كليا. مثلا هو زعم أن انفصال سورية عن مصر في عام 1961 كان بسبب الأقليات، وأن الدافع وراء الانفصال كان “العداء لعروبة الأكثرية السنية”. أنا في حياتي لم أسمع مثل هذا الكلام من قبل. كل المصادر والكتب وكل من عايشوا تلك الفترة يقولون أن من نفذ الانفصال هم ضباط دمشقيون محافظون قريبون نوعا ما من فكر الإخوان المسلمين، وهناك كلام عن أنهم فعلوا ذلك بتحريض من آل سعود.

لا أدري من أين أتى هذا الكاتب بكلامه. هو ربما كان يتعاطى الحشيشة عندما كتب هذا المقال ولهذا اختلطت عليه الأمور على هذا النحو غير المعهود والذي لم يسبقه إليه أحد، أو ربما هي حشيشة الطائفية. التعصب الطائفي يصيب الإنسان بلوثة عقلية لا تختلف عن اللوثة الناجمة عن تعاطي الحشيشة.

أنا لا أريد أن أكون عنصريا ولكنني من متابعتي للإعلام لاحظت أن أكثر من يكذب ويفتري وبكل وقاحة هم بعض الإخوة اللبنانيين، وتحديدا من البيئة الموالية لسعد الحريري وآل سعود. مثلا قناة العربية كانت خلال الأزمة السورية تكذب على نحو غير طبيعي إلى درجة أنها أحرجت نفسها مرارا وتعرضت لانتقادات لاذعة من جهات غربية (حتى الصحف القطرية انتقدت قناة العربية في بعض الأحيان بسبب مبالغتها في الكذب والفبركة). أيضا من يشاهد قناة المستقبل اللبنانية يجد هياجا غير طبيعي في الكذب والفبركة. الكذب هو كذب فج على طريقة هذا الكذاب الذي غير التاريخ كليا. مثلا هم قالوا ذات مرة أن البوطي اعترض على مسلسل “ما ملكت أيمانكم” لأنه يسيء لعائلته. هذه الرواية لم أسمع بها من قبل. هي رواية اخترعها صحفي يعمل في الشرق الأوسط، ولدي شعور بأنه لبناني. في موقع “العربية نت” قرأت مرة وصف موقع دبكا بأنه موقع “أميركي”، رغم أن الموقع موجود في إسرائيل وهو موقع إسرائيلي بحت كما يقول هو عن نفسه. لماذا وصفه موقع العربية نت بأنه أميركي؟ ربما لأن العاملين في العربية نت يشعرون بالحرج لأن خطهم التحريري هو نفس خط موقع دبكا، ولذلك غيروا هوية الموقع إلى “أميركي”.

أي شخص يعرف شيئا في التاريخ السوري سيعرف أن كاتب المقال أعلاه هو كذاب أشر. الأنكى من الكذب هو الغاية التي يريد أن يصل إليها. لو أنه كان يكذب لهدف نبيل لربما كنا سكتنا، ولكنه يكذب لكي يبني نظرية طائفية مريضة. هو يريد أن يفسر التاريخ السوري بناء على صراع مزعوم بين الأقليات و”الأكثرية السنية”. هو يعتبر أن كل ما حدث في تاريخ سورية سببه هذا الصراع المزعوم، بينما أي قارئ للتاريخ يعلم أن الأقليات لم يكن لها دور مهم في السياسة السورية قبل الستينات، ووصول “الأقليات” إلى السلطة لم يكن نتيجة صراع تاريخي بين “الأكثرية والأقليات” وإنما هو في الحقيقة حدث بسبب انقسام الأكثرية على نفسها (لو أردنا أن نتحدث وفق هذا المنطق).

لا يوجد شيء في التاريخ السوري اسمه صراع بين الأكثرية والأقليات. ما حدث في الستينات كان مجرد مصادفة سببها سوء تربية الشعب السوري عموما. البعثيون عندما وصلوا إلى السلطة كانوا يعتبرون أنفسهم حزب علمانيا ضد الطائفية، ولكنهم عندما استلموا السلطة اختلفوا فيما بينهم وانقسموا إلى جماعات متصارعة. هذا أمر طبيعي يحصل في كل الجماعات والأحزاب. المفترض في هذه الحالة هو اللجوء للديمقراطية، ولكن تربية البعثيين والسوريين عموما لا تعرف شيئا اسمه الديمقراطية. لا يوجد في كل التاريخ السوري أحد مارس الديمقراطية. حكام سورية في الأربعينات لم تكن لهم علاقة بالديمقراطية بل هم استقتلوا لكي يبقوا في السلطة بأي ثمن ولجؤوا إلى كل الأساليب القذرة لكي يبقوا في السلطة. هم استخدموا العنف ضد معارضيهم واغتالوا خصومهم السياسيين وتحالفوا مع قوى خارجية (بما في ذلك القوى الغربية المعادية لسورية) وعدلوا الدستور لكي يمددوا لشكري القوتلي في السلطة بشكل غير شرعي، وعندما خسروا السلطة بعد انقلاب سامي الحناوي قرروا اللجوء إلى سياسة الحكم العسكري الديكتاتوري فدعموا أديب الشيشكلي وطبلوا وزمروا له.

الديمقراطية هي غير موجودة في التاريخ السوري. التاريخ السوري كله صراعات ومؤامرات من بدايته إلى نهايته. الاستعمار الغربي ربما كان له دور في خلق هذا الواقع، لأن الاستعمار الغربي أتى إلى سورية منذ البداية بعقلية تآمرية. أول مؤامرة غربية كانت اتفاقية سايكس-بيكو، وتلاها وعد بلفور، ثم ممارسات الانتداب الفرنسي، ثم تسليم لواء إسكندرون إلى تركيا، ثم تقسيم فلسطين، وغير ذلك من المؤامرات. الاستعمار الغربي نفذ مؤامرات متتالية ضد سورية في بداية القرن العشرين، وكل مؤامرة كانت أشد هولا من سابقاتها. هذا بلا شك أثر في نفسية السوريين. صحيح أنني أنتقد السوريين في الأربعينات والخمسينات، ولكننا يجب ألا ننسى المناخ الذي عاش فيه هؤلاء. هؤلاء شاهدوا الأهوال من الاستعمار الغربي، ولذلك هم فقدوا الثقة في الشعارات الغربية عن الحرية وحقوق الشعوب ونحو ذلك.

السوريون في الأربعينات والخمسينات لم يكونوا يؤمنون بالديمقراطية، وهذا هو سبب المشاكل في تاريخ سورية. في الأربعينات الدمشقيون لم يكونوا يريدون ترك السلطة وكانوا يريدون خلق إمبراطورية دمشقية في سورية، وهذه كانت بداية المشاكل. بعد ذلك ظهرت مشاكل أخرى طبقية وطائفية، ولكن لم يكن هناك في التاريخ السوري شيء مهم اسمه “صراع بين الأكثرية والأقليات”. الصراع الأساسي في ذلك الزمن كان داخل الأكثرية السنية نفسها. ليس هناك في سورية تاريخيا شيء اسمه أكثرية سنية. لا يوجد مرة في التاريخ السوري تكتل فيها العرب السنة مع بعضهم. العرب السنة في سورية هم دائما منقسمون، لأنه لا يوجد شيء أصلا اسمه كتلة سنية في سورية. هذه الكتلة هي عبارة عن حلم موجود لدى الإخوان المسلمين ولدى القوميين الدمشقيين الذين حاولوا دائما تأسيس عصبية عربية سنية تساعدهم على تحقيق مشروعهم.

أساس المشكلة في سورية هو غياب ثقافة تداول السلطة والثقة بالآخر. لو أن البعثيين في الستينات اتفقوا فيما بينهم على تداول السلطة بشكل حضاري لما كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه. نظام حافظ الأسد لم ينشأ بسبب مؤامرة علوية تاريخية. هذا النظام أتى بالصدفة المحضة. من المستبعد أن العلويين في سورية كانوا يخططون للاستيلاء على السلطة قبل نظام حافظ الأسد. هذا كلام خرافي لا علاقة له بالواقع.

الضباط العلويون كانوا في البداية جزءا من النظام البعثي. عندما انقسم البعثيون تكتل العلويون مع الدروز وغيرهم من الأقليات ضد الفريق اليميني. بعد ذلك اختلف العلويون مع الدروز، ثم اختلف العلويون فيما بين أنفسهم (فريق مع حافظ أسد وفريق مع صلاح جديد). العملية كانت عملية عشوائية وفق نظرية “صراع البقاء” التي وصفها داروين. هي لم تكن نتيجة تخطيط مسبق. في ذلك الزمن كان هناك صراع دارويني بين القوى والتيارات السياسة السورية وكان هم كل طرف هو القضاء على الآخرين قبل أن يقضوا عليه. الصدفة شاءت أن الضباط العلويين وحافظ الأسد هم الذين ربحوا في صراع البقاء هذا. هم ربحوا لأنهم كانوا من الأصل أقوياء في الجيش.

الديمقراطية في سورية صعبة جدا لأن لا أحد يثق بالآخرين. الضباط العلويون يعتقدون أنهم لو تخلوا عن السلطة فإن السنة المتعصبين سيتسللون إلى الدولة وسينتقمون من العلويين. للأسف الشديد أحداث الثورة السورية رسخت هذا الاعتقاد لديهم. أحداث الثورة السورية بينت بالفعل أن هناك كثير من السنة المتعصبين في سورية الذين لا يريدون التفاهم والتسوية وإنما يعملون وفق “نظرية أنا أو لا أحد”. ليس هذا فقط بل هم أثبتوا أنهم مستعدون للتحالف مع الشيطان وفعل كل شيء ممكن لكي يصلوا إلى السلطة، حتى لو دمروا سورية بكاملها.

كيف نتوقع من ضباط النظام السوري أن يتخلوا عن السلطة لأمثال هؤلاء؟ هذا طلب مستحيل.

المشكلة هي أن القضية حاليا في سورية ليست قضية رئاسة. لو كانت المشكلة تنحصر في الرئيس الأسد لكانت مسألة بسيطة، ولكن المشكلة هي أن قسما من السوريين هو مشحون على أساس طائفي. هؤلاء لن يكتفوا بتغيير الرئيس الأسد ولا بأية تسوية مع النظام الحالي. هؤلاء يريدون إزالة النظام الحالي بالكامل لأسباب طائفية محضة (حتى لو تحدثوا بكلام آخر عن الجرائم ونحو ذلك). هم لا يؤمنون أصلا بمنطق التسوية والشراكة كما بينت الأحداث.

المصيبة الكبيرة هي أن هؤلاء عموما ليست لهم قيادات محلية سورية يمكن التفاوض معها. هم في الغالب عبارة عن غوغاء غير منظمين. من يتحكم بهم هو المخابرات التركية والقطرية والسعودية ونحو ذلك. كل ما نشاهده على الإعلام من مجالس وهيئات هو مجرد ديكور ليس أكثر. أنا لا أظن أن أحدا من معارضي الخارج يستطيع أن يؤثر بشيء على الغوغاء الذين ينشطون في الداخل السوري. هؤلاء لا يمكن لأحد أن يتحكم بهم سوى أجهزة المخابرات التي تمسك أميركا بخيوطها.

لو فرضنا أن أحدا من المعارضين الخارجيين قرر التفاوض مع النظام فإن المخابرات الأميركية ستعمل على إقصائه وإزاحته. القرار الحقيقي لما يسمى الثوار هو ليس عند معارضي الخارج وإنما عند الدول التي نصبت هؤلاء المعارضين.

النظام السوري حاول جاهدا أن يتفاوض مع الجماعات المسلحة في سورية ولكنه فشل في ذلك. هذه الجماعات تنقسم إلى قسمين، قسم موال للقاعدة يرفض الحوار من حيث المبدأ (سواء مع النظام السوري أو غيره)، وقسم آخر موال للمخابرات الأجنبية لا يمكن التحاور معه إلا إن أعطت أميركا الضوء الأخضر لذلك.

المخابرات الأجنبية تحرك الثوار الموالين لها لكي يشنوا هجمات متواصلة على المدن السورية والجيش السوري. هذه الهجمات ليس لها هدف معين. هي فقط تهدف للاستنزاف. هم يشنون حرب استنزاف ضد الدولة السورية بهدف إيصالها إلى مرحلة التحلل والزوال، والشعار هو إسقاط النظام. كلمة “إسقاط النظام” هي كلمة لا يمكن لأحد أن يفهم ماذا تعني. حتى الثوار لا يفهمون ما هو معناها. معنى هذه الكلمة لدى الثوار هو تقريبا كما يلي:

شن هجمات وأعمال تخريب متواصلة حتى يأتي يوم يتبخر فيه العلويون من سورية

هذا هو ما فهمته من متابعتي لكلام الثوار. أنا أحاول جاهدا منذ بداية الثورة أن أفهم ما الذي يقصدونه بكلمة “إسقاط النظام”، ولكنني لم أفهم شيئا أكثر من هذا السطر (الذي هو كلام بلا معنى). هم يقولون أنهم يريدون إزاحة العلويين عن السلطة (حسب قولهم)، ولكنني لا أدري كيف سيصلون إلى هذا الهدف عبر أعمالهم، ولا أدري أصلا ما هو معنى عبارة إزاحة العلويين بالتطبيق العملي، ولا أدري كيف ستصبح الأمور أفضل بعد تحقيق هذا الشعار الغامض.

أنا أخشى أن كثيرا من هؤلاء الثوار هم ربما مشحونون بأفكار دينية معينة تؤثر على تفكيرهم وتجعلهم يفكرون بشكل خرافي. هم ربما يتصورون أنهم إن استمروا في شن الهجمات وأعمال التخريب فسيأتي يوم ينصرهم فيه الله عبر إنزال ملائكة تؤثر في قلوب العلويين وتدفعهم للهرب (مثلا)، على أساس أن الله لا بد أن يستجيب في النهاية وينصر المجاهدين. أنا أخشى بالفعل أن يكون الثوار يفكرون بمثل هذه الطريقة، لأنني حتى الآن لا أفهم ما هو الهدف من سلوكهم ولا أفهم ما هو الهدف الذي يريدون تحقيقه بالضبط من شن الهجمات وأعمال التخريب.

Advertisements

One thought on “الفلسفة الطائفية في تفسير التاريخ السوري

  1. حوار مع الجماعات المسلحة؟ احترم عقولنا استاذ هاني … النظام ماقدر يعمل حوار مع هيئة التنسيق التي رفضت العنف والسلاح والتدخل الخارجي! عبد العزيز الخير لا يزال معتقل الى الان .. وتحدثنا عن حوار مع المسلحين؟!

    بالمناسبة نحن أيضا لانفهم التفكير الخرافي للنظام. هل يعتقد أنه بقصفه العشوائي بمختلف الاسلحة على المدن والقرى سيجعل المسلحين يتبخرون؟! القضاء على المعارضة المسلحة لايكون بتدمير البيوت والبنى التحتية. هو يدمر سوريا كبلد بطريقة لم تكن اسرائيل تحلم بها.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s