سورية تقترب من النصر المزعوم

لا يوجد فيما حدث منذ بداية الثورة السورية وحتى الآن أي مفاجأة.

أميركا في الأشهر الأولى للثورة السورية تبنت هذه الثورة بقوة وطالبت الأسد بالتنحي وهجمت على المنظمات الدولية والدول التي لها علاقة بسورية لكي تجبر هذه الدول على مقاطعة سورية ومحاصرتها، وفعلت كل ما بوسعها لتسعير العنف الغوغائي في سورية سواء بشكل مباشر أم غير مباشر عبر أتباعها، وقامت بشن حملة تشهير دولية ضد سورية بهدف تشويه صورتها وتحويلها إلى “دولة مارقة”.

كل هذا ليس فيه أي مفاجأة. هو استمرار طبيعي للسياسة الأميركية التقليدية ضد سورية. أميركا هي بلد معاد لسورية وكانت على الدوام تعتبرها دولة مارقة، وما حدث في عام 2011 هو أن أميركا وجدت فرصة ذهبية سانحة لتسديد عدد هائل من الطعنات والضربات لسورية تحت ستار الربيع العربي والثورة السورية.

في ذلك الوقت أنا قلت أن إسقاط النظام السوري هو هدف ثانوي لدى أميركا، وقلت أن أميركا ستتخلى عن هذا المطلب بمجرد أن تجد أنها حققت أهدافها ونجحت في تدمير سورية.

أميركا الآن تخلت فعليا عن مطلب إسقاط النظام السوري، وهي تخلت أيضا عن دعم “الثوار” وصارت تصفهم بالإرهابيين. الإعلام الغربي حاليا يرسم صورة بشعة عن الثوار. هو يصفهم بشكلهم الحقيقي وليس بالشكل الخيالي الذي كان يصفهم به قبل عامين.

أميركا تخطت مرحلة إسقاط الأسد والنظام السوري. هذه المرحلة انتهت ونحن الآن نقف على أعتاب مرحلة جديدة. هذا أمر واضح من مجرد متابعة الإعلام الغربي.

السؤال المهم هو لماذا تخلت أميركا عن مطلب إسقاط النظام السوري؟

طبعا النظام السوري يقول أن أميركا فشلت وعجزت ويأست إلخ. هو يصور الأمر وكأن أميركا تحطمت على صخرة صمود وممانعة بشار الأسد. بالنسبة للنظام ما حصل هو انتصار تاريخي جديد يضاف إلى قائمة انتصارات النظام السوري.

ولكن الحقيقة هي غير ذلك. أميركا لم تفشل بل نجحت نجاحا باهرا. هي حققت معظم أهدافها باستثناء هدف وحيد مهم وهو فرض عقوبات على سورية عبر مجلس الأمن، ولكن رغم فشلها في هذا الموضوع فإنها نجحت عموما في إعادة سورية 10 أعوام إلى الوراء على الأقل.

لو فرضنا أن سورية استقرت الآن فهي بحاجة إلى 10 سنوات على الأقل حتى تعود إلى ما كانت عليه قبل الثورة السورية. هذا يعني أن هناك 20 سنة ضاعت من عمر سورية، وهذا أمر كارثي بالنسبة لبلد متخلف كسورية. كلمة “متخلف” هي مشتقة من “خلف”. سورية كانت أصلا خلف الدول الأخرى بعشرات السنين، فما بالك بإضاعة 20 سنة أخرى؟

تاريخ الكيان السوري منذ إنشائه في بداية القرن العشرين وحتى اليوم هو مجرد تاريخ هزلي مضحك. هذا الكيان لم يحقق شيئا على الإطلاق سوى تخريب وتدمير نفسه. لا يوجد في عمر هذا الكيان أية سنوات شهدت نموا مهما سوى عدد قليل ومحدود جدا من السنوات لا يتجاوز ربما العشر سنوات. السنوات الوحيدة في تاريخ هذا الكيان التي شهدت استقرارا نسبيا ونموا اقتصاديا هي سنوات حكم أديب الشيشكلي في بداية الخمسينات وسنوات حكم بشار الأسد الأخيرة قبل الثورة السورية. هذه السنوات التي لا يصل مجموعها إلى عشر سنوات هي السنوات الوحيدة في تاريخ الكيان السوري التي شهدت نموا اقتصاديا، وأما بقية سنوات هذا الكيان فلم يكن فيها شيء سوى التخريب والتدمير والفوضى والنزاعات والقلاقل.

هذا الكيان هو عبارة عن مهزلة حقيقية. هو عبارة عن مكيدة استعمارية دنيئة. الاستعمار أوجد هذا الكيان الهزلي لكي يبقي شعوب المنطقة في حالة دائمة من الضعف والتخلف.

طبعا التخلف -كما أقول دائما- هو ليس أمرا ماديا، بل هو ثقافة موجودة في العقول. التخلف والتقدم هي أمور توجد في رؤوس الناس وليس في مبانيهم وشوارعهم.

ألمانيا واليابان تعرضتا في الحرب العالمية الثانية لتدمير مادي هائل، ولكن هاتين الأمتين سرعان ما عادتا إلى الساحة الدولية كقوى مهمة. ألمانيا واليابان نمتا بسرعة كبيرة بعد الحرب العالمية وتفوقتا حتى على بريطانيا وفرنسا (التي هي نظريا دول منتصرة في الحرب). ما هو سر هذا النمو السريع لألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية؟

السر هو أن الألمان واليابانيين ظلوا متقدمين حتى بعد خسارتهم الحرب وتدمير بلدانهم، لأن التقدم هو شيء موجود داخل رؤوسهم ونفوسهم ولا يمكن تدميره بالقنابل والقذائف. لا يمكن لشعب متقدم أن يصبح متخلفا حتى لو تعرضت بلاده للتدمير المادي الكامل. الطريقة الوحيدة لتدمير أمة متقدمة وتحويلها إلى أمة متخلفة هي بتغيير ثقافتها، وهذا أمر صعب وبحاجة لعوامل معقدة وطويلة المدى.

دولة لبنان هي مثال على أمة متقدمة ثقافيا على جيرانها رغم تخلفها المادي عنهم. أنا قلت هذا الكلام سابقا وبعض القراء انزعجوا منه، ولكنه حقيقة. صحيح أن لبنان بالمؤشرات المادية هو متخلف أكثر من سورية، ولكن أنا لا أصدق أن اللبنانيين هم متخلفون أكثر من السوريين.

المسيحيون في لبنان لديهم صلات ثقافية قديمة بأوروبا تعود إلى بدايات القرن 19 على الأقل. هم منذ 200 سنة تقريبا يحرصون على التعلم باللغات الأجنبية ويتابعون ما يصدر في الغرب من علوم وثقافة أولا بأول. أما السوريون المسلمون فهم كانوا وما زالوا يترفعون عن التعلم باللغات الأجنبية، وهم ينتظرون من يترجم لهم ما يصدر في الغرب لكي يتعلموا منه. هذا الفرق في التعاطي مع الثقافة الأوروبية انعكس بوضوح على المستوى الثقافي للشعبين. المستوى الثقافي للمسيحيين هو أعلى من المستوى الثقافي للمسلمين. طبعا بعض الناس سيطلبون مني دليلا على ذلك، وأنا سبقت أن ذكرت الدليل في مقال سابق.

أبسط دليل هو موضوع اللهجة. هناك ظاهرة معروفة في علم الأنثروبولوجيا تسمى الانتشار الثقافي cultural diffusion. المقصود بالانتشار الثقافي هو أن يتقمص أناس من ثقافة معينة عناصر من ثقافة أخرى. التأثير اللغوي الذي ينتقل من ثقافة إلى أخرى هو أحد الأمثلة على الانتشار الثقافي.

حاليا لو نظرنا إلى السوريين نجد أنهم يتقمصون لغة اللبنانيين، وهذا أمر واضح جدا ولا مجال لإنكاره. هذا مثال واضح على الانتشار الثقافي. هو دليل على أن الثقافة تنتشر من لبنان إلى سورية وليس العكس. السوريون يشعرون بالدونية الثقافية أو الحضارية تجاه اللبنانيين ولذلك يتقمصون لهجتهم. هذا هو التفسير العلمي الوحيد لهذه الظاهرة، وأما التفسيرات الأخرى التي قد يطرحها البعض فلا قيمة لها في العلم.

حالة لبنان هي مثال آخر على أن التقدم والتخلف هو ليس أمرا ماديا بقدر ما أنه أمر ثقافي.

دول الخليج هي أيضا مثال. دول الخليج لديها الكثير جدا من المال، ولكن هذه الدول ليس لها تأثير ثقافي يذكر في محيطها. مثلا دولة قطر تملك أموالا طائلة، ولكن ما هو التأثير الثقافي والحضاري لدولة قطر في المنطقة؟ هل هناك ثقافة في قطر أصلا؟

في قطر لا توجد ثقافة لأن الشعب ممنوع أصلا من الحديث. لا أحد يحق له الحديث سوى شيخ البلاد. قبل فترة كان هناك شاعر قطري ألقى قصيدة فيها أفكار حرة، ولكن شيخ قطر سارع إلى حبسه وحكم عليه بالسجن المؤبد. كيف يمكن للثقافة أن تزدهر في هكذا مجتمع يسجن فيه الإنسان لأجل قصيدة؟

طبعا نفس الأمر ينطبق على سورية. في سورية هناك مزيج من قمع حرية التعبير ومن الانغلاق والتعصب والجهل المسيطر على عقلية الحكام. هذا المزيج لا يؤدي لشيء سوى التخلف.

أنا أريد من هذا الكلام أن أقول أن تدمير سورية ماديا والحصار الأميركي هي ليست الأسباب الوحيدة لتخلفها. السبب الأساسي لتخلف سورية هو الثقافة الانغلاقية القمعية الظلامية.

لا يمكن لسورية أن تتقدم إلا بإطلاق حرية التعبير، واحترام القانون (خاصة من قبل الحكام لأنهم أكثر من يخرق القوانين والأعراف)، والاهتمام بالتعليم.

الاهتمام بالتعليم هو الخطوة الأولى، وهو أهم حتى من إطلاق حرية التعبير. هل في سورية هناك اهتمام كاف بالتعليم؟ لا أعتقد ذلك. في سورية لا يوجد اهتمام كبير بالتعليم. الأمور التي قامت بها الحكومة مؤخرا كتغيير المناهج والسماح بالجامعات الخاصة هي أمور موجودة في الدول المجاورة منذ عشرات السنين. هذه الأمور هي من البديهيات، وهي ليست كافية.

إلى الآن ما زال نظام التعليم في سورية متخلفا جدا مقارنة بالدول المجاورة كالأردن ولبنان وكيان الاحتلال الإسرائيلي. حتى بعد الإصلاحات التي قامت بها حكومة بشار الأسد.

في سورية هناك إمكانية لزيادة الإنفاق على التعليم بشكل كبير جدا، وأنا ذكرت سابقا بعض الطرق لذلك.

نظام التعليم المطبق في سورية حاليا هو نظام فاشل من أساسه. هو نظام يقوم على فكرة أن الدولة يجب أن تتحمل مسؤولية تعليم الناس. هذا المنطق هو نفس المنطق الاشتراكي الشيوعي اللعين الذي أدى لتدمير كل شيء في سورية خلال الخمسين عاما الماضية.

صحيح أن سورية حاليا مدمرة ماديا، ولكن رغم الدمار المادي هناك أمام سورية فرصة للدخول في نهضة علمية وثقافية. هذا الأمر لا يكلف الكثير من المال. هو فقط بحاجة لاهتمام ووعي وإدراك.

أكثر ما يصيبني بالغضب هو موقف النظام السوري من التعليم باللغة الأجنبية. هو يمنع التعليم باللغات الأجنبية بحجة تمكين اللغة العربية.

هل هناك أصلا علم باللغة العربية حتى نقوم بتمكينه؟

أنا أوافق على تمكين اللغة العربية في العلم وأؤيد ذلك، ولكن بشرط أن يكون هناك علم باللغة العربية. في سورية لا يوجد علم حقيقي باللغة العربية. هناك فقط ترجمات رديئة، ولكن لا يوجد إنتاج أو بحث علمي باللغة العربية، ولا توجد مصادر ومراجع علمية مهمة باللغة العربية.

ما يقوم النظام السوري به عمليا هو تجهيل الناس وفرض الجهل عليهم بالقوة. هو يمنعهم من التعلم باللغات الأجنبية دون أن يوفر لهم البديل.

أنا يمكنني أن أطرح أفكارا عديدة لتمكين اللغة العربية، ولكن ما يقوم به النظام السوري لا دخل له بتمكين اللغة العربية. هو فقط جزء من سياسة تجهيل المجتمع ونشر التخلف.

وجود الجامعات التي تعلم باللغات الأجنبية لا يؤثر شيئا على اللغة العربية. النظام السوري إن كان مهتما باللغة العربية كما يزعم (وهو كاذب) فيمكنه أن يدعم الجامعات التي تعلم باللغة العربية، ولكن لا يحق للنظام السوري أن يمنع أية جامعة أو مدرسة من التعليم بلغات أخرى. منع العلم مهما كانت لغة هذا العلم هي جريمة كبرى لا يقدم عليها إلا عقل موغل في الجهل والتخلف والظلامية.

الأولوية في سورية هي إصلاح قطاع التعليم. هذا أهم شيء على الإطلاق. هناك أمران مستعجلان يجب القيام بهما في أسرع وقت وهما تغيير طريقة تمويل التعليم والكف عن منع التعليم باللغات الأجنبية.

المطلوب هو ما يلي باختصار:

  • إلغاء ما يسمى بالتعليم المجاني.
  • إنشاء نظام لدعم التعليم عبر المنح.
  • السماح بإنشاء جامعات أجنبية والتشجيع على ذلك.

هذه النقاط الثلاث هي أهم شيء مطلوب في سورية على الإطلاق. بدون تطبيق هذه النقاط لن يتطور التعليم في سورية أبدا، وهذا يعني أن سورية ستظل متخلفة.

هذه النقاط هي أهم لسورية من كل الأمور السياسية ومن الجدل الفارغ حول الرئيس والعلمانية والإسلامية وغير ذلك من الترهات.

نحن شعب متخلف جدا. نحن لسنا مؤهلين لكي نتصارع حول الحكم والمناصب، ولسنا مؤهلين لكي نتجادل حول علمانية الدولة أو إسلاميتها. هذه الأمور بالنسبة لنا هي ترف كبير.

نحن بحاجة لزيادة الإنفاق على التعليم، وهذا الأمر غير ممكن إلا بتطبيق نظام المنح الذي شرحته سابقا والذي يميز بين الطلاب حسب مداخيلهم وحسب مستواهم الدراسي. أيضا نحن بحاجة لزيادة احتكاكنا مع المصادر العلمية الأولية (الأصلية)، وهذا الأمر غير ممكن بدون زيادة الاهتمام باللغات الأجنبية.

النظام السوري ينظر للتعليم في سورية بطريقة فولكلورية هزلية. هدف النظام السوري هو منح الشهادات الجامعية لأكبر عدد من الناس بهدف كسب الشعبية. النظام السوري ينظر للتعليم من زاوية سياسية ولا يهتم بصدق بتطوير نوعية التعليم. هذا الواقع يجب أن يتغير.

بعد إصلاح التعليم تأتي كل الأمور الأخرى، بما في ذلك حرية التعبير وإصلاح القضاء وأجهزة الأمن.

كل الإصلاحات لا يمكن أن تجدي نفعا إذا كان الشعب جاهلا. لهذا السبب التعليم هو أولوية أهم من كل شيء آخر.

حتى الاقتصاد لا يمكن أن ينمو بشكل مستدام بدون الاهتمام بالتعليم. الاقتصاد الحقيقي هو الاقتصاد الذي يستند على العلم والمعرفة والإبداع والاختراع.

فرنسا والعدوان على مالي

 

العدوان الفرنسي على مالي هو ربما تعبير عن الفشل في سورية. الفرنسيون بعدما شعروا بالعجز والفشل في سورية يحاولون أن يفشوا خلقهم في مالي.

فرنسا خلال العامين الماضيين شنت ثلاثة حروب متتابعة ضد ليبيا وسورية ومالي. ما هو السر وراء هذه الحروب؟

طبعا بعض متفلسفي النظام السوري كانوا يقولون أن سبب الحروب هو نيقولا ساركوزي. هذه النظرية سقطت بعد رحيل ساركوزي. نحن نرى أن سياسة الحروب استمرت حتى في عهد الرئيس الحالي اليساري.

الحروب الفرنسية الحالية لا دخل لها بساركوزي أو هولاند. هي في رأيي انعكاس للأزمة الاقتصادية التي تعيشها فرنسا والغرب عموما. الفرنسيون لهم تاريخ حافل في تصدير مشاكلهم الداخلية نحو الخارج.

الأزمات الاقتصادية في الغرب كانت دائما تحفز الحروب. سبب الحرب العالمية الثانية هو الأزمة الاقتصادية التي عاشها الغرب في الثلاثينات. هذه الأزمة هي التي أدت إلى صعود النازيين وإعادة بناء الجيش الألماني.

من يقرأ تاريخ أوروبا في القرن 19 يجد أن سياسة تصدير المشاكل نحو الخارج كانت في الدرجة الأولى سياسة فرنسية. الأزمة الاقتصادية التي عاشتها فرنسا خلال القرن 18 أدت في نهاية هذا القرن إلى ما يسمى بالثورة الفرنسية. فرنسا خلال القرن 18 خاضت سلسلة من الحروب الاستعمارية ضد بريطانيا، وهذه الحروب انتهت كلها تقريبا بهزيمة فرنسا، والهزيمة الكبرى كانت في الحرب المسماة “حرب السنوات السبع” والتي خسرت فيها فرنسا كثيرا من مستعمراتها لصالح بريطانيا.

هذه الحروب والهزائم المتتالية دمرت الاقتصاد الفرنسي، فكانت النتيجة هي “الثورة الفرنسية” في نهاية القرن. الإنكليز كانوا أيضا يعانون من ضائقة مالية بسبب حروبهم المتتالية مع فرنسا، ولكنهم قاموا بتحويل قسم كبير من أعبائهم على مستعمراتهم، فكانت النتيجة هي “الثورة الأميركية” التي اندلعت لنفس السبب الذي اندلعت لأجله الثورة الفرنسية.

هذه الثورات الغربية رفعت شعارات الحرية والإخاء والمساواة، ولكن هذه الشعارات لم تستمر لفترة طويلة. مثلا فرنسا سرعان ما تحولت إلى “إمبراطورية” في عهد نابوليون وعادت مجددا إلى الحروب الخارجية الاستعمارية. هذه الحروب النابوليونية انتهت بهزيمة جديدة لفرنسا في بداية القرن 19 رسخت سلسلة الهزائم السابقة في القرن 18. بعد ذلك جاء “لويس فيليب” الذي كان طاغية كسابقيه ولكنه حاول التعويض عن سلسلة الهزائم باستعمار الجزائر، وبعد لويس فيليب جاء “نابوليون الثالث” الذي كان أيضا طاغية، ولكنه تميز بكثرة الحروب الخارجية في عهده حيث أنه كان يعتقد أن كثرة الحروب في الخارج تسكت المعارضة في الداخل. هو استعمر الهند الصينية وحارب روسيا في القرم وشن حربا على مملكة سردينيا الإيطالية وتدخل في المكسيك خلال فترة الحرب الأهلية الأميركية. معظم هذه الحروب كانت حروبا فاشلة لم تستفد منها فرنسا شيئا بل بالعكس هي أدت لكوارث لفرنسا. مثلا التدخل في سردينيا أدى إلى توحيد الممالك الإيطالية ونشوء دولة إيطاليا الكبيرة إلى جانب فرنسا. أما أكبر مهازل نابوليون الثالث فكانت حربه العبثية ضد بروسيا. هذه الحرب انتهت بهزيمة تاريخية لفرنسا في معركة سيدان، والمشكلة لم تكن فقط في الهزيمة أمام بروسيا وإنما في أن هذه الحرب أدت إلى توحيد ألمانيا ونشوء “الرايخ” إلى جوار فرنسا. هذا الرايخ هو الذي شن الحروب المدمرة على فرنسا في عامي 1914 و 1939، والتي في الحقيقة لم تكن إلا انتقاما ألمانيا مؤجلا منذ قرون، لأن فرنسا لطالما تدخلت في ألمانيا ودمرت مستقبل هذا الشعب عدة مرات على مدار القرون.

هذا هو تاريخ السياسة الفرنسية. هو عبارة عن سلسلة من العبث والفشل والهزائم. الأزمة الاقتصادية الأخيرة نشطت في الفرنسيين غرائزهم الاستعمارية القديمة فباتوا يبحثون عن حروب خارجية جديدة تنتهي بهزيمتهم كما هي العادة.

فرنسا هي أقل القوى الغربية الكبرى عقلانية، وهذا هو سبب خسارتها لمعظم حروبها. فرنسا كانت في القرن 17 القوة الأولى في أوروبا والعالم، ولكن بسبب السياسة الرعناء واللاعقلانية التي اتبعها الفرنسيون كانت النتيجة هي أن هذه القوة التاريخية الكبرى هوت إلى الحضيض وتحولت إلى مسخرة بين الأمم. حاليا أكبر إنجاز لفرنسا هو أن تنجح في احتلال مالي. حتى سورية صارت هدفا عصيا على فرنسا.

قصة فرنسا في رأيي هي عبارة عن مسخرة. تاريخ هذا البلد هو مثير للضحك.

الإعلانات

8 thoughts on “سورية تقترب من النصر المزعوم

  1. عن أي انتصار تبحث فرنسا في مالي؟

    بدأت الأزمة عندما قامت المجموعات (الإرهابية) باحتلال مدينة بوسط مالي، وكان ذلك يوم الأثنين..

    يوم الثلاثاء قام الرئيس المالي (عبد الغرب) بالاستنجاد بفرنسا..

    يوم الأربعاء أعلن هولاند أن فرنسا ستتدخل في مالي.. طبعاً كانت فرنسا محضرة حالها منذ الزيارة التاريخية التي قام بها هولاند إلى الجزاشر، وأنا قلت يومها أن هذه الزيارة ليست لوجه الله..

    يوم الخميس انطلقت القوات الفرنسية إلى مالي وبدأ القصف في مساء الخميس (على ما أذكر).. يومها تم الاعلان عن مقتل الطيار الفرنسي، ولم يعطونا أي تفصيلات عن الحادث..

    يوم الجمعة أعلنت المجموعة الإرهابية بإعلان انسحابها من المدينة!!!!

    هل لأحد أن يقول لنا عن أي انتصار تبحث فرنسا؟؟؟
    فرنسا تريد أن تظهر عضلاتها أمام قوى ضعيفة لدرجة أنها لا تستطيع المقاومة والسيطرة على مدينة لمدة أسبوع،،، أسبوع واحد لا تستطيع الصمود! ما هذه القوة التي تريد فرنسا تدميرها..

    المجموعات المتمردة في سوريا عندما تدخل إلى مدينة، تقوم أولاً بإرهاب أهلها، ثم تفتح الطريق أمام المجموعات للسلب والنهب، تنتشر الحواجز، ثم يبدأ قصف النظام، في الأماكن التي لا يدمرها النظام تقوم المعارضة إما بحرقها أو يتفجيرها.. والنتيجة النهائية لا غالب ولا مغلوب وتبقى الأمور على ما هي عليه حتى ننتقل إلى مدينة أخرى، وهكذا… لذلك أعتقد أن المجموعات في مالي ليست إلا مجموعات من الهواة الذين لا يفقهون بالعمل الإرهابي، وعليهم أن يعملوا دورة تدريبية عند المتمردين السوريين ثم ينطلقوا لقتال الكفار..

  2. أنا من متابعي المدونه منذ مدة ومعجبة بافكارك والثقافة العالية التي تتمتع بها أخي هاني.
    أرجوا منك ان تقوم بوضع تحليل للوضع الإقتصادي السوري ومستقبل الليرة السورية وهو موضوع مهم لأنه يمس الحياة اليومية للمواطن السوري وياريت تضع لنا مقال عن توقعك لقيمة الليرة السورية مقابل الدولار..اليورو..إلخ على المدى القريب والمتوسط والبعيد (ثبات, إنهيار, تحسن) وماهي نصائحك لمن يريدون أن يحافظوا على مدخراتهم تحويلها إلى عملات أخرى أو ذهب أو الإحتفاظ بالليرة السورية أرجوا الإفادة للأهمية مع الشكر الجزيل مسبقاً.

    • أنا لست خبيرا اقتصاديا ولكنني رغم ذلك قلت رأيي في أحد المقالات… أنا توقعت أن ينهار سعر الليرة خلال العام الحالي… ولكن مؤخرا سمعنا خبر الاتفاقات مع إيران… إيران وافقت على إيداع مبلغ بالدولار في البنك المركزي السوري… وأيضا هي ستقايض البضائع مع سورية… هذه الإجراءات إن طبقت فعلا فهي ربما تمنع انهيار سعر الليرة… ولكن رغم ذلك أنا أتوقع أن ينخفض سعر الليرة قليلا…

      أنا لست متنبئا… ولكن طالما أن الحرب مستمرة والإنتاج متوقف والعقوبات مستمرة ولا توجد سياحة ولا تحويلات فماذا نتوقع؟ هل نتوقع ارتفاع سعر الليرة مثلا؟ لا طبعا… المتوقع هو انخفاض سعر الليرة… الإجراءات الإيرانية في رأيي لن تمنع الانخفاض… وأصلا إيران هي عاجزة عن المحافظة على سعر عملتها…

      إذا عاد التصدير إلى العراق مجددا فربما يستقر وضع الليرة… ولكن حاليا لا يوجد تصدير… وبالتالي هناك نزيف مستمر للعملة الصعبة ولا يوجد أي مدخول يذكر من هذه العملة…

      الأنكى من ذلك أن النظام السوري لا يجمع أي ضرائب تذكر من المواطنين… أنا لا أدري بصراحة من أين يأتي النظام السوري بالعملة السورية ولكن لا شك أن هناك حالة عجز مالي شديدة لدى الحكومة… الحكومة تنفق المال دون أن يكون لديها أي مدخول…

      كل هذه المعطيات لا تبشر بمستقبل باهر لليرة…

      أنا لا أستطيع أن أنصحك لأنني لست خبيرا… ولكن رأيي المتواضع هو أنك لن تخسري شيئا إن اشتريت بعض الدولار أو اليورو من باب الاحتياط… حاليا سعر الدولار غير مستقر ويميل للانخفاض… انتظري حتى يستقر الدولار على سعر معين ويثبت عليه لفترة من الزمن وبعد ذلك اشتري بعض الدولار من باب الاحتياط… حاليا الدولار واليورو هما أكثر أمانا للادخار من الليرة السورية… الليرة السورية هي غير مضمونة ومستقبلها غامض…

  3. مشكور أخي هاني بس برايك ماهو السعر المناسب للشراء يعني ” سعر الدخول ” ؟
    و بما أن سعر الدولار الان حوالي ال 93 ~ 94 هل تتوقع هبوط السعر إلى الثمانينات خلال الفترة القريبة القادمة أم ان السعر الان مناسب للشراء ؟
    أرجوا أن لا أكون أثقلت عليك مع الشكر الجزيل سالفاً .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s