حلب بين ثورة 1916 وثورة 2011

هذا المقال ليس المقصود منه الإساءة لأحد أو التحريض وإنما هو مجرد عرض للتاريخ من وجهة نظر أخرى غير وجهة النظر الرسمية. هو مقال تاريخي بحت أريد من خلاله تسليط الضوء على أحداث لعبت دورا مهما في تاريخ حلب وسورية، وأيضا أريد تسليط الضوء على شخصية لعبت دورا جوهريا في تاريخ حلب وهو دور كان في رأيي تخريبيا تدميريا. هذه الشخصية هي الزعيم “الوطني” الشهير إبراهيم هنانو الذي يستحق في رأيي أن نطلق عليه لقب “مدمّر حلب” أنه ألحق بهذه المدينة ضررا لم يلحقه بها أحد قبله في التاريخ.

لكي نفهم ما الذي فعله إبراهيم هنانو لحلب يجب أولا أن نفهم ما الذي جرى في تركيا بعد استسلام الدولة العثمانية للحلفاء في عام 1918.

حكومة السلطان العثماني في إسطنبول استسلمت للحلفاء في عام 1918، والحلفاء كانت لديهم خطة لتقاسم السلطنة العثمانية. هذه الخطة وقع عليها السلطان العثماني في اتفاقية Sèvres في عام 1920. ما يلي تقسيم السلطنة العثمانية حسب اتفاقية Sèvres:

sevres

مصطفى كمال (الذي عرف لاحقا بأتاتورك) كان في عام 1919 ضابطا في الجيش العثماني في الأناضول، والأوامر التي كانت لديه في ذلك الوقت كانت تقضي بالمساعدة على حل الجيش العثماني وتسليم السلطة لقوات الحلفاء التي بدأت في النزول على سواحل الأناضول وسورية. هذه الأوامر لم تعجب كمال أتاتورك فشكل مع عدد من ضباط عصبة الاتحاد والترقي جمعية سرية في الأناضول هدفها إعادة تجميع طاقات الجيش التركي بهدف تنظيم تمرد وثورة ضد الحلفاء.

هذه الثورة اشتعلت بالفعل في أيار 1919، وما سهل اشتعالها هو استهتار الحلفاء (تحديدا البريطانيين) بخطر مصطفى كمال وعصابته، رغم أنهم كانوا قد تلقوا تحذيرات مسبقة من المؤامرة التي يعد لها.

مصطفى كمال تمرد على السلطان العثماني وأنشأ في مدينة أنقرة في الأناضول “لجنة تمثيلية” للشعب التركي وحكومة أخرى غير حكومة السلطان في إسطنبول، وفي عام 1920 أعلن أن حكومته هي الحكومة التركية الشرعية وسحب اعترافه بحكومة السلطان.

خلال الفترة الممتدة الممتدة بين عامي 1919 و1922 خاض أتاتورك حربا ضد قوات الحلفاء في الأناضول على ثلاث جبهات. على الجبهة الشرقية حارب الأرمن وحلفاءهم الروس، وعلى الجبهة الغربية حارب اليونانيين وحلفاءهم البريطانيين، وعلى الجبهة الجنوبية حارب الأرمن وحلفاءهم الفرنسيين.

ما يهمنا هو الجبهة الجنوبية، لأن المقصود بها هو شمال سورية. القوات البريطانية في عام 1918 احتلت سورية الكبرى بكاملها من حدود مصر والحجاز جنوبا إلى جبال طوروس شمالا. ما سهل الاحتلال البريطاني هو أن العرب في سورية لم يقاوموا الاحتلال بل بالعكس تعاونوا معه. القوات البريطانية دخلت برفقة قوات الشريف حسين إلى كل المدن السورية دون مقاومة. الأتراك في سورية هم فقط الذين قاوموا.

القوات البريطانية في ذلك الوقت كانت تتجنب وضع نفسها في الواجهة وكانت تستعين بتحالف من العملاء العرب وتضع هؤلاء العملاء في الواجهة وتحاول أن تظهرهم على أنهم هم من يحاربون العثمانيين وليس بريطانيا. هذا التحالف كان مكونا من شريف الحجاز وأعرابه بالإضافة لمجموعة من “المعارضين السوريين” الملاحقين من قبل السلطات العثمانية بتهمة الكفر والتواصل مع السفارات الأجنبية.

سقوط سورية والمشرق العربي بقبضة الإنكليز بدأ دون تدخل مباشر من الإنكليز. في البداية الإنكليز كانوا يقدمون المال والدعم اللوجستي “غير القاتل” للشريف حسين وأعرابه، وهؤلاء كانوا يستهدفون المواقع العسكرية العثمانية والبنى التحتية وسكك القطارات إلخ. لاحقا تدخلت بريطانيا بشكل مباشر وأرسلت قوات لكي تحارب جنبا إلى جنب مع متمردي الشريف حسين على طريقة تدخل الناتو في ليبيا في عام 2011. القوات الإنكليزية كانت تتولى المواجهات الكبيرة مع القوات التركية وأما أعراب الشريف حسين فكانت وظيفتهم هي دخول المدن السورية قبل القوات البريطانية وتهيئة سكان هذه المدن من العرب لتقبل الحكم الإنكليزي وعدم مقاومته. أعراب الشريف حسين كانوا يدخلون إلى المدن السورية مع المعارضين السوريين وكانوا يقيمون في هذه المدن إدارات “عربية” ترفع ما يسمى بالعلم العربي مكان العلم العثماني. العلم العربي الذي كان الشريف حسين والمعارضون السوريون يرفعونه مكان العلم العثماني هو من تصميم الدبلوماسي البريطاني مارك سايكس ممثل بريطانيا في مباحثات سايكس-بيكو، وألوان العلم هي مستوحاة من ألوان أعلام الدول العربية القديمة (العباسية والفاطمية والأموية إلخ). هذا الكلام هو مذكور في المصادر البريطانية بشكل صريح، وأما ما يقال عن أن هذا العلم مستوحى من بيت شعر عربي (بيض صنائعنا إلخ) فهو هراء.

Pan Arab flag
علم الثوار العرب الذي أوجده لهم مارك سايكس

ما يلي منقول من كتاب كامل الغزّي (المتوفي عام 1933) وهو عن الأيام الأخيرة لحلب قبل دخول الإنكليز إليها مع عربان الشريف حسين:

في أوائل محرّم هذه السنة [1918] وصل إلى حلب جمهور من الموظفين والمستخدمين فرارا من وقوعهم أسرى في قبضة المستولين، قادمين من دمشق وبيروت وغيرهما من البلاد السورية والساحلية التي قرب استيلاء الجيوش الإنكليزية العربية عليها، متوجهين إلى استانبول والأناضول. وكان مع هؤلاء الموظفين أهلهم من النساء والأطفال، فازدحموا في سكة حديد بغداد وظل الكثيرون منهم عدة أيام تحت السماء بلا غطاء ولا وطاء، فنالهم من المشقة ما لا مزيد عليه.

يوم الثلاثاء- ثالث يوم من محرّم هذه السنة- وصل الخبر إلى حلب بأنه في ظهيرة يوم الاثنين، ثاني يوم من الشهر الحالي، استولى على دمشق الشام عرب الشريف، الذين هم في مقدمة جيوش الدولة البريطانية، وكان السواد الأعظم من موظفي تركيا فيها قد خرجوا منها قبلا كما ذكرناه آنفا، وحين دخول العرب إليها أقيم أحد كبراء أولاد المرحوم الأمير عبد القادر الجزائري مقام الوالي ليقوم بإدارة توطيد الأمن والسلام في المدينة ريثما يحضر إليها- من قبل الشريف حسين ملك العرب- من يتسلم زمام إدارة أمورها.

وقد ارتاع الناس في حلب من هذا الخبر وعجبوا من سرعة سقوط هذه المدينة العظيمة في أقرب وقت وكانوا يقولون: إنها لا يمكن سقوطها بأقل من سنة. وقد تشتت شمل الجيوش العثمانية الألمانية في جهات درعا ومزقوا كل ممزق ما بين أسير وقتيل في الحرب وضائع ومتردّ ومقتول من قبل عرب البوادي وسكان القرى المتوسطة بين دمشق ولبنان وبعلبك. وكانت جبهة الحرب في جهات درعا، وهناك كانت هزيمة جيوش الأتراك ومن معهم من الألمان. وكان سبب انكسارهم الفجائي- الذي لم يكن في الحسبان- التفاف العرب عليهم من ورائهم بقطع مسافة من الصحراء في مدة لا يمكن للجيوش الإنكليزية أن تقطعها فيها، لكثرة أثقالها التي لا تتحملها تلك الرمال في هاتيك المفاوز. وبسبب هذا الالتفاف أصبح الجيش التركي بين نارين، نار الإنكليز ونار العرب، فانقطع عليه خط الرجعة وعوّل على الهزيمة. وقد غنمت جيوش إنكلترة من الأقوات والمهمات الحربية وغيرها ما يعجز عنه قلم الإحصاء.

هذا ولم يمض غير أيام قلائل على سقوط دمشق حتى شاع في حلب أن الألمان قد يئسوا من الظفر بعدوهم فأحرقوا محطة رياق بما فيها من الذخائر والمهمات- وكانت شيئا كثيرا- ونسفوا شبكتها الحديدية وتقدموا إلى جهة بعلبكّ وجاء العرب على أثرهم واستولوا على رياق.

وفي اليوم الخامس من محرّم هذه السنة كان ختام حياة صحيفة الفرات [الصحيفة الرسمية العثمانية في ولاية حلب] وآخر نسخة صدرت منها في هذا اليوم كان عددها (20420).

وفي هذا اليوم صدر أمر القائد العسكري العثماني بحلب بإبطال إلقاء القبض على العساكر الفارّين. فسرّ الناس من ذلك سرورا زائدا لتخلصهم من هذا البلاء الذي كان خارجا عن طاقتهم.

وفي هذه الأيام وردت الأخبار من جهات حمص وحماة بأن الجنود التركية والألمانية حملهم اليأس من مقاومة جنود العرب والإنكليز على أن يحرقوا جميع المحطات بين رياق وحلب وينسفوا شبكاتها الحديدية، ويهدموا سائر ما في هذا الطريق من الجسور وينسحبوا إلى جهة حلب، وأن العرب أتوا على أثر انسحابهم واستولوا على حمص وبعلبك وحماة.

وفي هذه الأيام وقع الخوف في حلب وشاع أن العرب يصلون إليها يوم الجمعة عشرين محرم. فأخذت الجنود التركية الألمانية والجم الغفير من موظفي الحكومة العثمانية يسرعون الرحيل من حلب إلى جهات استانبول والأناطول؛ خوفا من وقوعهم أسرى في قبضة الإنكليز، أو من تسلّط أهل البلد عليهم انتقاما منهم على ما كانوا يفعلونه معهم في أثناء هذه الحرب من المظالم وأنواع التعدي. فازدحم في محطة بغداد موظفو حلب مع موظفي دمشق وبيروت وحمص وحماة وغيرها من البلاد الشامية والساحلية ومعهم نساؤهم وأطفالهم وقاسوا في برهة ليلتين مرّت عليهم هناك- وهم تحت السماء- من الجهد والبلاء ما لا يعلمه إلا الله تعالى. وكان الرجل العظيم من هؤلاء الموظفين يرضى أن يتيسر لركوبه ولو حافلة دوابّ، حتى إن قاضي حلب سليمان سرّي أفندي ركب في حافلة دواب وعدّ ذلك نعمة عظمى.

بعد سقوط دمشق بأيام قلائل بدأت طيارات الإنكليز لأول مرة تحلّق في سماء حلب لاكتشاف مواقع الجنود العثمانية في ضواحي حلب، والألمانية في جهات قرية المسلميّة فكان هؤلاء الجنود كلما علتهم طيارة يطلقون عليها كرات مدافعهم فلا تعمل فيها شيئا. وفي يوم من الأيام حلّق في سماء حلب خمس طيارات في آن واحد، فكثر إطلاق المدافع عليها، وألقت طيارة منها قنبلة وقعت على مقربة من محطة بغداد وانفجرت فقتلت ستة عشر إنسانا وجرحت أربعين وقتلت عدة دوابّ.

يوم الأربعاء ثامن عشر محرم حضر والي حلب العثماني مصطفى عبد الخالق بك إلى دار الحكومة، ودعا إليه جماعة من وجهاء حلب وعلمائها وأخبرهم بأن حلب تسقط عما قريب وأنه عازم على البقاء في حلب إلى ما قبل سقوطها بثلاث ساعات، وأنه يصرف منتهى جهده على حفظ الأمن والسلام مهما كلفه ذلك من الخطر على نفسه، غير أنه يطلب من الوجهاء وأهل البلدة أن يساعدوه على تنفيذ هذا الغرض وأن يختاروا منهم رئيسا عليهم وواليا وقتيا إلى مجيء عساكر الشريف إليهم. فانتخبوا منهم سبعة أشخاص انتخبوا واحدا منهم رئيسا عليهم كوكيل وال وقتي.

وفي هذا اليوم وردت الأخبار البرقية تفيد أنه حصل بين دولة إنكلترة ودولة تركيا هدنة إلى مدة ستة وثلاثين يوما. فسرّ الناس من ذلك الخبر سرورا عظيما.

وفي ليلة الخميس تاسع عشر محرم حضر قائد الدرك المسمى عند الدولة العثمانية (قومندان الجندرمة) إلى محل المحابيس وأمر أفراد الدرك الموكلين بحفظ المحابيس بأن يتركوا خدمتهم ويتوجهوا إلى حيث شاؤوا. ففعلوا ما أمرهم به وتركوا السجون خالية من الحرس وكان فيها ما يربو على ألف وخمسمائة مسجون. وسمع ذلك رجال الدرك والحرس والشرطة الموظفون في المخافر لحفظ الأمن فتركوا مخافرهم وتوجهوا إلى منازلهم. ولما سمع هذا الخبر المجلس الذي أمر بانعقاده الوالي العثماني ظن أن الوالي هو الذي أمر قائد الدرك بذلك، وأن الحكومة العثمانية قد انسحبت وتخلت عن حفظ البلدة، فاهتم المجلس بتأليف قوة من أهل البلدة لتقوم بحفظها ريثما تدخل الحكومة الجديدة.

وفي صباح يوم الخميس تاسع عشر محرّم الجاري دعا الوالي العثماني عبد الخالق بك رجال المجلس الذي أمر بانعقاده، وأنكر عليه سعيه بتأليف القوة المحافظة وأخبره بأن الحكومة لم تنسحب بعد من حلب، وأنه إنما أمر بهذا المجلس ليتذاكر معه في بعض الشؤون التي بواسطتها يتم استتباب الأمن والراحة حتى تدخل الحكومة الجديدة، وأن القائد العثماني يقول إن حفظ البلدة من خصائصه وإنه لا يرضى بتأليف قوة من أهل البلد لأجل حفظها إلا إذا جعلت هذه القوة تحت أمره ونهيه. وبالحقيقة أن الوالي والقائد أساءا الظنّ بهذا المجلس وتوهما أن القوة التي يؤلفها ربما أوقعت بهما وببقايا الأتراك من المأمورين والعساكر الذين لم يتمكنوا من الجلاء مع أن ذلك لم يخطر على بال أحد من أهل حلب الذين ما برحوا إلى ذلك الوقت يهابون الأتراك ويحترمونهم.

انسحب المجلس الوقتي لما سمعه من الوالي، وضرب الصفح عن جمع القوة المحافظة التي لا ترضى أن تكون تحت أمر القائد ونهيه، وانسحبت الحكومة العثمانية لأن جميع رجال دركها وشرطتها استولى عليهم الخوف فتركوا وظائفهم، والجنود النظامية لا يوجد منهم في المدينة سوى خمسين أو ستين جنديا لا يمكنهم التجوال في البلدة لحفظ الأمن فيها لأنهم واقفون بالمرصاد للدفاع عن الوالي والقائد إذا تعرض إليهما أحد من الأرمن وأهل البلدة أو غيرهما. وباقي الجنود النظامية قد توجهوا إلى جبهة الحرب المصطفّة تجاه جنود العرب والإنكليز في نواحي الراموسة وقرية خان طومان والشيخ سعيد، فلم يبق في البلدة قوة تحفظ الأمن والسكينة.

وأصبح الناس في هذا اليوم وهو يوم الخميس فوضى لا حاكم ولا رادع لهم. فقام الأسافل من كل ملّة وانضم إليهم زعانف الأعراب المجاورين لحلب وهجموا كالسيل الجارف…

يوم الجمعة عشرين محرّم 1337 الموافق 12 تشرين الأول سنة 1918 م، و 29 أيلول سنة 1334 شرقية، أصبح الناس وعيونهم لم تذق الغمض وهم خائفون وجلون، والأوباش عادوا إلى ديدنهم الأول من النهب والسلب، وبعد أن نهبوا المكتب الرشدي العسكري الكائن في شمال مستشفى الغرباء تحت القلعة، ألقوا في قسمه الشمالي النار فاحترق ولم يبق في البلدة حاكم ولا رادع. وكنا نسمع في كل برهة من الزمن فرقعة ألوف من البنادق فكنا نظن أنها فرقعة بنادق المتحاربين من الجنود التركية والإنكليزية عند قرية الراموسة. ثم تبين أن هذه الفرقعة هي صدى المواد النارية التي تحرقها الجنود التركية والألمانية في المحطات ومستودعات الأعتاد الحربية. وكان بعض الناس يسمع دوي المدافع التي يطلقها جنود الأتراك والإنكليز على بعضهم قرب خانطومان.

وفي عصر هذا اليوم أقبل على حلب من جهة باب النيرب طائفة من عرب العنزة- الذين يرأسهم الشيخ مجحم المهيدي- […] ثم ساروا إلى جهة باب الفرج حيث منزل العساكر التركية، كأنهم أرادوا نهب المنزل واستئصال من فيه من العساكر، فلم يشعر العرب إلا وقد تجرد إليهم عدد وافر من الجنود التركية ورموهم بالرصاص فقابلهم العربان بالمثل، وقتل من الطرفين بضعة أشخاص، ثم تغلب الأتراك على العرب بواسطة ما لديهم من المدافع الرشاشة فولى العرب منهزمين. وقد استوحشت الجنود التركية وظنت أن أهل البلدة يريدون الهجوم عليهم فوقف منهم بضعة أجناد في جهات باب الفرج وصاروا يرشقون برصاصهم كل من رأوه مارا من تلك الجهة فقتلوا بعض المارّة، وكانت الشمس قد مالت إلى الغروب.

وفي ذلك الوقت سار الوالي مصطفى عبد الخالق بك والقائد العسكري مصطفى كمال باشا إلى جهة محطة بغداد واختبأ في بعض جهاتها. وعلى أثر مسيرهما إلى المحطة، وقت الغروب، أقبل على حلب من جهة قارلق عرب الشريف حسين ملك العرب وهم دون مائة عربي ما بين فارس وهجّان، يرأسهم الشريف مطر نائب الشريف ناصر، وكيل حضرة الأمير الملكي الشريف فيصل نجل الشريف حسين. وفي ذلك الوقت تحقق الناس أن الشريف قد استولى على حلب وخرجت من يد بني عثمان بعد أن بقيت تحت استيلائهم مدة أربعمائة وخمس عشرة سنة. فسبحان مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء.

ومن الصدف الغريبة أن استيلاء الدولة العثمانية على حلب شبيه باستيلاء الدولة العربية عليها من جهة أن كلتا الدولتين أخذتها صفوا عفوا دون حرب ولا ضرب، كما أن الناس في جميع هذه البلاد اغتبطوا بهذه الدولة وفرحوا بتخلصهم من بغي قادة الجنود العثمانية وظلمهم، كذلك كانوا اغتبطوا بقدوم المرحوم السلطان سليم خان عليهم لتخلصهم من ظلم قادة جنود الغوري سلطان الدولة الجركسية.

لما عزم الموظفون الأتراك على الرحيل من حلب أراد كل موظف منهم أن يأخذ معه الأوراق والسجلات التي كانت في محل إدارته، فأوعبها في الجوالق وطلب من يحملها إلى محطة بغداد، فلم يتيسر له أحد وكان الخوف قد سطا عليه فتركها ومضى إلى حال سبيله. ولو أخذت هذه السجلات لتضرر كثير من أصحاب المصالح خصوصا سجلات الدفتر الخاقاني. على أن كثيرا من سجلات غير هذه الدائرة فقدت بسبب دخول الأوباش إلى دار الحكومة في يوم الجمعة قبل دخول الشريف مطر إليها بقليل من الزمن، فظفروا بدفاتر جباة الأموال وأتلفوها عن آخرها. وكانوا يأخذون جلودها ويطرحون ما فيها من الورق في الأرض ويبعثرونه بأرجلهم.

هذا ولما وصل الشريف مطر وعربه إلى حلب ليلة السبت الحادية والعشرين من محرّم الجاري نزل في دار الحكومة، فجلس على بساط فتح له على أرض البهو الذي يؤدي إليه الدرج الكبير ونزل عربه في صحن دار الحكومة، وحفروا في الأرض نقرا أشعلوا فيها النار لطبخ قهوة البن يسقون منها الواردين على الشريف للسلام وعرض الاحترام. وقد تحقق الناس استيلاء الحكومة الجديدة على حلب إلا أن الخوف مع ذلك استولى على الناس من فتك الأسافل وبقايا الجنود التركية، وخلت الأزقة من المارّة وبات الناس في قلق وخوف لا مزيد عليه، نظير ما باتوا عليه في الليلة البارحة أو أشدّ، وكان ألوف من الأوباش يطلقون عياراتهم النارية من منازلهم تخويفا لمن يتوهمون أنه يهجم عليهم مع أن الخوف في تلك الليلة قد شمل الجميع.
ولما علمت بقايا الجنود التركية أن عرب الشريف قد دخلوا حلب ونزلوا في دار الحكومة مشى منهم نحو خمسين جنديا على دار الحكومة للإيقاع بالعرب ولما وصلوا إلى دار الحكومة هجم عليهم العرب فولوا منهزمين، ولو ثبتوا قليلا لأفنوا العرب عن آخرهم إلا أنهم خافوا أن يأتيهم من ورائهم كمين من أهل البلد فيقعوا بين نارين فعادوا من حيث أتوا.

صباح يوم السبت 21 محرّم استفاض بين الناس أن الوالي والقائد العسكري التركيين سافرا ليلا، وأن عامة الألمان من الجنود وغيرهم لم يبق منهم في حلب أحد سوى المرضى والمستخدمين في تمريضهم في المستشفيات الألمانية، وأن الألمان كان في عزمهم أن ينسفوا بألغامهم كل بناء يخصهم في المحطة وغيرها، وأن القائد العسكري العثماني هو الذي عارضهم بذلك. وقد نسفوا بعض الجسور على نهر قويق.

في عصر هذا اليوم [23 محرم] وصلت إلى حلب عساكر الجنود الإنكليزية فرسانا ومشاة وهجّانة، ومعهم السيارات والعجلات المشحونة بالمهمات الحربية، وهم إنكليزيون ومصريون وهنود. والمصريون مسلمون، والهنود مسلمون وبراهمة وصك، وكان عددهم جميعا لا يزيد على ألف جندي. ويقال إن عددا عظيما من الجنود الإنكليزية لم يدخلوا حلب وإنما توجهوا إلى جهة راجو ونواحي كلّز وعينتاب وغيرهما ليتعقبوا العساكر التركية التي أمّت تلك الجهات. وكانت الجنود التركية- الذين انسحبوا من جهات الراموسة وقرية الشيخ سعيد- قد توجهوا إلى جهة قرية بلّليرمون القريبة إلى حلب، في شماليها الغربي، وكمنوا في موضع من تلك الناحية. فلما وصلت إليها الجنود الإنكليزية خرجوا من مكامنهم وأطلقوا عليهم نيرانهم فقتلوا منهم- على رواية- نحو ثمانمائة جندي، بينهم ضابط إنكليزي كبير أقيم له هناك نصب تذكاري.

وفي هذا اليوم [27 محرم] تحزب حزب من الشبيبة العربية وأتوا مكان نادي جمعية الاتحاد والترقّي المعروف باسم (قلوب) ووضعوا أيديهم عليه وعلى ما فيه من الكتب والأثاث وسمّوه نادي العرب، وأصدروا صحيفة يومية سموها (العرب).

ظهيرة يوم الأحد سادس صفر من هذه السنة وصل سمو الأمير الكبير الشريف فيصل إلى حلب، وأقبل معه الوفد الذي ذهب قبل أيام لاستقباله إلى حماة… ولما بدأ بالكلام قام الحاضرون وقوفا- إعظاما وإجلالا له- فأشار إليهم أن اجلسوا لأن كلامي يستغرق وقتا طويلا لا أريد أن تتكبدوا فيه مشقة الوقوف. فجلسوا وأنصتوا ووقف بعض الكتاب والأدباء وبأيديهم القراطيس والأقلام يكتبون ما يفوه به بالحرف الواحد فقال:

«لا شك أنكم أيها السادة ترون منا أعمالا مهمة. إن حلب هي من أقاصي بلاد العرب، لم يتصل بأهلها ما وقع بيننا وبين الأتراك وما هو سبب قيامنا ضدهم.
إن الأتراك كانوا يشيعون أن الأشراف اتفقوا مع الدول الغربية على بيع البلاد لقاء دريهمات أخذوها منهم، وأخرجوا ضدنا فتاوى ربما اغترّ بها بعض البسطاء وصدّقها. فنقول في ردّ وبطلان ما زعمه الأتراك فيما شيعوه:
إن الدين الإسلامي نشأ بقدرة الله تعالى وانتشر بواسطة محمد النبي العظيم الذي تنسب إليه أسرتنا، فهل يتصور أحد أن أناسا يرضون بهدم ما بناه لهم جدّهم من المجد والشرف.
نحن لم نقم إلا لنصرة الحق وإغاثة المظلوم. ساد الأتراك 600 سنة هدموا بخلالها صرح المجد الذي أقامه أجدادنا وأطفؤوا نار العرب، ولكنها لم تطفأ لأن العرب عاشت قرونا وأجيالا لم يتسنّ لغيرها من الأمم أن تعيش مثلها، وكانت العرب تنتظر الفرص لتنتهزها حين سنوحها. نحن العرب نمنا 600 سنة ولكننا لم نمت. لما أعلن الأتراك النفير العام أتوا بأعمال تتبرأ منها الإنسانية ولا لزوم لعدّها. كانت العرب تطالب الأتراك بحقوقها فاغتنموا الفرصة التي مكنتهم من الانتقام من العرب.

رأى والدي أن دولة الترك ليست تعمل لأجل دين أو عمل عام ينفع البلاد، ولكنها أعلنت جهادها مع ألمانيا لمجرد الانتقام من العناصر الخاضعة لها مثل العرب. وتبيّن له أن مبادئ الحكومات الغربية المدنية هي مبادئ إنسانية، مبادئ خير، مبادئ نصرة الحق. واتفق معهم- بعد الاتكال على قوة الله تعالى- لعلمه أنهم ينصرون الضعيف ويساعدون على إعادة حقوق الأمم المحكومة، وتعاهد معهم على إزاحة حكومة الأتراك واستخلاص ما اغتصبوه منا نحن العرب. باسم العرب حالف والدي الحكومات الغربية وقام معهم ضد تركيا وألمانيا كتفا إلى كنف، لا كما زعم الأتراك من أن قيامنا كان نتيجة مطامع شخصية. فأنا باسم كافة العرب أخبر إخواني أهل الشهباء أن للحكومات الغربية- خصوصا إنكلترا وفرنسا- اليد البيضاء في مساعدتنا وشدّ أزرنا، ولا تنسى العرب، ما دامت موجودة على وجه البسيطة، فضل معاونتهم. نحن اليوم ندعي التحرر والاستقلال؛ فهذه أقوال، إذا لم نعمل شيئا لحدّ الآن سوى طرد الأتراك من بلادنا وهذا محتم عليهم لأن القدرة الإلهية تأبى تركهم بدون مجازاة لما أتوه من الفظائع. بقي علينا وظائف مهمة جدا وهي تأسيس ملك وحكومة نفتخر بهما أمام العالم أجمع. إن الأمم الغربية قد ساعدتنا مادة وستساعدنا معنى، وإني لأملو عليكم برقية وردت لي منذ ثلاثة أيام تبين لكم إحساسات الدول الغربية نحونا ليفهم جميع أهل الوطن أننا لم نبع البلاد ولن نبيعها أبدا» .

ثم تلا عليهم برقية الدول الغربية وتابع كيل المديح لهذه الدول وعواطفها الإنسانية.

إذن القوات البريطانية دخلت سورية دون مقاومة من العرب، أما الأتراك فهم قاوموا وخاضوا عدة معارك ضد الإنكليز آخرها كانت المعركة التي وقعت قرب حريتان شمال غرب حلب في 26 تشرين الأول 1918. في هذه المعركة الأتراك أبلوا بلاء حسنا وقتلوا الكثير من جنود القوة الإنكليزية بما في ذلك العقيد الذي كان يقودها، وتكريما لقتلى هذه المعركة أقام الإنكليز نصبا تذكاريا يسميه سكان المنطقة اليوم “قبر الإنكليزي”. يقال أن كمال أتاتورك ذاته كان قائد الأتراك في هذه المعركة التي وقعت قرب حريتان.

بعد معركة حريتان انسحب الأتراك نحو الأناضول، وتمددت القوات البريطانية واحتلت كل مناطق شمال سورية التي أخلاها الأتراك بما في ذلك طرسوس ومرسين وأضنة ومرعش وعنتاب وأورفة. القوات البريطانية توقفت عند سفوح جبال طوروس ولم تدخل إلى الأناضول، رغم أن اتفاقية سايكس-بيكو السرية لعام 1916 منحت فرنسا منطقة سيواس في الأناضول. أظن أن فرنسا أخذت منطقة سيواس على أساس أنها تعادل منطقة قبدوقية Cappadocia التاريخية التي اعتبرها هيرودوت جزءا من سورية. هذا التعريف الواسع لسورية الذي يشمل قبدوقية لم يرد لدى أحد من الكتاب اليونانيين سوى هيرودوت حسب ما أعلم، وبالتالي هو تعريف شاذ، ولكن الفرنسيين خلال مباحثات سايكس-بيكو والمباحثات السابقة لها كانوا يطرحون مفهوما واسعا جدا لكلمة سورية يشمل حتى مدينة الموصل، وبالتالي لا أستبعد أن الفرنسيين خلال المباحثات اعتبروا منطقة سيواس جزءا من سورية التي يطالبون بها. طبعا عندما كانت “سورية” غنيمة بالنسبة لهم كان معنى هذه الكلمة واسعا ويمتد من الموصل إلى سيواس إلى قيليقية إلى فلسطين، أما عندما تحول مفهوم “سورية” لاحقا إلى مفهوم معاد لهم تقلص معنى هذا المفهوم على نحو عجيب حتى أصبح في فترة من الفترات لا يعني شيئا سوى دمشق وما حولها. حتى المفاهيم الجغرافية هي مسيسة.

تقسيم سايكس-بيكو
تقسيم سايكس-بيكو

هناك احتمال آخر لتفسير أخذ فرنسا لمنطقة سيواس. من الممكن أن فرنسا أخذت هذه المنطقة على أساس أنها كانت تاريخيا جزءا من بلاد الأرمن. أرمينية في الأصل تقع شرق نهر الفرات، ولكن الأرمن تمددوا لاحقا وسكنوا في مناطق تقع غرب نهر الفرات هي تحديدا قبدوقية وقيليقية Cilicia. قيليقية هو اسم قديم للمنطقة المنخفضة التي تقع بين جبل الأمانوس في لواء إسكندرون وبين جبال طوروس. هذه المنطقة كانت قبل العصر الإسلامي لا تعتبر في أكثر الأحيان جزءا من سورية، ولكنها عند العرب والمسلمين جزء من بلاد الشام وفيها تقع “ثغور الشام”، وفي العصر العثماني هي كانت لواءً تابعا لولاية حلب اسمه لواء أضنة (أذنة)، وهي كانت جزءا من “سورية” بالمعنى السائد للكلمة في العصر العثماني (كلمة “سورية” بالمفهوم العثماني كانت مجرد ترجمة لمفهوم بلاد الشام العربي، وأنا ذكرت سابقا قصة مصطلح “سورية” وكيف حل محل مصطلح “بلاد الشام” أو “بر الشام” في القرن 19).

Ancient_Anatolia.svg
المناطق القديمة في الأناضول

العثمانيون فصلوا لواء أضنة عن ولاية حلب وجعلوه ولاية مستقلة في عام 1869، وبذلك صارت الألوية المكونة لولاية لحلب ثلاثة فقط هي حلب ومَرْعَش وأورفة، وفي عام 1908 فصل العثمانيون قضاء عِنْتاب عن لواء حلب وجعلوه لواء مستقلا وأضافوا إليه قضاء بازار (“بازار جق” Pazarcık) من لواء مرعش، وبالتالي ألوية حلب في نهاية العصر العثماني كانت كما يلي:

  • لواء حلب
  • لواء عِنتاب (اسم مدينة عنتاب قديما هو “عين تاب”)
  • لواء أورفة (اسم مدينة أورفة قديما هو “الرَّها”)
  • لواء مرعش
ولاية حلب في عام 1907. كلمة
ولاية حلب في عام 1907. كلمة “ولايتي” (vilayeti) تعني “ولاية”، وكلمة “سنجاغي” (sancağı) تعني “سنجق” أي “لواء”. “ولاية سورية” هو اسم ولاية دمشق في نهاية العصر العثماني

في القرن 16 كان لواء أورفة على ما يبدو يسمى “لواء البِيرة” نسبة إلى مدينة البيرة (“بيرة جك” Birejik)، ولواء مرعش كان يسمى “لواء أَبْلِسْتان” نسبة إلى مدينة أبلستان (اسمها العربي الأصلي هو أَبُلُسْتَيْن أو أَبْلِسْتَيْن، وفي العصور المتأخرة حرف الاسم إلى “البستان”، وحاليا تسمى بالتركية Elbistan). هناك أيضا ألوية أخرى كانت موجودة في تلك الفترة لا أعلم ما هي حدودها بالضبط منها “لواء العُزَيْر” الذي يبدو أن مركزه كان بلدة بَيَّاس التي تقع شمال الإسكندرونة (اسمها التركي حاليا Yakacık) والتي قال فيها البحتري (من معجم البلدان):

ولقد ركبت البحر في أمواجـه وركبت هول الليل في بـَيَّاس

وقطعت أطوال البلاد وعرضها ما بين سندان وبين سـجـاس

في القرن 16 أيضا كان هناك لواء حلبي اسمه “لواء تركمان حلب” و”لواء بالِس” (بالس هو اسم قديم لبلدة مسكنة) و”لواء معرة النعمان” و”لواء كِلِز” (أو “لواء الأكراد وكلز”) نسبة إلى بلدة كلز بين حلب وعنتاب (بالتركية Kilis)، وألوية أخرى قرأت أسماءها ولكنني لا أعرف مكانها بالضبط. في نهاية العصر العثماني كثير من هذه الألوية القديمة كانت على ما يبدو مجرد أقضية تابعة للواء حلب. أقضية لواء حلب التي ذكرها كامل الغزي هي ما يلي:

  • قضاء جبل سمعان (مركزه حلب)
  • قضاء كلز
  • قضاء عينتاب
  • قضاء إسكندرونة
  • قضاء أنطاكية
  • قضاء بيلان
  • قضاء حارم
  • قضاء إدلب
  • قضاء جسر الشغر (هكذا كتبها دون واو)
  • قضاء معرة النعمان
  • قضاء الباب والجبول
  • قضاء منبج
  • قضاء الرقة

لا أعلم إلى أي عصر تنتمي هذه الأقضية بالضبط، ولكن المفهوم من كلام الغزي هو أنها تعود لنهاية الدولة العثمانية. هو يقول أن لواء أورفة فصل عن ولاية حلب في عام 1908 وأصبح متصرفية مستقلة، ولكنه لا يذكر شيئا عن لواء عنتاب الذي من المفترض أنه استحدث في نفس تلك الفترة حسب ما تقول مصادر أخرى.

العثمانيون سبق أن فصلوا لواء أورفة عن حلب في نهاية القرن 16 وجعلوه مركزا لولاية كان اسمها “إيالة الرقة” (كلمة “إيالة” هي مرادف تركي قديم لكلمة “ولاية”). هذه الولاية عادت في القرن 19 جزءا من ولاية حلب.

بالجمع بين كلام المصادر المختلفة يتبين أن ولاية حلب في نهاية العصر العثماني كانت تضم أربعة ألوية (أو سناجق) هي حلب وعنتاب ومرعش وأورفة (ومن الممكن أن لواء أورفة فصل عن حلب في عام 1908 في حال صح كلام الغزي). هذه هي الألوية الحلبية التي وجدت أسماءها في المصادر. أشهر ألوية حلب حاليا هو لواء إسكندرون (الإسكندرونة) السليب، ولكن في كل المصادر التي نظرت فيها لم أجد لواء عثمانيا بهذا الاسم. لواء إسكندرون هو على ما يبدو مجرد اختراع فرنسي قامت فرنسا بتفصيله في عام 1921 بهدف إرضاء كمال أتاتورك. هو كان جزءا من الاتفاقية التي عقدت في ذلك الوقت بين فرنسا وكمال أتاتورك والتي أنهت الصراع المسلح بين الجانبين.

لواء إسكندرون كان مكونا من ثلاثة أقضية من لواء حلب هي إسكندرونة وأنطاكية وبيلان، وأيضا فرنسا فصلت ناحية أوردو عن قضاء جسر الشغور وأضافتها إلى لواء إسكندرون (هذه الناحية تسمى حاليا في تركيا Yayladağı). الهدف من إنشاء لواء إسكندرون كان تجميع قسم كبير من الأتراك المتبقين في ولاية حلب داخل منطقة واحدة وتحويلها إلى محمية تركية على غرار المحميات الطائفية الأخرى التي أقامتها فرنسا في سورية. هذه كانت الفلسفة التي أنشئ على أساسها لواء إسكندرون حسب الاتفاق التركي-الفرنسي. طبعا فيما بعد فرنسا حولت هذا اللواء المصطنع إلى جمهورية مستقلة عن سورية وبعد ذلك سلمته إلى تركيا.

بلدة كسب كانت جزءا من ناحية أوردو حسب ما ورد في كتاب كامل الغزي، أي أنها كانت تتبع ولاية حلب، ولكن فرنسا على ما يبدو فصلت هذه البلدة عن أوردو (بسبب طبيعتها السكانية) وألحقتها بالكيان العلوي الذي فصّلته آنذاك على الساحل السوري. أيضا فرنسا فصلت “ناحية قلعة المضيق” (التي أظن أن المقصود بها هو سهل الغاب حاليا) عن قضاء جسر الشغور وألحقتها بالكيان الساحلي.

فرنسا تفننت كثيرا في تقسيمها لسورية وذلك لهدف وحيد هو جعل الكيانات التي خلقتها كيانات راسخة وقابلة للاستمرار والديمومة. هي أرادت زيادة نسبة الأتراك في “لواء إسكندرون” قدر الإمكان بهدف التقليل من تأثير العرب، وأيضا في الكيان الساحلي هي أرادت زيادة نسبة العلويين والمسيحيين والأقليات الأخرى قدر الإمكان بهدف التقليل من تأثير السنة.

أكثر كيان مصطنع من بين الكيانات التي خلقتها فرنسا هو ربما الكيان اللبناني الذي أعلنت عنه في عام 1920 تحت مسمى “لبنان الكبير” Grand Liban. الترجمة العربية الصحيحة لمصطلح Grand Liban هي “لبنان الأكبر”. هذا المصطلح مصوغ على نمط مصطلح Grande Syrie الذي يعني “سورية الكبرى” ومصطلح Grand Israël الذي يعني “إسرائيل الكبرى” ونحو ذلك من المصطلحات الشبيهة. المقصود بمصطلح Grand Liban هو إيهام السامع بأن هذا الكيان يعبر عن الحدود التاريخية الأوسع لكيان اسمه “لبنان”. فرنسا أرادت أن تقول أن هناك كيانا تاريخيا اسمه لبنان وأن هذا الكيان كان في فترة من الفترات ذا حدود واسعة هي حدود Grand Liban التي رسمتها في عام 1920. هذه النظرية موجودة الآن عند موارنة لبنان وهم يفسرونها على النحو التالي: هم يقولون أن “لبنان الكبير” كان موجودا في زمن الأمراء الشهابيين في القرن 18. لاحقا العثمانيون احتلوا لبنان وصغروه، وفرنسا في عام 1920 أعادته إلى حجمه الطبيعي. هم يسردون هذه النظرية بمنتهى الجدية ويدرسونها على ما أعتقد في الكتب المدرسية.

أنا قرأت عن الظروف والمداولات التي أدت إلى إنشاء لبنان الكبير ولم أجد فيها شيئا له علاقة بالإمارة الشهابية ولا حتى بفكرة الكيان للبناني. القصة كانت طائفية بحتة. الموارنة في الأصل كانوا راضين بمتصرفية جبل لبنان التي أنشأتها فرنسا في عام 1861، ولكن بعدما ضربتهم المجاعة المهلكة خلال الحرب العالمية الأولى أدركوا أهمية الأمن الغذائي ولذلك طالبوا بضم مناطق زراعية إلى جبلهم، ومن هنا جاء لبنان الكبير. قبل ذلك لم يكن هناك أحد يفكر في إحياء “الإمارة الشهابية” ولا الكيان اللبناني. فكرة الإمارة الشهابية والكيان اللبناني هي أفكار أوجدها الموارنة لتبرير إنشاء دولة لبنان وليس العكس. هم لم ينشؤوا لبنان لكي يحيوا الإمارة الشهابية وإنما أنشؤوا فكرة الإمارة الشهابية لكي يحيوا دولة لبنان.

الموارنة كانوا حتى عام 1914 يطلقون على أنفسهم مسمى سوريين، وهم أصلا الذي اخترعوا كلمة سوريين في القرن 19. جبران خليل جبران امتدح سورية على أنها بلاده. كلمة “لبناني” كاسم لهوية وطنية مستقلة ليس لها وجود قبل القرن العشرين، ناهيك عن أن تكون هذه الهوية المزعومة مرتبطة بالإمارة الشهابية التي كانت مجرد حركة تمرد عابرة خلال القرن 18. الإمارة الشهابية لم تترك أثرا وطنيا يذكر في نفوس سكان جبل لبنان، ناهيك عن أن تكون قد تركت هكذا أثر في نفوس سكان بيروت أو شمال لبنان أو جنوب لبنان أو البقاع.

“لبنان الكبير” الذي أنشئ في أيلول 1920 كان مكونا مما يلي:

  • قلب لبنان الكبير كان “متصرفية جبل لبنان” التي فصلت عن ولاية بيروت في عام 1861 وأصبحت كيانا مستقلا (وهذا الوضع بالمناسبة لم يكن خاصا بها بل كان ينطبق أيضا على متصرفية الزور التي فصلت عن ولاية بغداد في عام 1857، ومتصرفية القدس الشريف التي فصلت عن ولاية الشام في عام 1874، وأيضا ربما على متصرفية أورفة في عام 1908 في حال صح ما أورده كامل الغزي).
  • مدينة بيروت والمناطق التي تسمى الآن جنوب لبنان وشمال لبنان كانت في نهاية العصر العثماني تابعة لولاية بيروت (التي كانت تسمى سابقا ولاية صيدا وقبل ذلك ولاية صفد). ولاية بيروت في نهاية العصر العثماني كانت تشمل القسم الشمالي من فلسطين الممتد من نهر الليطاني إلى حدود المنطقة التي تسمى الآن بالضفة الغربية. أيضا شمال لبنان والساحل السوري الحالي حتى اللاذقية كان كله تابعا لولاية بيروت.
  • مناطق سهل البقاع كانت تابعة لولاية الشام، والدمشقيون كانوا في فترة الانتداب الفرنسي يسمون مناطق سهل البقاع اللبناني باسم “الأقضية الأربعة المسلوخة” ويطالبون باستعادتها.

فرنسا فصّلت “لبنان الكبير” على نحو اعتباطي ودون مراعاة لرغبات سكان المناطق المكونة لهذا الكيان. المعيار الأساسي لدى فرنسا كان تكثير الأقليات وإضعاف المسلمين السنة. مثلا هي اختارت النهر الكبير الجنوبي حدا شماليا للبنان بهدف تكثير العلويين والمسيحيين في الدولة العلوية التي أقامتها على الساحل السوري. هي ألحقت منطقة طرابلس بلبنان وضمت تل كلخ ومصياف وسهل الغاب إلى الكيان العلوي، والمحصلة النهائية كانت إضعاف السنة في كل من الكيانين اللبناني والعلوي.

عودة إلى الشمال. إذن كما قلنا فإن فرنسا حصلت في اتفاقية سايكس-بيكو على منطقتي سيواس وقيليقية، وهي مناطق تشكل ما يسمى تاريخيا باسم “أرمينية الصغرى” Armenia Minor (تمييزا لها عن أرمينية الكبرى التي تقع شرق الفرات). ربما تكون فرنسا حصلت على هاتين المنطقتين لهذا السبب ألا وهو تاريخهما الأرمني، لأن هاتين المنطقتين لا تعتبران جزءا من سورية عند غالبية الكتاب اليونانيين والرومان، رغم أن العرب والأتراك كانوا يعتبرون قيليقية جزءا من سورية.

وجود الأرمن في قيليقية هو وجود متأخر يعود إلى زمن الحروب الصليبية (القرن 11). في ذلك الزمن الصليبيون أبادوا سكان قيليقية المسلمين فجاء الأرمن وحلوا محلهم وصارت قيليقية مذ ذاك تعرف لدى الأوروبيين بـ”قيليقية الأرمنية” أو “أرمينية الصغرى” ونحو ذلك، وبعد الغزو السلجوقي للمنطقة جاء الأتراك أيضا وحلوا فيها بأعداد كبيرة (وفي لواء إسكندرون أيضا). حاليا ما زال هناك عرب يسكنون في قيليقية وهم علويون (نصيريون) ولهجتهم تشبه لهجة علويي سورية رغم أنها محرفة ومشوهة كلهجات معظم عرب تركيا.

من الأسباب التي حصلت فرنسا بموجبها على سيواس وقيليقية أن فرنسا كانت تطالب بتعويض عن فلسطين التي ضاعت منها في الصيغة النهائية لاتفاقية سايس-بيكو. فرنسا في بداية الحرب العالمية الأولى كانت تطالب بسورية الكاملة بمعناها الواسع الذي يضم فلسطين، ولكن الإنكليز لم يعطوا فلسطين لفرنسا، ولهذا السبب حصلت فرنسا على سيواس وقيليقية كتعويض. هذا الكلام قرأته في أحد الكتب الأجنبية.

بالنسبة للوائي مرعش وعنتاب فهذان اللواءان كانا في العصور القديمة يشكلان مع منطقة حصن منصور (التي تسمى الآن Adıyaman) منطقة تسمى قماجية Commagene، وهي الهضبة المرتفعة التي تقع إلى الشمال من حلب والتي كان ينبع منها نهر قويق قبل أن يجففه الأتراك في خمسينات القرن العشرين. منطقة قماجية هي جزء من سورية عند كل القدماء من يونانيين ورومان وعرب وأتراك. عاصمتها في البداية كانت مدينة Samosata (حاليا تقع في ولاية Adıyaman التركية) ولكن الرومان لاحقا نقلوا العاصمة إلى Hierapolis التي هي منبج حاليا. الرومان وسعوا حدود قماجية ومدوها جنوبا بحيث صارت تشمل الضفة الغربية لنهر الفرات من جبال طوروس إلى ما بعد مسكنة. البيزنطيون غيروا اسم قماجية في القرن الميلادي الرابع إلى “سورية الفراتية” Syria Euphratensis.

المقطاعات الرومانية في الأناضول وشمال سورية
المقاطعات الرومانية في الأناضول وشمال سورية

في نهاية العصر العثماني غالبية سكان عنتاب ومرعش وقيليقية لم يكونوا من العرب. هم كانوا خليطا من الأتراك والأرمن والعرب بالإضافة إلى الأكراد الذين كان ينحصر وجودهم في المنطقة الجبلية الواقعة غرب عنتاب والتي تتمادى جنوبا مع جبل الأكراد (الموجود حاليا في سورية).

لهذا السبب على ما أظن فإن عربان الشريف حسين لم يصعدوا في عام 1918 إلى هذه المناطق الشمالية. هم توقفوا حسب ما أعلم عند حلب، وأما المناطق الواقعة إلى الشمال من حلب فصعدها الإنكليز لوحدهم حتى وصلوا إلى جبال طوروس وتوقفوا هناك ولم يتابعوا المسير إلى سيواس كما كان يفترض بهم حسب اتفاقية سايكس-بيكو.

هذه المناطق الشمالية كانت تقع ضمن ما يسمى “المنطقة الزرقاء” في اتفاقية سايكس-بيكو. اتفاقية سايكس-بيكو ميزت في سورية منطقتين، المنطقة الأولى تسمى “المنطقة A”، وهذه المنطقة كان يفترض أن يقيم فيها عربان الشريف حسين والمعارضون السوريون دولة عربية تحت وصاية فرنسا (التي وصفها فيصل بن الحسين في خطابه في حلب في عام 1918 بأنها ذات أياد بيضاء وشواعر عالية وحسيات إنسانية وأنها تريد نصرة الحق وإعادة الحقوق إلخ). المنطقة الثانية تسمى “المنطقة الزرقاء”، وهذه المنطقة كان ممنوعا على عربان الشريف حسين والمعارضين السوريين الدخول إليها، وفرنسا لم تكن تعتبر سكان هذه المنطقة عربا بل كانت تحرص على نفي العروبة عنهم وربطهم بالأقوام البائدة من حتيين وفينيقيين ونحو ذلك. الدعاية الفرنسية الاستعمارية كانت تربط العلويين بالحتيين والموارنة بالفينقيين، ولكن هذه طبعا مجرد خزعبلات لا أساس لها.

بقايا الكنعانيين (الفينيقيين) القدماء في حال وجدت اليوم فهي على الأغلب موجودة لدى العلويين أكثر من غيرهم، وذلك بسبب انعزالهم النسبي مقارنة بغيرهم من سكان الساحل. لهجة العلويين هي أكثر لهجة تشبه لغة الكنعانيين القدماء. أيضا لهجة المدن الساحلية الممتدة من اللاذقية إلى طرابلس فيها شبه من لغة الكنعانيين. أما لهجة الموارنة فلا علاقة لها بلغة الكنعانيين من قريب أو بعيد بل بالعكس هي تتناقض معها بشكل صارخ وفاقع في العديد من الأمور. إن أتيح لي الوقت مستقبلا فقد أكتب مقالا عن اللهجات السورية وأوجه الشبه والاختلاف بينها وبين اللغات القديمة.

نحن نعلم من المصادر التاريخية أن الموارنة تعود أصولهم إلى شمال سورية وحوض العاصي، وهم بدؤوا يتجمعون في جبل لبنان في القرن السابع الميلادي، أي بعد قرون من انقراض الفينيقيين. جبل لبنان بالمناسبة لا علاقة له بالبلاد المسماة قديما باسم “فينيقية”. كلمة “فينيقية” اليونانية كانت تطلق حصرا على الشريط الساحلي دون المناطق الجبلية. حدود فينيقية عند الكتاب اليونانيين والرومان غامضة وغير واضحة. الحد الشمالي لفينيقية كان يتراوح من خليج إسكندرونة (عند هيرودوت) إلى طرطوس (عند إفلينيوس) إلى النهر الكبير الجنوبي (عند بطليموس)، والحد الجنوبي كان يتراوح من حدود مصر (عند إسطرابون) إلى جنوب حيفا (عند إفلينيوس وبطليموس). هذه المنطقة الساحلية هي فينيقية، وأما المناطق الداخلية كجبل لبنان مثلا فهي ليست من فينيقية. جبل لبنان عند اليونانيين والرومان كان جزءا من منطقة تسمى Ituraea، وسكان هذه المنطقة حسب الكتاب اليونانيين والرومان كانوا من العرب الذين يعتاشون على النهب والسلب. هناك باحثون معاصرون يشككون في المقصود بكلمة “عرب” في Ituraea. هم يرون أن كلمة عرب هنا لا تعني بالضرورة أنهم كانوا يتحدثون العربية، ولكن هذا الرأي لا يوجد دليل قاطع يثبته.

لهجة الموارنة هي لهجة عربية ذات طابع عتيق (archaic)، وهذا دليل على أنهم يتحدثون العربية منذ زمن قديم. هناك أمر غريب جدا في موارنة لبنان وهو أنهم لا يتحدثون السريانية مطلقا رغم أن منطقتهم هي منطقة معزولة جغرافيا. السريان في منطقة الجزيرة حافظوا على اللغة السريانية إلى القرن العشرين رغم أنهم أقل انعزالا من موارنة لبنان. كون الموارنة لا يتحدثون أية لغة سوى اللغة العربية هو دليل واضح على أنهم في الأصل من العرب وليسوا من السريان أو أي شعب آخر. هم من العرب الذين كانوا يسكنون جنوب سورية الكبرى قديما وكانوا يدينون بالمسيحية. هذا الرأي ذكره المؤرخ اللبناني كمال الصليبي وهو رأي يستند إلى المعطيات والأدلة بخلاف الخرافات التي يتم ترويجها لغايات سياسية.

جبل لبنان عند الكتاب القدماء هو جزء من سورية بالإجماع. لا يوجد أي كاتب قديم (سواء يوناني أم روماني أم عربي) اعتبر جبل لبنان خارج سورية، أما فينيقية فبعض الكتاب اليونانيين كانوا يفصلونها عن سورية، رغم أن الكتاب المشهورين جميعهم اعتبروها من سورية. في العصر الروماني لم يكن هناك جدل حول كون فينيقية جزءا من سورية، والرومان كانوا يطلقون على فينيقية مسمى “سورية الفينيقية” Syria Phoenice أو Syrophoenice. هذه الكلمة بالمناسبة وردت في إنجيل مرقص المسيحي في قصة المرأة التي طلبت من يسوع أن يخرج الشيطان من ابنتها (في 7:26). النص اليوناني للإنجيل وصف هذه المرأة بأنها Syrophoinícissa) Συροφοινίκισσα) أي “سورية-فينيقية”.

بالنسبة للربط بين العلويين والحتيين فسببه هو اكتشاف كتابات قديمة في لواء إسكندرون وقيليقية كان الباحثون في بداية القرن العشرين يعتقدون أنها باللغة الحتية، ولكن تبين لاحقا أنها بلغة أخرى هي اللغة اللُّوية. هذا الربط بين العلويين وشعوب الأناضول القديمة هو نوع من التساخف. من الوارد أن بقايا الحتيين واللويين وغيرهم ما زالت موجودة بين العلويين المعاصرين، ولكن ما هي أهمية هذه البقايا؟ هل هناك أحد من العلويين حاليا يتحدث اللغة الحتية؟ هل هناك بين العلويين من يحملون الثقافة الحتية مثلا؟

هذا الربط بين سكان الساحل والشعوب القديمة لم يكن نابعا من العلم بقدر ما أنه كان نابعا من نوايا استعمارية مغرضة لدى فرنسا. فرنسا لم تطبق هذه السياسة في سورية فقط بل طبقتها في كل الأماكن التي استعمرتها. مثلا في المغرب العربي فرنسا حاولت أن تغذي النزعة البربرية لدى البربر، وهذا الأمر ما زلنا نرى آثاره إلى اليوم في النزعة البربرية المستعرة هناك. الاستعمار الفرنسي يتميز عن الاستعمار البريطاني بشدة اللؤم والشر. فرنسا حرصت في الأماكن التي استعمرتها على أن تخلق تقسميات بعيدة المدى غير قابلة للزوال، ولهذا السبب هي كانت تسعى عن عمد لتعميق الشروخات الإثنية والدينية، وفي حال لم تكن هناك شروخات فهي كانت تعمد إلى اختراع شروخات من عندها وإلى تفصيل هويات لا أساس لها في التاريخ، ومن هنا تأتي محاولتها لربط العلويين بالحتيين وتفصيل هوية تاريخية خاصة لهم. هي كانت تحاول تكرار السيناريو الماروني على العلويين، بمعنى أنها كانت تحاول أن تخترع لهم هوية إثنية مستقلة تميزهم عن غيرهم وكانت تحاول تسخير علم الآثار لتبرير هذه الهوية. فرنسا لم تكتف بذلك بل هي حاولت أن تدخل العلويين في المسيحية وأطلقت العنان لحملات التبشير الكاثوليكي في الساحل على أمل قطع أية صلة بين العلويين وبقية المسلمين في سورية. هذه السياسة كانت فرنسا تتبعها في كل مستعمراتها (المغرب العربي، الهند الصينية، الخ). هي لطالما استخدمت التنصير كسلاح استعماري.

إذن كما قلنا فإن عربان الشريف حسين انتشروا في المنطقة المسماة “المنطقة A”، وأما “المنطقة الزرقاء” فدخلتها القوات الإنكليزية فقط تمهيدا لقدوم القوات الفرنسية إليها لاحقا لكي تستلمها. المعارضون السوريون في عام 1918 كانوا يظنون أن بإمكانهم أن يحبطوا اتفاقية سايكس-بيكو، ولذلك هم طلبوا من الموارنة والعلويين وكل سكان الساحل أن يرفعوا علم الثورة العربية وأن يعلنوا ولاءهم للدولة العربية، وهذا ما حصل بالفعل حيث أن كل الساحل السوري رفع العلم العربي بما في ذلك موارنة لبنان. أما المناطق الشمالية فهي ظلت خارج نطاق المعارضين السوريين لأن العرب في تلك المناطق كانوا أقلية.

ما حصل في المناطق الشمالية هو أن ميليشيات أرمنية سيطرت عليها مباشرة بعد دخول الإنكليز إليها في عام 1918. فرنسا كانت قد أعدت مسبقا ميليشيات أرمنية مدربة وحولتها إلى فيلق ضمن “جيش الشرق” يسمى “الفيلق الأرمني” La légion arménienne. هذه الميليشيات نزلت إلى مرسين من البحر في تشرين الثاني 1918 وشرعت فورا في السيطرة على مدن ولاية أضنة ثم تمددت نحو مرعش استعدادا لإقامة دولة أرمنية في تلك المناطق بإشراف فرنسا.

خطة الغربيين في ذلك الوقت كانت إقامة دولتين أرمنيتين، واحدة كبرى إلى الشرق من الأناضول وأخرى صغرى في قيليقية، وكان هناك على ما أعتقد تصور لربط هاتين الدولتين ببعضهما في النهاية. هذا المخطط كله انهار وتلاشى بسبب مقاومة الأتراك له.

القوات الفرنسية وصلت من البحر في تشرين الأول 1919 ونزلت على طول ساحل “المنطقة الزرقاء” الممتد من جبال طوروس شمالا إلى الناقورة جنوبا. الفرنسيون جعلوا مقرهم العام في مدينة بيروت، وفور نزولهم تم إنزال علم المعارضين السوريين من المنطقة الزرقاء ورفع مكانه العلم الفرنسي وأعلام أخرى تعبر عن الانتداب الفرنسي.

الفرنسيون فور نزولهم في لبنان والساحل السوري شرعوا في تجنيد مقاتلين من الموارنة والعلويين وغيرهم من الأقليات بهدف إنشاء “فيلق سوري” على غرار الفيلق الأرمني. الهدف من هذا الفيلق كان في البداية بسط سيطرة فرنسا على المنطقة الزرقاء، ولكن لاحقا هذا الفيلق تمدد إلى المنطقة A وقضى على قوات الشريف حسين والمعارضين السوريين (في معركة ميسلون).

المفوض السامي الفرنسي في سورية-قيليقية كان هنري غورو، وهذا المفوض شرع فور وصوله إلى المنطقة الزرقاء في إقامة حكم ذاتي للموارنة وآخر للعلويين، وأيضا شرع في إصدار النقد السوري-الفرنسي من بيروت وطالب دولة الشريف حسين والمعارضين السوريين بأن تتعامل بهذا النقد حصرا.

طبعا المعارضون السوريون في ذلك الوقت كانوا غير راضين عما تقوم به فرنسا في الساحل. هم كانوا يرفضون الاعتراف بسلطة فرنسا على المنطقة الزرقاء ويرفضون الخضوع لوصاية فرنسا ويرفضون كل اتفاقية سايكس-بيكو من أساسها. في البداية فيصل بن الحسين حاول أن يتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة وذهب إلى مؤتمر فرساي على أمل الحصول على شيء، ولكن ما حصل في مؤتمر فرساي هو أن فرنسا قدمت وعدا موثقا للموارنة بإنشاء دولة لبنان الكبير، وبعد مؤتمر فرساي عقدت الدول الأوروبية مؤتمر سان ريمو الذي رسخ اتفاقية سايكس-بيكو ووعد بلفور وكل الأمور التي لا تعجب المعارضين السوريين. ردا على ذلك أعلن المعارضون السوريون رفضهم لمقررات سان ريمو وشرعوا في تجنيد مقاتلين بهدف إنشاء ما أطلقوا عليه مسمى “الجيش العربي”، وفرنسا ردت بإصدار إنذار غورو، والمعارضون السوريون قبلوا إنذار غورو المهين ولكن فرنسا رغم ذلك لم تصفح عنهم وسار جيشها إلى دمشق ودخلها في 25 تموز 1920 وأنزل علم الثورة العربية وألغى الدولة العربية وأذل المعارضين السوريين وحولهم إلى مسخرة في التاريخ ومهزلة بين الأمم.

هذا جزاء طبيعي لكل عميل. المعارضون السوريون كانوا مجرد عملاء أدخلوا الاستعمار إلى بلادهم، وما حصل لهم كان النتيجة الطبيعية لأفعالهم. المضحك هو أنهم يكررون اليوم نفس ما قاموا به قبل 100 عام ولكن على نحو أشنع، لأن المؤامرة على سورية اليوم هي أخطر بكثير مما كان في زمن سايكس-بيكو. في زمن سايكس-بيكو كان المطروح هو تقسيم المشرق العربي جغرافيا وإقامة دولة يهودية، أما المطروح اليوم فهو تقسيم المشرق العربي طائفيا وإقامة عدة دويلات يهودية وليس دولة واحدة. الدول الطائفية التي يريد الاستعمار إقامتها في المنطقة اليوم ستكون كلها على نمط إسرائيل.

دخول الفرنسيين إلى حلب

الفرنسيون دخلوا إلى دمشق بطريقة فيها الكثير من الإهانة والإذلال، وغورو زار قبر صلاح الدين وشمت فيه، ثم أصدر مراسيم بحل الدولة العربية وإلغاء العلم العربي، وبعد ذلك بدأ يتباحث مع رئيس حكومة فرنسا في باريس حول كيفية تقسيم سورية.

بالنسبة لدخول الفرنسيين إلى حلب فالكلام التالي لكامل الغزي يتحدث عنه:

زيادة الضرائب والدعوة إلى التجند وقيام الفتن في سورية الساحلية:
بعد تتويج الأمير فيصل ملكا على سوريا واستقراره على عرش الملك، بدأت حكومته تزيد في الضرائب وتدعو إلى التجنّد. وكانت العصابات في المنطقة الشرقية السورية- التي تخفق عليها الراية الفرنسية- قد استفحل أمرها. وكانت الدولة المنتدبة المحتلة في سواحل سوريا قد أهمها أمر تلك العصابات وجهزت لقهرها جيشا جرارا، فلم يتسنّ لها قمعها إلا بعد جهود عظيمة وخسائر جمّة. وكثرت الفتن والوقائع في جهات بشارة وأنطاكية وتل كلخ وغيرها من الجهات السورية.

توتر العلائق بين جلالة الملك فيصل وبين الحكومة الفرنسية المنتدبة:
ولما حدثت هذه الأمور أخذ الارتياب من سمو الأمير فيصل يأخذ محلّه من نفوس الحكومة الفرنسية المنتدبة، وكان قد تسرب إليها الشك في إخلاصه لها من خطبة ألقاها في دمشق لمحّ فيها إلى وجوب رفض الانتداب الفرنسي والإصرار على الاستقلال التام، وذلك بعد أن كان ألقى في بيروت خطبة صرح فيها بما يوافق فرانسة ويرمي إلى غرض الرضا بانتدابها.

أول ما ظهر من نتائج توتر العلائق:
قال الأستاذ الفاضل محمد كردعلي في كتابه خطط الشام ما خلاصته: كان الجنرال غورو المفوض السامي للجمهورية الفرنسية ولبنان يعزز جيشه في الساحل. ثم في 11 تموز سنة (1920) أرسل إلى الملك فيصل كتابا قال فيه: «بينما كانت السكينة سائدة في سوريا أثناء الاحتلال الإنكليزي ابتدأ الفساد يوم حلت جيوشنا محل الجيوش البريطانية، ولا يزال آخذا بازدياد منذ ذلك الوقت» . وأرسل إليه أيضا يوم 14 تموز بلاغا يكلفه فيه أن يعطى فرنسا الخط الحديدي من رياق إلى حلب، وأن تلغي حكومة فيصل القرعة العسكرية، وأن يقبل الانتداب الفرنسي والنقود السورية، ويضرب على أيدي الأشقياء.
فطلب الملك مهلة أربع وعشرين ساعة. فانتهت ثم مددت أربعا وعشرين ساعة أخرى، ثم مددت ثانية ولم يجب لانقطاع الأسلاك البرقية. وحينئذ سار الجنرال غورو بجيوشه إلى جهة دمشق واشتعلت نار الحرب في جبال ميسلون بين جيوشه وبين الجيش العربي، يعضده بعض عامة دمشق وبضع مئات من البدو، فكانت الغلبة للجيوش الفرنسية. ثم أعلم الجنرال غورو الملك فيصلا أنه مستعد أن يتوقف عن الزحف إذا قبل بموادّ الإنذار السابق وبشروط بيّنها له- مذكورة في خطط الشام- فتأخر جواب الملك فيصل عن هذا الإنذار، فاستمرت الجيوش الفرنسية على الزحف إلى أن دخلت دمشق في اليوم ال 25 تموز سنة (1920) بعد أن قتل من الجيش العربي مقتلة عظيمة. وأسر منه العدد الكبير على الوجه الذي حكاه الأستاذ محمد كردعلي في خططه مفصلا.

ذكر ما حدث في حلب أثناء هذه الحرب:
وفي أثناء هذه الحرب ورد الأمر من قيادة دمشق إلى القيادة العسكرية العربية بالاستعداد إلى مقاومة الجيوش الفرنسية. فاستعدت القيادة للمقاومة على زعمها بإعداد جيش من الجند الوطني لا يزيد عدده على بضع مئات، ونشرت الدعوة للمقاومة بين العامة واستدعت بعض قبائل الأعراب من ضواحي حلب، وخرجت العامة إلى الثكنة العسكرية وطلبوا من القيادة السلاح فلم تعطهم. وطلب الجند منها عددا من المدافع فأجابتهم بأن ما هو موجود منها في الثكنة مختلّ لا يصلح للاستعمال.

ثم ورد الأمر من القيادة في دمشق بالتسليم وعدم المقاومة، ثم ورد بالمقاومة. غير أن الحكومة الحلبية حينما رأت هذا التذبذب في الأمر وضعف الأمة عن المقاومة، عقدت مجلسا من أعيان حلب ووجهائها للاستشارة في هذه المسألة فاختلفت الكلمة في ذلك.
وأخيرا رأى حضرة كامل باشا القدسي أن المقاومة تضر بالبلدة فضلا عن كونها لا تؤدي إلى الغرض المطلوب، وقد أقام على ذلك ما لا يمكن دحضه من الأدلة والبراهين. وقوله في ذلك حق لامراء فيه ولا سيما وهو رجل عسكري محنك. وعليه فقد أذعن الحاضرون إلى رأيه وقرروا التسليم بالطّوع والرضا.

منشور ألقته الطيارة على حلب:
وقبل قدوم الجيش الفرنسي إلى حلب ألقت طيارة مئات من نسخة منشور باللغة العربية خلاصته: أن فرنسا لا تتعرض إلى استقلالكم ولا تدعو إلى التجنيد، وهي تخفف عنكم الضرائب ولا تعمل بسلطتها ضدكم، ولا تتعرض إلى الموظفين الوطنيين؛ بل تبقي كل واحد منهم في وظيفته، وإن مقاومة جيشها يضرّ بالبلد وأهلها ويضطر فرنسا إلى عمل لا تحمد عقباه. وهو منشور طويل هذا فحواه.

والي حلب:
في شهر ذي القعدة سنة (1338) ولي حلب حضرة ناجي بك السويدي.

دخول الجيش الفرنسي إلى حلب:
صباح يوم الجمعة 8 ذي القعدة سنة (1338) وفي 23 تموز سنة 1920 م احتلت الجيوش الفرنسية مدينة حلب، وأشغلت بعض النقاط في أطراف البلدة ولم يحدث أقل حادث.

وفي صباح يوم الجمعة المذكور جرى الاحتفال بقدوم الجنرال «ده لا موط» قائد الجيوش الفرنسية في المنطقة الشمالية السورية، فزار مقام الولاية وألقى خطابا قوبل بالاستحسان. وإليك ترجمته:
«أيها السادة: إن فرنسا وجنودها لم تدخل هذه البلاد بصورة عدائية، ولا مقصدها الاستيلاء على البلاد ولا استعمارها؛ بل إن الواجب الوطني هو الذي ألقي على عاتقها لرقي البلاد وإسعادها وإيصالها إلى أقصى درجات الرقي والعمران. ولذلك فإن الحكومة باقية على ما هي عليه، محافظة على شكلها وموظفيها وقوانينها وأحكامها.
لذا، فإني أطلب من جميع رؤساء الدين والأشراف والأعيان والأهالي دوام الألفة وازدياد المحبة بين جميع طبقات الأمة وإطاعة أوامر الحكومة، وبذلك يكونون سعداء، وعلى الأخص فيما إذا تحققت أمانيهم برؤيتهم هذه البلاد سعيدة حرة مستقلة. اه» .

رفع استقالة:
رفع حضرة ناجي بك السويدي والي الولاية استقالته إلى وزارة الداخلية فقبلت.

والي الولاية الجديد:
يوم الثلاثاء 19 ذي القعدة سنة (1338) 3 آب سنة (1920) م عيّن سعادة كامل باشا القدسي من كبار أعيان حلب واليا للولاية.

بالنسبة لحديث كامل الغزي عن “العصابات في شرق سورية” فلا بد أنه خطأ مطبعي لأن فرنسا في هذا الوقت لم تكن قد وصلت بعد إلى شرق سورية. هو يقصد أن يقول غرب سورية. هو يتحدث عن جماعة الشيخ صالح العلي الذين كانوا في عام 1919 يقاتلون الاحتلال الفرنسي.

وصف جماعات المقاومة ضد الفرنسيين بالعصابات كان على ما يبدو أمرا معتادا في ذلك الوقت لدى النخبة الحلبية. لا أدري كيف هو حال بقية النخب، ولكنني أشك في أن الدمشقيين كانوا يصفون المقاومين بالعصابات لأن الدمشقيين في ذلك الوقت كانوا يخوضون مواجهة ضد الفرنسيين. بالنسبة لموارنة لبنان فهم طبعا كانوا يعتبرون المقاومين عصابات وكانوا يعتبرون حكومة دمشق حكومة متمردة وخارجة على الشرعية.

الكتابات الحلبية التي تعود إلى فترة الانتداب الباكرة تصف المقاومين بالعصابات، وإبراهيم هنانو حسب هذه الكتابات هو زعيم عصابة. أما فرنسا فهذه الكتابات تتحدث عنها بتبجيل واحترام. مثلا كامل الغزي عندما يتحدث عن الفرنسيين في كتابه يصفهم بعبارة “الأمة الفرنسية المحترمة”.

من الواضح أن الحلبيين في تلك الفترة الباكرة لم يكونوا يكنون العداء للفرنسيين. هم حتى لم يقاوموا فرنسا حينما دخلت إلى حلب، وفيما بعد موقف زعماء ووجهاء حلب كان مناوئا لإبراهيم هنانو وعصابته. العلاقات الحلبية-الفرنسية في ذلك الوقت كانت ممتازة على النقيض من العلاقات الشامية-الفرنسية التي كانت مأساوية.

السياسة الحلبية كانت سياسة عقلانية منطقية. طالما أن العرب اختاروا خط العمالة للمستعمرين فهم يجب أن يثبتوا فيه للنهاية. لا يعقل أن تكون اليوم عميلا للمستعمرين ثم تتحول فجأة إلى مقاوم شريف بين ليلة وضحاها. هذه مهزلة. من يختار خطا معينا يجب أن يثبت عليه.

الدمشقيون تخوزقوا في عام 1920 لأن سياستهم كانت سياسة غوغائية عبثية. هم تخلصوا من الحكم التركي بمعونة الاستعمار، ثم بعد ذلك صاروا فجأة ضد الاستعمار وصاروا يرفضون سايكس-بيكو وسان ريمو ووعد بلفور إلخ. كيف تمشي مع الاستعمار ثم تنقلب عليه وأنت لا تملك شيئا ولا تساوي شيئا؟

تقسيم سورية وإنشاء دولة حلب

بعدما دخل غورو إلى دمشق وأزال دولة المعارضين السوريين بدأ يتباحث مع رئيس الحكومة الفرنسية ميلران حول تقسيم سورية. ميلران طلب من غورو تقسيم سورية إلى 8 دويلات، وغورو رد بأن سورية لا تتحمل التقسيم إلى 8 دويلات وإلا فإن هذه الدويلات ستنهار وتتحدد مجددا.

في 1 أيلول 1920 أصدر غورو عدة مراسم مهمة في تاريخ سورية. المرسوم الأول قضى بإنشاء دولة لبنان الكبير، والمرسوم الثاني قضى بإنشاء دولة حلب، والمرسوم الثالث قضى بإنشاء دولة دمشق. بالنسبة لدولة العلويين فيبدو أن مرسومها صدر في اليوم التالي (2 أيلول 1920)، وهي في البداية كانت تسمى “أراضي العلويين” Territoire des Alaouites، وبعدما وافق زعماء هذه الدولة على دمجها بدولتي حلب ودمشق في نهاية عام 1924 قامت فرنسا بتغيير اسمها إلى “دولة العلويين” État des Alaouites وأخرجتها نهائيا من الاتحاد السوري، وفي عام 1930 غير زعماء دولة العلويين اسمها مجددا إلى “حكومة اللاذقية المستقلة”.

أما دولة الدروز فمرسومها صدر في 1 أيار 1921، وقبل ذلك لا بد أنها كانت جزءا من دولة دمشق. من الممكن أنها كانت منطقة حكم ذاتي ضمن دولة دمشق. للأسف معلوماتي ضعيفة حول دولة الدروز.

العلاقات بين الحلبيين والأرمن

من الكلام السابق يتبين أن الحلبيين في الفترة التالية للحرب العالمية الأولى كانوا حلفاء للاستعمار، والأرمن كانوا أيضا حلفاء للاستعمار، وبالتالي نظريا لا بد أن العلاقات بين الطرفين كانت جيدة لأنهما في معسكر واحد.

الكلام التالي لكامل الغزي يدل على حسن العلاقة بين الحلبيين والأرمن في ذلك الزمن، لأنه يمتدحهم كثيرا:

نورد في هذا الاستطراد بعض ما وقفنا عليه من الأحوال الروحية والتقاليد القومية، التي سارت على سننهما الهيئة الاجتماعية من الطائفة الأرمنية التي مضى على مجاورتنا إياها بضع سنوات غبّ أن هاجرت إلى حلب بعد الحرب العالمية، وقد أصبح فيها منهم العدد الكبير الذي يقدر بستين ألف نسمة، فنقول: الأرمن- مهما اختلفت أجناسهم وتباينت أقطارهم- أمة نشيطة جدية عاملة منصرفة عقليتها إلى الماديات دون المعنويات، وهي ثابتة في مقاصدها قوية الإرادة في منازعها، تمارس من صعاب الأمور ما يعجز عنه غيرها من أمم الشرق، لا تعتمد إلا على نفسها ولا يعوقها عائق في سبيل غاية تطلبها. ترى كل فرد من أفرادها- ذكرا كان أم أنثى، كبيرا كان أم صغيرا- مكبّا على عمله مهرولا إلى حانوته مبكرا لمزاولة مهنته التي ارتضتها له قوة جسمه وسعة مداركه، فمنهم التجار بأنواع البضائع الشرقية والغربية، ومنهم الصيدلي والطبيب والمحامي، والمهندس والصرّاف والخادم والكاتب، والميكانيكي والخياط والحائك، والنجار والحداد والحجّار، والمعمار والطاهي واللحّام، وصاحب المقهى والمنزل، وبائع الخضر والبقول، وغير ذلك من المهن التي لا تخلو واحدة منها، شريفة كانت أم حطيطة، إلا والمشتغلون بها من الأرمن عدد كبير يزاولونها باعتناء وإتقان لا مزيد عليهما. وهم- على اختلاف مهنهم وحرفهم- يقنعون بالربح اليسير ويقتصدون بالإنفاق على أنفسهم، الأمر الذي أكسد سوق نظرائهم من الحلبيين وضيّق عليهم أسباب معايشهم، لأنهم لا يقنعون بالربح اليسير لتعوّدهم على التوسع بالإنفاق دون الاقتصار على ضروريات الحياة.
كل فرد من أمة الأرمن- ذكرا كان أم أنثى- لا يرضى أن يكون عاطلا عن العمل متقاعدا عن الاحتراف، ولذا لا ترى منهم متسوّلا ولا متشردا، ولا من هو عيلة على غيره، سوى من أعجزته العاهات والزّمانات عن النهوض بعمل ما، وسوى الأيتام الذين ليس لهم مال ولا أولياء ينفقون عليهم، فإن هؤلاء الجماعة قد تكفلت بإعاشتهم الجمعيات الخيرية الأرمنية المؤلفة في حلب وغيرها من بلاد أميركا وأوربا، ففتحت لهم دور العجزة والمياتم والمدارس، وأغنتهم عن الحاجة إلى غيرهم وعنيت بأمورهم أحسن عناية.

أما نساء أمة الأرمن فإنهن يرين للرجل حق السيطرة عليهن، فهن بهذه العقيدة من أطوع نساء العالم لأزواجهن، وهن بعيدات (إلا ما شذّ منهن) عن معانقة الأزياء الغربية في لباسهن وزخارفهن، إذ قلما تجد على أرمنيّة ثوبا يبدو منه الذراعان إلى قرب الكتف ويظهر منه الكاهل والنحر وأعالي الصدر. كما أنك لا تجد فيهن واحدة تستعمل في وجهها وشفتيها- وما بدا من يديها- التمويه بالبياض والحمرة. قد اعتضن عن ذلك كله بنظافة بشرتهن واعتدن على الاغتسال بالحمّام والتردد إليه من حين إلى آخر، والتزمن في لباسهن جميعا زيا واحدا، وهو ثوب بسيط بأكمام، يستر المرأة من رقبتها إلى ما تحت ركبتيها ساترة ساقيها بجورب منتعلة بحذاء (قندرة) له كعب عال، فاتحة على رأسها شبه طيلسان أسود اللون مثلث الشكل، قد أرسلت خلفها زاويته الوسطى تستر بها ظهرها وضفيرتها.
ومنهن من تفتح على رأسها منديلة صفيقة سوداء، ترخي منها ذؤابة على ظهرها تخالط بها شعرها، فلا يفرق الناظر إليه بينه وبين ذؤابة المنديلة. على أن هذا النسق من اللباس والطيلسان لا يكاد ينقص عن الإزار الشرعي سوى عدم ستره جميع الشعر. وقلّ منهن من تلبس القبعة (البرنيطة) في رأسها.

ما تؤاخذ به أمة الأرمن:
إن هذه الأمة على ما هي عليه من المزايا الحسنة لم تتنزه عن بعض هنات تستوجب عليها المؤاخذة وهي:
(1) التعصب المفرط الخارج عن دائرة الاعتدال، فإن كل واحد من الأرمن يرى الصواب كله فيما هو عليه من العقيدة والتقاليد والعادات، وأن ضد ذلك فيما هو عليه غيره. على أن هذه العقيدة هي التي تجعل الأرمني بعيدا عن معاشرة غيره منكمشا عن صحبة الناس، غير مؤتلف ولا مختلط معهم.
(2) التهوّر وقصر النظر وقلة التبصر بالعواقب، وعدم وزن القدرة في القيام على طلب الاستقلال الذي طالما جلب على أمة الأرمن البوار والدمار، وأفنى منها ما يعدّ بألوف الألوف، دون الحصول على ما تبتغيه، غير متعظة بقول الحكيم:إذا لم تستطع شيئا فدعه … وجاوزه إلى ما تستطيع
وكيف تريد أن تدعى حكيما … وأنت لكلّ ما تهوى تبوع؟
(3) الإلحاح بالانتقام من عدوهم إذا ظفروا به، حتى إنهم ليبطشون ببعضهم إذا طرأ بينهم خصام ونزاع، فترى سورة الغضب في أحدهم تحمله على أقصى ما تجود به قوته من الضرب والبطش.
إن التهور وقلة التبصر في العواقب قد كلّفا الأرمن أن يريقوا من دمائهم بحارا دون أن يحصلوا من ذلك على جدوى.
إن من تصفح التاريخ ونقّب فيه عن حوادث الزيتون والأرمن، وعما طرأ على مرعش من الخراب المتكرر، يظهر له جليا أن قيام الأرمن وتمردهم على الحكومات الإسلامية لم يخل منها زمن من الأزمان، يقومون على الحكومات تارة بأنفسهم وأخرى بواسطة الروم الذين يشنون الغارات على جهات الأناضول بإغراء الأرمن والالتجاء إليهم، ينضمون إلى الصليبيين تارة وإلى التاتار أخرى، فلا ينالون من ذلك سوى الفشل الذي كان الأحرى بهم أن يقودهم إلى العيش مع جيرانهم بالمسالمة والوفاق كما يعيش غيرهم من بقية الطوائف المسيحية التي تعيش في غبطة من السلام والوئام.
انظر إلى ما كتبناه في الكلام على مرعش يظهر لك أن هذه البلدة خربت بمشاغب الأرمن خمس مرات…

من الواضح أن كامل الغزي لديه شعور إيجابي تجاه الأرمن، وهذا كان حال معظم الحلبيين في ذلك الوقت (الحلبيون إلى اليوم لديهم رأي إيجابي في الأرمن).

في بداية وصول الأرمن إلى حلب وقعت بعض المشاكل، ولكن الأمور تغيرت بعد ذلك سريعا:

حادثة الأرمن المعروفة باسم فتنة 28 شباط سنة 1919
أسباب هذه الحادثة:
لا ننكر أن في أمة الأرمن رجالا ونساء متحلّين بحلية العقل، والنظر البعيد إلى العواقب، وحسن المعاملة والأمانة والاستقامة والاعتراف بالجميل والمكافأة عليه، غير أننا مع هذا لا نحجم عن القول بأنه يوجد في دهماء هذه الأمة زمرة طائشة قد خيم الجهل على عقولهم، فانحرفوا عن الجادة المثلى ولم ينظروا إلى ما يعقب انحرافهم من الضرر وسوء المغبة بأمتهم التي فيها من الرجال من يستحق كل مدح وثناء.
وصفوة القول أن الأمة الأرمنية قد غلب خيارها على أمرهم فجرّ جهّالها عليهم البلاء دون أن يستحقوه. ومن هذا القبيل ما جنوه عليهم من البلاء في هذه الحادثة التي لم يكن لها من سبب سوى أمور نقمها الحلبيون على الأرمن، صدرت من تلك الطائفة الطائشة فأثارت في الحلبيين موجدتهم عليهم، وعكست فيهم اعتقادهم وملأت صدورهم غيظا منهم، وأغلت في أفئدتهم مراجل الحقد والضغينة عليهم، وكان من أمرهم في ذلك اليوم ما كان.
وإليك نبذة في ذكر بعض ما فعلته هذه الفئة الطائشة من الأمور التي أساءت بالأرمن اعتقاد الحلبيين واضطرتهم إلى الجرأة عليهم. وبيان ذلك أن الأمة العربية عامة- والحلبيين خاصة- كانوا ينظرون إلى أمة الأرمن بعين الشفقة والحنوّ، وينكرون على زعماء الأكراد ما كانوا يعاملون به الأرمن من التعدي؛ بل كانوا ينكرون على السلطان عبد الحميد ما نكب به الأرمن من المذابح ولا يرون له مبررا في الضغط عليهم. ولهذا لم ينقل عن أحد من الأمة العربية أنه غمس يده في دم أرمني في تلك المذابح الفظيعة، وقوفا عند حدود الشريعة المحمدية التي تتكفل للذميّ بصون ماله وعرضه ودمه. ولعل الأمة العربية لو كانت مشتركة مع الشعب التركي في تلك المذابح لما عدمت من السلطان عبد الحميد حسن المكافأة.
ثم في سنة 1333 كان جلاء الأرمن عن أوطانهم، كما أشرنا إلى ذلك في حوادث السنة المذكورة من هذا الجزء. وبعد أن وصلت تلك الجاليات إلى حلب على آخر رمق من حياتها؛ كان العرب عامة- والحلبيون خاصة- يعطفون على ضعفائهم ويمدّون إليهم يد الإحسان والمواساة، عكس ما كان يضمره لهم جمال باشا من الأذى والويلات، ورغما عما كان يقاسيه الحلبيون في تلك الأيام العصيبة من جهد البلاء والضغط العسكري.
وكان عقلاء الأرمن وأدباؤهم يعترفون للعرب بتلك الأيادي ويشكرونهم عليها، حتى إن شبيبة الأرمن مثّلت الرواية التي سبق ذكرها في حوادث هذه السنة.
وبينما كانت الأمة العربية تؤمل من الأمة الأرمنية حسن المكافأة على ما أسدته إليها من البر والإحسان؛ إذ انعكست الآية بعد وقوع الهدنة وصارت الأخبار المكدّرة تطرق كل يوم مسامع الحلبيين عما يجريه جهال الأرمن مع أبناء العرب من الأمور التي تبعث على إيجاد الضغينة وإسعار نار الحقد في صدورهم على أمة الأرمن. وإليك بيان بعض تلك الأمور وهي:

(1) تعرّض زمرة من الأرمن- المستخدمين في محطة أذنة من قبل الفرنسيين- إلى التجار العرب المسافرين على القطار إلى استانبول والقافلين منها إلى أوطانهم، فكانت تلك الزمرة تعامل التاجر العربي بكل غلظة وخشونة، وربما أزعجته بالسبّ والضرب، وإذا كان قدوم القطار في الليل فربما كانت تفتش ثيابه وتسلب نقوده.
أما الجنود العربية التي كانت تمرّ من أذنة قافلة إلى أوطانها فقد كانوا يقاسون من هؤلاء المستخدمين كل إهانة ويرون منهم كل قساوة، يعاملونهم بالشتم والضرب، وكثير منهم من كان يناله من أيديهم جراحة في وجهه وتهشم في أعضائه. فيأتون إلى حلب على أسوأ حالة.

(2) كان الحلبيون يسمعون بما كان يجريه متطوعة الأرمن في الجيش الفرنسي في بيروت من الخيلاء والعجرفة، وأنهم أطلقوا بنادقهم على بعض الوطنيين فقتلوهم، وأنهم تمردوا على الجيش الفرنسي في إسكندرونة حتى اضطرت القيادة إلى أن تنقلهم إلى أذنة.

(3) تظاهر غوغاء الأرمن في حلب بمظاهر العظمة والكبرياء ومقابلتهم الحلبيين بغير الوجه الذي كانوا يقابلونهم به في الأمس، يقابلونهم بوجه عليه سيماء التّيه والسخط، ويخاطبونهم بألفاظ خشنة لم يألفوا سماعها منهم قبل ذلك.
لم كان هذا الانقلاب من هذه الزمرة مع الحلبيين؟ وما هو الحامل لها عليه؟
كان سببه بصيص ضوء أبصرته من لفتة شملتهم من عناية الإنكليز بشأنهم، فعظمت نفوس الطائشين منهم وطفقوا يسيئون التصرف مع الحلبيين، ويقلبون لهم ظهر المجن في معاملاتهم. ولم يقفوا عند هذا الحدّ بل صار الكثير منهم جواسيس للإنكليز ينقلون إليهم عن الحلبيين أخبارا ملفقة لا ظل لها في الحقيقة.

(4) تعدّي جماعة من تلك الزمرة على الباعة؛ بتكليفهم صرف الورقة المصرية بالنقود المعدنية على معدّل قيمتها المحررة بها، مع أن قيمتها التجارية دون ذلك بكثير. فكان الباعة يخسرون أموالهم ولا يقدرون على الامتناع عن صرف الورقة على هذا المعدل خشية من عقوبة القانون.

(5) كان فريق من تلك الزمرة يختلقون كل يوم الحيل والخدع في اختلاس أموال التجار الحلبيين، حتى شاع عنهم هذا الأمر وصار الحلبيون يتحدثون به في مجتمعاتهم ومجالسهم:
من ذلك أن أرمنيا عرض على تاجر حلبي نموذجا من دبس الطماطم…[إلخ]

(6) كان عند الحلبيين عدد كبير من بنات الأرمن وأطفالهم، آووهم في أوائل قدوم جالياتهم إلى حلب، وقد التقطوهم من الأزقة والأماكن المهجورة وأزالوا الشقاء عنهم واعتنوا بتربيتهم عنايتهم بأولادهم. والبعض منهم اتخذوا من فتياتهم البالغات زوجات شرعيات واستولدوهنّ عدة أولاد. ولما دخل الإنكليز إلى حلب اهتمت جمعية الصليب الأحمر بجمع أطفال الأرمن وبناتهم من بيوت الحلبيين. ونحن لا نلوم الطائفة الأرمنية على استرداد أولادهم وأطفالهم إلى أحضانهم، لأن هذا مما توجيه القومية عليهم، إنما نلومهم على استعمال العنف وترك الرفق في سبيل البلوغ إلى هذا الغرض، فقد كان أقارب الأطفال والبنات يقصدون بيت الحلبي للتفتيش على أولادهم، ويدخلون عليه دخول مهاجم على ذي جريمة، ويأخذون الولد أو البنت قسرا ويعاملون مربّيها أو زوجها بكل عنف وقساوة هم في غناء عنهما. وربما كانوا يسوقونه إلى السجن بمساعدة الشرطة الموكول إليهم التفتيش على أولاد الأرمن من قبل جمعية الصليب الأحمر، وكانوا لا يصغون إلى الممتنعة عن متابعتهم من النساء المتزوجات، بل ربما قابلوها على امتناعها بالسب والضرب وأخذوها إلى منتدياتهم وأكرهوها على مفارقة زوجها وأولادها منه…

كيف كانت هذه الفتنة؟
قبل حدوث الفتنة بأيام اشترى أحد الحلبيين المسلمين من أرمني بقرة؛ ظهر لها بعد شرائها صاحب ادّعى أنها بقرته وقد سرقت من إصطبله. وبعد أن برهن دعواه بما لا يحتمل الإنكار لم يسع مشتري البقرة غير الإذعان لدعوى صاحبها فسلّمه البقرة. ثم أخذ يبحث عن الأرمني الذي اشتراها منه ليرجع عليه بثمنها فلم يظفر به. ولما كانت ضحوة يوم الجمعة 28 جمادى الأولى سنة 1337 و 28 شباط سنة 1919 م كان الحلبي يتجول في سوق الجمعة- وهو سوق عام ينعقد في كل يوم جمعة، في فضاء واسع يعرف بفضاء تحت القلعة، يباع فيه من جميع السلع والبضائع، ويحضره ألوف من الناس، ومن جملة فروعه فسحة واسعة تباع فيها الخيل والبغال والحمير والبقر- وبينما كان مشتري البقرة يتصفح وجوه الناس للبحث عن غريمه الأرمني، إذ وقع نظره عليه فأسرع نحوه وطلب منه ثمن البقرة. وكان الواجب على الأرمني أن يتلطف بذلك الرجل ويستمهله وفاء ثمن البقرة ويدفع الشرّ بالتي هي أحسن؛ غير أن نفسه لم تطاوعه على التساهل مع صاحب الحق، بل طفق يعربد وينكر القضية بتمامها ويفوه بكلام يشقّ على العامة سماعه.
فاشتد النزاع بين الرجلين وعلت أصواتهما في ذلك الجمع العظيم الذي لا يقلّ عن عشرة آلاف إنسان، ما بين مسلم ومسيحي ويهودي، وقد هرعت العامة إلى محل المشاجرة ووقفوا ينظرون إلى ما يؤول إليه أمرها. ثم انتقل الحال بين الرجلين من الكلام إلى الملاكمة واللّطام، وقد أخذا بتلابيب بعضهما، وانبرى لكل واحد منهما نصراء من قومه يدافعون عنه ويعينونه على خصمه- وقد علمت مما تقدم كيف كان توغر صدور الحلبيين وحنقهم على الأمة الأرمنية للقضايا التي أسلفنا بيانها- فلما شاهد هذا الجمع النزاع القائم بين هذين الرجلين وعلموا أن المعتدي منهما هو الأرمني، وأن الأرمن قد التفوا حوله ينصرونه على خصمه، هاجت الأحقاد في صدورهم وتقدموا يدفعون الأرمني عن الحلبي.
فاشتدت الضوضاء وعلا الصراخ وهاج هذا الجمع العظيم وماج، وانقضّت العامة على الأرمن يضربونهم بالعصي والسكاكين ووزنات الحديد وأعمدة الخشب. فما مضى غير دقائق إلا وجثث بضع وثلاثين أرمنيا مطروحة على الأرض، وقد اتصل الصوت ببعض الجهات القريبة من محلات الأرمن فقام بعض الدعّار يهجمون على بيوتهم ويسلبون ما فيها من الأثاث ويقتلون من يعارضهم من أهلها. وكان مجموع ما قتل في هذه الفتنة العمياء مسلم واحد- كان مارا في الطريق فرماه أرمني من داخل داره برصاصة فقتله- واثنان وخمسون أرمنيا بينهم امرأة واحدة.
ثم إن الشرطة تفرقت في أنحاء البلدة وأطفأت نار هذه الفتنة، وألقت القبض على بعض الثائرين. فسكنت الأمور وعادت مياه السلام إلى مجاريها. وفي أثناء قيام الفتنة فتح كثير من المسلمين أبواب منازلهم لجيرانهم الأرمن يحمونهم من الثوار ويدفعون عنهم الهلاك والبوار…

سبب الفتنة بين الحلبيين والأرمن هو أن الأرمن في بداية وصولهم إلى حلب أثناء الحرب العالمية الأولى كانوا في حالة يرثون لها من الضعف والفقر والأمراض، ولكن بعدما وصل الإنكليز وسيطر الأرمن على قيليقية ومرعش أصيبوا بالزهو وتغير حالهم وصاروا ربما يستكبرون على العرب، ولكن بعدما هزم الأتراك الأرمن وطردوهم من قيليقية ومرعش في عام 1920 تغير حال الأرمن وعادوا مجددا إلى التواضع أمام العرب. هذا تفسيري للموضوع.

الحرب التركية-الفرنسية

أعود مجددا إلى ما بدأت به وهو حرب كمال أتاتورك ضد الفرنسيين في شمال سورية وقيليقية. كمال أتاتورك كما قلنا كان لا يعترف باتفاقية Sèvres وكل التعهدات التي قدمها السلطان العثماني للحلفاء، وهو منذ توقيع الهدنة بين السلطنة العثمانية والحلفاء في عام 1918 بدأ يتآمر بهدف تنظيم ثورة ومقاومة مسلحة، وهو نجح بالفعل في ذلك حيث أنه تمكن من تنظيم حكومة ثورية في أنقرة ونجح في حشد جيش تركي وواجه الأرمن في الشرق واليونانيين في الغرب وتمكن من هزيمتهم، وبعدما استتب له الأمر في الأناضول وأرمينية وجه أنظاره نحو قيليقية وشمال سورية وبدأ يتآمر لاستعادة هذه المناطق من الفرنسيين.

استراتيجية كمال أتاتورك لاستعادة شمال سورية كانت ترتكز على عدة نقاط:

  • هو أجل المواجهة مع الفرنسيين هناك إلى ما بعد نهاية حربه مع اليونان، لأنه كان يريد الاستفادة من زخم انتصاره على اليونانيين لتحريض المسلمين في شمال سورية على الثورة ضد الفرنسيين والأرمن ولتثبيط عزيمة الفرنسيين على المقاومة.
  • هو كان يعتمد على تحريض السكان المسلمين في شمال سورية بهدف خلخلة السيطرة الفرنسية هناك، ولهذا السبب تواصل مع الأكراد وبعض العرب الخونة في شمال سورية وشكل منهم عصابات ساعدته في حربه ضد الفرنسيين.
  • هو وضع لنفسه هدفا عقلانيا يمكن لفرنسا أن تقبل به كتسوية نهائية، وهذا الهدف هو تحرير المناطق التركية في شمال سورية دون المناطق العربية. هو كان يريد أن يفرض على فرنسا الصفقة التالية: الأتراك لنا والعرب لكم، وكان مقتنعا بأن فرنسا ستقبل بهذه الصفقة، وهو ما حدث بالفعل في النهاية.

هذه هي المبادئ التي تمكن أتاتورك من خلالها من احتلال شمال سورية وضمه إلى تركيا.

فرنسا حتى عام 1920 كانت تسيطر على المناطق الظاهرة في الخريطة العليا في هذا الشكل:

Aleppo State before and after Hanano

المناطق التي تحوي أرمن (قيليقية ومرعش) كانت فرنسا تنوي أن تقيم فيها دولة أرمنية، والمناطق التي لا تحوي أرمن (عنتاب وأورفة وماردين وجزيرة ابن عمر ولواء إسكندرون) قررت فرنسا في اتفاقية Sèvres جعلها جزءا من سورية، وهذه المناطق كانت ستؤول لدولة حلب بطبيعة الحال.

أنا أسأل القارئ، وخاصة القارئ الحلبي، هل هذا السيناريو الفرنسي هو أفضل لحلب وسورية أم السيناريو الذي تحقق لاحقا بجهود إبراهيم هنانو؟

دولة حلب التي رسمتها فرنسا كانت دولة رائعة ومن أجمل الدول التي رأيتها في حياتي. في الغرب كان هناك لواء إسكندرون المطل على البحر المتوسط، وفي الشرق كانت منطقة الجزيرة ودير الزور الغنية بالنفط والغاز والمياه، وفي الشمال كانت هناك عنتاب وأورفة وماردين، وهي كلها مناطق زراعية ممتازة.

هذه الدولة لو استمرت لكانت تحولت إلى إحدى أكثر الدول ازدهارا في منطقة الشرق الأوسط والعالم. هي كانت تتميز بالموقع الاستراتيجي الممتاز للتجارة، والثروات المعدنية والنفطية والزراعية، والغنى السكاني وتعدد الإثنيات والأديان، والمواقع السياحية المهمة.

هذه الدولة كانت على ما أظن مكافأة من فرنسا للحلبيين بسبب تعاونهم وعدم مقاومتهم لها. السياسة الحلبية في تلك الفترة كانت صحيحة تماما، وكما قال كامل الغزي:

إذا لم تستطع شيئا فدعه … وجاوزه إلى ما تستطيع

وكيف تريد أن تدعى حكيما … وأنت لكلّ ما تهوى تبوع؟

هذه الأبيات تعبر عن السياسة الحلبية الحكيمة التي كانت مطبقة في تلك الفترة والتي أثمرت نتائج ممتازة.

حرب أتاتورك على الأرمن والفرنسيين

في عام 1920 بدأ أتاتورك يستعد لاستعادة قيليقية وشمال سورية من الفرنسيين، وهو اعتمد في ذلك على السكان المحليين، خاصة الأتراك والأكراد.

الأتراك في قيليقية ومرعش كانوا مستائين من فكرة الدولة الأرمنية ومن تصرفات الميليشيات الأرمنية ضد السكان المسلمين وتساهل فرنسا مع هذه التصرفات، وأتاتورك استغل ذلك وتواصل مع زعماء الأتراك في تلك المناطق ومدهم بالسلاح وحرضهم على الثورة.

بالإضافة إلى ذلك أتاتورك تواصل مع زعماء الأكراد في منطقة جبل الأكراد شمال غرب حلب ومدهم بالسلاح وحرضهم على الثورة. الأكراد شاركوا مع الأتراك في الثورة منذ بدايتها، وهم أول من قاوم الفرنسيين في ولاية حلب.

الأكراد في ذلك الزمان كانوا معروفين بولائهم الأعمى للأتراك. هم كانوا يتحركون من دافع إسلامي وأخلاقي، وأيضا هم ربما كانوا يخشون على أنفسهم من الأرمن والمسيحيين عموما، لأن الأكراد كانوا يسكنون في نفس مناطق الأرمن والسريان، والأتراك كانوا تاريخيا يستعينون بالأكراد لقمع الأرمن والسريان والتنكيل بهم، وبالتالي أيادي الأكراد كانت ملطخة بالدماء وهذا ربما يكون سبب ثباتهم مع الأتراك حتى النهاية.

الأتراك والأكراد ثاروا على الفرنسيين، وهذه الثورة فاجأت الفرنسيين في شدتها. الفرنسيون كالعادة ألقوا باللوم على الإنكليز واتهموا بريطانيا بأنها لم تطهر مناطق شمال سورية وقيليقية من فلول القوات التركية. أنا بصراحة لا أستبعد أن يكون كلام الفرنسيين صحيحا لأن البريطانيين كانوا يقومون بمثل هذه الأفعال في ذلك الزمان وهم ربما يكونون تقصدوا إيقاع فرنسا في مشكلة مع الأتراك.

الإنكليز لم يحتلوا سيواس ولم يدخلوا إلى الأناضول ويضعوا حدا لكمال أتاتورك رغم علمهم بتصرفاته والمؤامرات التي كان يعدها. هم لم يكونوا يريدون التطوع لخدمة فرنسا وغيرها وتوريط أنفسهم في قتال لن يستفيدوا منه شيئا.

في النهاية فرنسا اضطرت للانسحاب من قيليقية وشمال سورية بالكامل وسلمت هذه المناطق لكمال أتاتورك وفق اتفاقية Franklin-Bouillon التي وقعت في عام 1921، وبعد ذلك تم إلغاء اتفاقية Sèvres واستبدالها باتفاقية جديدة هي اتفاقية Lausanne لعام 1923. وفق هذه الاتفاقية فإن الحدود بين سورية وتركيا تغيرت وصارت نفس الحدود الحالية تقريبا مع استثناء واحد كبير وهو أن لواء إسكندرون وفق اتفاقية Lausanne كان يقع في سورية.

إبراهيم هنانو ودوره في ثورة أتاتورك

نعود مجددا إلى البطل المجاهد إبراهيم هنانو. شخصية هذا الرجل غريبة. هو كان يدعي أنه يقاوم الاحتلال، ولكنني لا أدري بالضبط ما هو الهدف الذي كان يرتجيه من مقاومته؟

الحلبيون في ذلك الزمان كانوا متفقين مع فرنسا ومتفقين على عدم المقاومة، لأنه لا توجد مصلحة في المقاومة.

ما الذي استفادته سورية عموما وحلب خصوصا من ثورة هنانو؟

ثورة هنانو كانت منسقة بالكامل من تركيا. هي كانت تشبه إلى حد غريب الثورة السورية الحالية في شمال سورية. هنانو كان يتلقى السلاح والتعليمات من الأتراك وكان يستهدف سكك القطار والبنى التحتية لولاية حلب بحجة مقاومة الفرنسيين. هذا نفس ما يقوم به ثوار تركيا في سورية حاليا حيث أنهم دمروا سورية وجيشها واقتصادها وبناها التحتية بحجة “إسقاط النظام”.

هنانو كان مثل الثوار الحاليين. هو كان لا يملك هدفا سوى التخريب. هو كان يرفع شعارا بلا معنى هو “مقاومة الفرنسيين”. هذا الشعار الفارغ من المضمون يشبه شعار “إسقاط النظام” الذي يرفعه الثوار الحاليون.

لكي نفهم شخصية إبراهيم هنانو يجب ربما أن نلقي الضوء على سيرته ونشأته.

إبراهيم هنانو ولد في عام 1869 في بلدة كفر تخاريم في قضاء حارم لعائلة إقطاعية من أصل كردي. هو أتم دراسته الثانوية في مدينة حلب وبعد ذلك رحل إلى إسطنبول ودرس القانون هناك وعمل موظفا في أجهزة الدولة العثمانية. أثناء دراسته في إسطنبول التحق بعصبة الاتحاد والترقي الطورانية المتعصبة. المصادر السورية تزعم أنه كان قوميا عربيا وأنه التحق بالجمعيات العربية، ولكن هذا كلام لا دليل تاريخي عليه وهو على ما أعتقد غير صحيح.

إبراهيم هنانو عمل طوال حياته في تركيا، وهو كان عضوا في عصبة الاتحاد والترقي، ولم تكن له علاقة بالعرب سوى أنه من أصل عربي، ولم تكن له علاقة بحلب سوى أنه درس فيها في طفولته.

بعض المصادر السورية تزعم أن إبراهيم هنانو التحق في عام 1916 بالثورة العربية وأنه التحق في عام 1918 بجيش فيصل بن الحسين. هذا الكلام غريب لأنه يتناقض مع سيرة هنانو السابقة واللاحقة، ولا يوجد حسب علمي دليل تاريخي يثبت هذه المزاعم.

الخصائص الأهم في نشأة هنانو هي ما يلي:

  • لم يولد في حلب نفسها وإنما في ريف حلب، وتحديدا في حارم المتاخمة للواء إسكندرون وجبل الأكراد، وهو نفسه من أصل كردي.
  • عاش معظم حياته في تركيا موظفا في الأجهزة الرسمية للدولة التركية.
  • كان عضوا في عصبة الاتحاد والترقي التي تضم كمال أتاتورك وبقية الشباب الطيبة.

هل هذه الخصائص تعبر عن سيرة مناضل قومي عربي؟

هذه الخصائص بصراحة تعبر عن سيرة عميل تركي. أنا أشك كثيرا في أن هنانو كان قوميا عربيا بالفعل. هو ربما التحق بالقوميين لاحقا بعدما انتهى دوره في خدمة كمال أتاتورك.

هذا الرجل ولد في نفس المنطقة التي يتحدر منها ثوار شمال سورية الحاليون، أي منطقة الحدود التركية، وهو كان على صلة وثيقة بتركيا وكمال أتاتورك، وأما مدينة حلب نفسها فهو لم يكن من أهلها.

إبراهيم هنانو كان مكروها لدى زعماء ومثقفي حلب لأنه مجرد مخرب وعميل للأتراك، والصحف الحلبية كانت تهاجمه هو وعصاباته، ولكن بسطاء الناس والدهماء في حلب كانوا معجبين به لأنه كان يطرح نفسه كمجاهد ضد الفرنسيين وكان يتهم زعماء حلب بالعمالة.

إعجاب الناس بهنانو لم يكن يستند إلى عقلانية وإنما إلى غرائز وعواطف بدائية. الناس البسطاء في حلب كانوا يقتربون من هنانو ويتمسحون به طلبا للبركة. هو بالنسبة لهم كان أشبه بولي من أولياء الله الصالحين.

المحكمة الفرنسية تحكم لهنانو بالبراءة!

واحدة من القصص الغريبة المتعلقة بإبراهيم هنانو هي قصة محاكمته في حلب. بعدما تم توقيع الاتفاق بين فرنسا وتركيا في عام 1921 أوقف الأتراك إمداد هنانو بالسلاح وطلبوا منه إنهاء ثورته. هنانو وقتها أصبح في ورطة (تخوزق) لأنه لا يستطيع مواصلة الثورة دون الدعم التركي.

الفرنسيون أمسكوا بهنانو وحاكموه في حلب في عام 1922، وأظن أن هذه كانت المرة الأولى التي يدخل فيها هنانو إلى حلب. هو اكتسب شعبية في حلب في ذلك الوقت لأن أهل حلب بسبب محاكمة فرنسا له وبسبب ما يروى عنه من قصص شعبية ظنوا أنه مجاهد عظيم ومناضل أشوس.

العجيب كان الحكم الذي أصدرته المحكمة الفرنسية على إبراهيم هنانو. المحكمة حكمت له بالبراءة وأطلقت سراحه!

أنا قرأت قصص الكثير من المقاومين والمناضلين وفي حياتي لم أسمع بمقاوم حكمت له محكمة الاحتلال بالبراءة. هذه سابقة لم تمر على أحد سوى إبراهيم هنانو.

المصادر السورية تفسر عادة هذا الحكم بأنه بسبب احتشاد جماهير حلب حول المحكمة ومطالبتها بإطلاق سراح هنانو. هذا الكلام بصراحة هو كلام عجيب غريب. بناء على هذا الطرح يمكننا أن نقول أن المحكمة الإيطالية كانت ستحكم لعمر المختار بالبراءة لو أن الليبيين تحلقوا حول مكان محاكمته، وأن المحكمة الفرنسية كانت ستحكم لعبد القادر الجزائري بالبراءة لو أن الجزائريين تحلقوا حول مكان محاكمته.

هل هناك عاقل يصدق هذا الكلام؟

الحكم ببراءة هنانو لا يوجد له أي تفسير سوى أنه نتيجة للاتفاقات الفرنسية-التركية في عام 1921. فرنسا عفت عن هنانو لأنه بالنسبة لها كان مجرد محارب تركي، وطالما أن الحرب مع الأتراك انتهت فلا بأس من إطلاق سراحه.

دور هنانو في تضييع لواء إسكندرون

من النتائج الوخيمة التي ترتبت على الاتفاقات التركية-الفرنسية في عام 1921 أن فرنسا قررت إنشاء لواء إسكندرون كمحمية للأتراك في سورية.

فرنسا ابتدعت هذا اللواء وأطلقت عليه مسمى “لواء الإسكندرونة المستقل”. في البداية هذا اللواء كان مستقلا تماما عن دولة حلب، ولكن لاحقا قررت فرنسا إلحاق لواء إسكندرون بدولة حلب فصار منطقة حكم ذاتي داخل هذه الدولة.

القرار الفرنسي بإلحاق لواء إسكندرون بحلب وبعد ذلك بسورية شكل ذريعة لكمال أتاتورك لكي يتهم فرنسا بأنها خرقت الاتفاق معه حول منح اللواء الحكم الذاتي. هو ظل ينوح طوال فترة الانتداب ويتحدث عن مظلومية الأتراك في اللواء، وفي عام 1936 هو استغل حالة الفوضى التي سادت سورية واستغل أجواء الحرب المخيمة على أوروبا فحشد قواته على الحدود السورية وأثار قضية اللواء إعلاميا وبدأ يصعد ضد فرنسا محاولا ابتزازها، والحكومة الفرنسية رضخت للابتزاز وسلمته لواء إسكندرون مقابل ألا ينحاز للألمان في حال اندلعت حرب في أوروبا. هي لم تدفع شيئا من جيبها لقاء هذه الصفقة وإنما الخسارة كانت من جيب السوريين وخاصة الحلبيين.

ضياع لواء إسكندرون هو من بركات وإنجازات مدمر حلب إبراهيم هنانو، لأن ثورة هنانو ساهمت في استيلاء كمال أتاتورك على قيليقية وشمال سورية وبالتالي فتحت الطريق أمامه لكي يتمدد لاحقا نحو لواء إسكندرون. لولا انتصار ثورة أتاتورك-هنانو لما كان لواء إسكندرون أنشئ من الأصل ولما كان فصل عن حلب.

إبراهيم هنانو والتآمر على الاستقلال الحلبي

لعل ألعن إنجازات إبراهيم هنانو على الإطلاق هي دوره الإجرامي في تضييع الاستقلال الإداري لحلب وتحويلها إلى مجرد قضاء من أقضية دولة دمشق.

أنا قرأت تاريخ حلب الممتد منذ إنشاء المدينة قبل تسعة آلاف عام وحتى الآن، وطوال هذا التاريخ المديد لم أقرأ أن حلب كانت ولو لمرة واحدة تابعة لمدينة دمشق سوى في عصر إبراهيم هنانو.

مدينة دمشق لم تتمكن ولا مرة في التاريخ من أن تحكم مدينة حلب. تاريخ دمشق هو أحدث من تاريخ حلب لأن دمشق لم تصبح مدينة مهمة إلا في العصر الآرامي قبل 3000 عام، أما حلب فكانت مدينة مهمة منذ زمن إبلا قبل 4500 عام، وفي العصر الأموري قبل 4000 عام كانت مملكة حلب أهم مملكة في الشرق الأوسط كما ورد في الكتابات المسمارية.

مملكة دمشق الآرامية لم تتمكن من توحيد سورية بأسرها ولم تتمكن من أن تحكم حلب. هذه المملكة انزوت سريعا وانزوت معها دمشق ولم تعد مدينة مهمة مرة أخرى إلا في العصر الأموي قبل 1300 عام تقريبا.

خلال العصر الأموي حلب كانت تابعة لدمشق ليس بوصف دمشق عاصمة لسورية وإنما بوصفها عاصمة لكل العالم الإسلامي، وحلب كانت مستقلة إداريا عن دمشق خلال العصر الأموي وكانت تتبع “جند قنسرين” الذي هو تعريب لمنطقة Syria Coele البيزنطية.

العصر الأموي دام لمئة عام فقط، وبعد ذلك انتهت صلة حلب الوجيزة بدمشق وظهرت في حلب عدة دول مستقلة أهمها الدولة الحمدانية، وفي العصر المملوكي كانت حلب عاصمة لمملكة مستقلة، وفي العصر العثماني كانت حلب مركزا لولاية حلب التي لم يكن لها أي علاقة بدمشق سوى العلاقة المعنوية التي تجمع بين الولايات السورية.

لو نظرنا إلى لبنان مثلا نجد أنه كان في معظم العصور تابعا لدمشق، أما حلب فهي على النقيض من ذلك لم تكن يوما تابعة لدمشق سوى في الفترة الأموية الوجيزة.

أنا لا أقول هذا الكلام لأنني أروج للانفصال أو التقسيم. هذا الكلام هو مجرد حقائق تاريخية. أنا لست من دعاة التقسيم ولا أوافق عليه، ولا أحد في حلب يوافق على التقسيم. زعماء حلب في فترة الانتداب الفرنسي لم يكونوا يريدون تقسيم سورية ولكنهم كانوا يرفضون تحويل حلب إلى مجرد قضاء من أقضية دولة دمشق.

المؤامرة الإجرامية التي قادها إبراهيم هنانو ضد حلب حققت شيئا لم يسبق أن كان موجودا في التاريخ منذ إنشاء مدينتي حلب ودمشق. هو نجح في تحويل حلب إلى مجرد مدينة تابعة لدمشق مثل النبك أو يبرود أو دوما. هذا الأمر الجلل تحقق دون قتال ودون أي جهد يذكر من دمشق. هو تحقق فقط بفضل جهود إبراهيم هنانو الذي حشد العامة والدهماء في حلب وحرضهم ضد زعماء حلب بحجة أنهم عملاء ويريدون تقسيم سورية.

لماذا دمر إبراهيم هنانو مدينة حلب على هذا النحو؟

لكي نفهم السبب يجب أن نعود إلى سيرة هنانو. هنانو كما قلنا هو ليس من حلب بل من ريف حلب، وهو كان على علاقة سيئة بزعماء حلب الذين كانوا يهاجمونه. لهذا السبب إبراهيم هنانو كان على ما يبدو حاقدا على زعماء حلب وهو أراد الانتقام منهم عبر تسليط زعماء مدينة دمشق عليهم وتجريد الحلبيين من سلطاتهم ومنحها للدمشقيين. هذا هو تفسيري لسلوك إبراهيم هنانو. هو كان مجرد ريفي حاقد على مدينة حلب على نحو شبيه بثوار ريف حلب وإدلب الحاليين.

ثورة هنانو تشبه كثيرا الثورة الحالية في شمال سورية. هنانو أتى من نفس البيئة التي أتى منها الثوار الحاليون في إدلب وريف حلب. من المحتمل جدا أن نفسية هنانو كانت تشبه نفسية ثوار إدلب الحاليين، وبالتالي لا يستبعد أن هنانو كان حاقدا على حلب وكان يسعى عن عمد لوضعها تحت سلطة منافستها دمشق بهدف تنفيس أحقاده.

لو أردنا تلخيص إنجازات إبراهيم هنانو فيمكننا أن نقول الآتي:

(1) المساهمة في تضييع سورية الشمالية ومنحها للأتراك.

(2) المساهمة في فصل لواء إسكندرون عن حلب وتحويله إلى منطقة حكم ذاتي للأتراك، وبالتالي

(3) فتح الطريق أمام الأتراك للاستيلاء على لواء إسكندرون في عام 1939، وحلب كانت الخاسر الأول من ذلك.

(4) التسبب في ضياع الاستقلال الحلبي الذي يعود إلى آلاف السنين وتحويل مدينة حلب إلى مجرد مدينة حدودية في دولة دمشق.

دولة دمشق قبل إبراهيم هنانو كانت في حال ترثى لها. هي فشلت في المواجهة مع الفرنسيين وفشلت في استعادة لبنان الذي هو منفذها إلى البحر وفشلت في استعادة الأقضية الأربعة الزراعية وفشلت في كل شيء. دولة دمشق قبل إبراهيم هنانو كانت إحدى أضعف وأفقر دول المنطقة وكانت قدراتها وإمكاناتها تشبه قدرات وإمكانات إمارة شرق الأردن، رغم أن إمارة شرق الأردن تملك منفذا إلى البحر بخلاف دمشق. هذه الدولة ذات الوضع المزري تمكنت من أن تسود على دولة حلب وصار لها الأمر والنهي في سورية. كيف حصل هذا؟ هو لم يحصل بقدرات دمشق وإنما بسبب إبراهيم هنانو.

الدولة السورية الحالية هي نفسها دولة دمشق التي أنشأتها فرنسا. كل ما حصل هو أن اسمها تغير وصار “سورية” وتم ضم الدويلات السورية الأخرى إليها، ولكن النظام الإداري للدولة ظل كما كان في أيام دولة دمشق أو ولاية دمشق العثمانية، وعقلية إدارة الدولة ظلت نفسها، بل بالعكس حصل تصاعد هائل في العقلية المتمركزة حول دمشق في الإدارة والحكم.

أنا لا أقول هذا الكلام من باب التعصب أو الإساءة. أنا لست متعصبا ضد الدمشقيين ولا أميز بين حلبي وشامي، ولكنني هنا أسرد التاريخ من وجهة نظر حلبية، وهذا لا يعني التعصب لأنني لا أسيء بشيء لدمشق. أنا فقط أشرح التاريخ بتجرد وبصراحة، وكما قلت لا يوجد أحد في حلب حزين من توحيد سورية وأنا لست ضد توحيد سورية ولكنني فقط أستهجن الطريقة التي تم بها.

الحلبيون كانوا أشد المؤيدين للوحدة السورية والعربية، وسكان ولاية حلب هم أصلا الذين اخترعوا فكرة الأمة العربية والقومية العربية، ولكن المشروع القومي تم اختطافه من قبل بعض زعماء دمشق وتحول إلى مشروع قومي دمشقي، وأنا تحدثت عن هذا الموضوع من قبل.

النظام الدمشقي أفشل الوحدة مع العراق في الأربعينات، وتحالف مع الرجعية العربية واستقوى بها على الحلبيين ودعاة الوحدة العربية، وهذا النهج أدى إلى ضياع فلسطين في عام 1948، وبعد ذلك انقلب النظام الدمشقي على “الديمقراطية” ولجأ في عام 1949 إلى سياسة الانقلابات والحكم العسكري الديكتاتوري لمنع حزب الشعب من توحيد سورية والعراق، ثم بعد ذلك انقلب النظام الدمشقي على الوحدة مع مصر، ثم تحالف مع البعثيين ضد الحلبيين وبقية السوريين. هذه هي سيرة النظام الدمشقي أو دولة دمشق. هي سيرة لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالقومية العربية التي أقيمت سورية على أساسها. النظام الدمشقي كان يتحدث عن القومية العربية ولكنه طوال تاريخه كان يحاربها ويسعى لإنشاء نظام دمشقي مركزي حديدي يلغي المشروع القومي العربي ويلغي دور المكونات الأخرى غير الدمشقية في سورية سواء كانت هذه المكونات مناطقية أم طائفية أم إثنية.

الرئيس بشار الأسد حاليا يطبق سياسة وطنية سورية وعروبية تختلف عن السياسة الدمشقية التاريخية. حاليا سورية هي على صدام مع الرجعية العربية وقوى الاستعمار، والرئيس الأسد عمل طوال السنوات الماضية على بناء وتعزيز محور المقاومة، وهو الآن يطرح تعزيز التعاون مع العراق ووصل به الأمر حتى إلى طرح فكرة الوحدة مع العراق. هذه السياسات ليست دمشقية بل هي سياسات وطنية تتوافق مع النهج الحلبي التاريخي، ولهذا السبب يجب على الحلبيين دعم الرئيس الأسد والالتفاف حوله لأن سياسته تحقق مصالح حلب وسورية عموما، ولكن في حال حصل مكروه –لاسمح الله- وتمكنت قوى الاستعمار من السيطرة على سورية فيجب على الحلبيين أن يقرؤوا تاريخهم جيدا حتى لا يتكرر معهم ما حصل مع أسلافهم في مطلع القرن العشرين. أهم شيء هو عدم السماح لأي شخص من خارج حلب بأن يقرر مصيرها، سواء كان هذا الشخص يسمي نفسه مقاوما أم مناضلا أم مجاهدا أم ثائرا إلخ. ويجب عدم السماح لقوى الاستعمار والرجعية العربية بأن تهيج الناس في حلب تحت العناوين الدينية بهدف إعادة إنتاج النظام الدمشقي الذي كان يحكم سورية في الأربعينات والخمسينات وبين عامي 1961-1963.

مصلحة آل سعود وشيخ قطر وأميركا وإسرائيل هي في إعادة إنتاج النظام الدمشقي الرجعي في سورية، وهم لهذا السبب مثلا أتوا لنا بشيخ دمشقي رئيسا للمعارضة. معظم هؤلاء المعارضين المرتمين في أحضان أميركا ومشايخ النفط هم من أنصار النظام الدمشقي. هم يريدون إعادة عقارب الساعة إلى الأربعينات والخمسينات عندما كانت أميركا وأتباعها يلعبون بالسياسة السورية وكانت حلب الضحية الأولى. يجب التنبه لهذه المؤامرة وعدم القبول مطلقا بعودة النظام الدمشقي.

حلب لها مصلحة في أمرين لا ثالث لهما، إما الوحدة العربية أو اللامركزية الواسعة جدا. أما بقاء الكيان السوري الحالي مع سيطرة دمشق عليه فهذا هو السيناريو الأسوأ.

ملاحظة عن الموارنة

في الأعلى أنا تحدثت عن الموارنة من زاوية محددة ضيقة. الموارنة تاريخيا هم طائفة مفيدة للعرب والمسلمين وهم خدموا الثقافة العربية والسورية وهناك أفضال لهم على العرب. هم أصبحوا انعزاليين بسبب ظروف صعبة مرت بهم في القرن 19، ولكنهم في القرن العشرين تخلوا تدريجيا عن انعزاليتهم وانفتحوا على محيطهم. هم في بداية القرن العشرين طالبوا بدولة مارونية ولكنهم بعد ذلك تخلوا عن هذه الفكرة واستبدلوها بفكرة الدولة متعددة الطوائف، وفي الأربعينات هم نبذوا الاستعمار الفرنسي واختاروا التقارب مع العرب، وهذه خطوة مهمة تثبت أنهم ليسوا انعزاليين. الموارنة لا يريدون سوى المحافظة على استقلال لبنان لأسباب أتفهمها وهي في رأيي تحمل كثيرا من الوجاهة. بالتالي لا يوجد سبب للخلاف بين الموارنة والعرب ولا يوجد سبب للتهجم عليهم أو اتهامهم بالانعزالية. أنا فقط كنت أسرد التاريخ، والتاريخ ربما يجرح ولكن سرده بصراحة لا يعنني أنني متعصب أو كاره لأحد.

وبالنسبة للبطريرك الماروني فأنا أعتذر لأنني بالغت في التهجم عليه مؤخرا دون أن أدقق في كلامه. هو طرح فكرة المقايضة بين الحكومة الجديدة وقانون الانتخاب الجديد، وهذا الموقف وسطي ولا بأس به. أنا عندما تحدثت عنه آخر مرة لم أكن أفهم موقفه جيدا.

Advertisements

13 thoughts on “حلب بين ثورة 1916 وثورة 2011

    • للأسف لا أعرف… هناك كتب عديدة عن تاريخ سورية عموما ولكنني لا أعرف أي كتاب عن تاريخ حلب لوحدها… الكتب المتعلقة بتاريخ سورية موجودة في المكتبات السورية وأيضا هناك كتب أجنبية يمكن تصفح بعضها على الإنترنت…

  1. آسف هاني..
    ولكن الكلمات التالية أريد أن أشارككم بها، ففي وصف ما جرى في عقرب شيء يقرب من الخيال..
    لا أحد يقول لي (خلصت) بعد اليوم.. ما يحدث في سوريا هو البداية لتدمير البلد
    ——————————————————————————–

    شهداء على الشهداء .. قبل عشرة ايام من ليلة الموت

    بحثاً عن الحقيقة ، مشينا إلى بلدة ” التاعونة ” التي تبعد 1 كم عن” عقرب ” تلك البلدة المتمازجة الطوائف حتى التعب وحتى آخر وجع في حكاية الموت السوري ، لنسمع الحكاية من أبناء ” الموت ” الذين كتب لهم أن يكونوا شهداء على الشهداء في أيامهم الأخيرة ، فكانت البداية .

    يوم عادي .. حتى وقت صلاة الفجر .. آذان يعلو من المسجد الشرقي .. ويختتمه الشيخ وليد قائلاً .. آل جبيلي انتظرونا إن ّ لقادمون إليكم .. نصيب فيكم مقتلاً ..

    لحظات قليلة .. تفصل الساهرين في منازلهم عن أسوء لحظات بقائهم أو رحيلهم .. لم يكن الأمر محسوماً بعد .. بلدة عقرب في ريف الحولة لا يوجد بها سوى عائلة جبيلي المكونة من 300 فرداً هم كل المؤيدين للحكومة السورية في بلدة يجمع باقي سكانها على ما بات يعرف بـ ” معارضة النظام السوري ” .. والتهمة هي الطائفة .. هكذا يروي الناجون لتلفزيون الخبر حكاية موتهم بين الفجر ووقت انتصاف شمس الظهيرة ..

    تطبق مجموعات مسلحة على الحي بأكمله ، إطلاق نار كثيف ، صيحات تكبير ، وشتائم بالجملة ..

    – أين كبيركم .. يقول قائد المسلحين ..

    فيخرج له رجل ستيني ، أخذ الشيب في ذقنه مأخذاً :

    – لم نخرج خلال عام ونصف أعطيتمونا فيها الأمان في البقاء فعلاما الفجور يا أبناء طفولتي وأصدقاء شيبي .. ليأتيه الرد بأن ” لا نقاش بيننا فلستم بموضع المساومة سلمونا نساءكم تؤمنون أرواحكم ”

    يقول أحد الشباب الناجين من الموت ، أن الحمية التي دبت في رؤوسهم في تلك اللحظات كانت كافية لـ ” قتل الضباع في الليالي الباردة ” على حد تعبيره .

    ترفض العائلة ، وتفضل في أسوأ الأحوال ” الموت سوية ً ” .. حيث قال أحد الشبان الذين كانوا يجالسوننا ” نموت ألف مرة ولا نحني رؤوسنا ونسلم أعراضنا ”

    بقوة السلاح وبطشه اقتاد المسلحون أولئك المدنيين الثلاثمائة إلى منزل واحد ، ويروي جلساؤنا كيف أن المسلحين ” طوقوا المنزل وزرعوا حوله عبوات ناسفة ، وأقاموا حوله سهرات عامرة يذبحون بها ما لذ لهم وطاب من ماشيتنا ”

    يروي أحد جلسائنا : ” عشرة أيام من الحصار ، ذقنا بها الموت ألف وألف مرة على رماح الخيل وسطوة الجاهليين الأوائل ، ولم يكن في الدار نواس ، ورائحة الخمر تعبق في الجوار ، حيث يقيم المسلحون سهرات أنسهم على أوجاعنا ”

    تقول أم عمار وهي عجوز نجت من الموت بأعجوبة ، وقد قاربت أو تجاوزت السبعين ( فهي لا تعرف ) والدمع يملأ مقلتيها ” حبة فول وحبة زيتون واحدة لحفيدتي الرضيعة ” وتجهش بالبكاء فيعم صمت مطبق على المكان فسكتوا .. وسكتنا

    يقاطع العجوز التسعيني أبو أحمد ذاك الصمت الرهيب ليقول ” في اليوم الثامن بدأت ألحس الجدار والنوافذ .. علني أحصل على أي شيء يشبه الماء ”

    وإلى الخلف قليلاً وقفت طفلة صغيرة تبكي في ركن مظلم ، فقدت أخوتها الثلاث ، أمها وأبيها ، وذاقت طعم 10 أيام من الاحتجاز المرير ، تلك الطفلة ذات الأعوام الخمسة كان اسمها يختصر وصفها .. حلا .

    يروي أحد الشباب كيف أنهم كانوا يسمعون أصوات اشتباكات وإطلاق رصاص خلال الأيام الأربعة الأخيرة من ايام احتجازهم قبل ليلة الموت .

    ليلة الموت ..

    ومع اقتراب الليلة العاشرة ، والكلام للشاب ، قام أحد المسلحين وهو ” سكران ” بإطلاق النار من شباك الغرفة ، فاستشهد أحد الشباب على الفور وأصيبت امرأة في ظهرها .

    فتح المسلحون الباب ، وتهدئة للبلبلة وأصوات الصراخ والغضب ، قرروا أن يفرجوا عن عدد من المحتجزين ، وبدأوا بإخراج عدد من النساء والأطفال ، وسادت حالة من الفوضى ، اندفع خلالهاالمحتجزون باتجاه باب الغرفة ، قبل أن يتمكن المسلحون من إغلاق الباب ، في الوقت الذي هام فيه من استطاع الخروج على وجهه في البرية .

    تقول إحدى السيدات الناجيات وهي تبكي مستذكرة ليلة الموت أنهن كن يركضن هن وأطفالهن ، ويقعن على الأرض في الظلام ، ينزف الدم من أرجلهن ، ويستمر الركض على جوع عشرة ايام ، أملاً في الوصول إلى بلدة ” التاعونة ” إلى قبل أن تخترق اجسادهن أصوات الرصاص الذي كن يسمعنه غزيراً .

    إلى ” التاعونة ” وصل من وصل وكتبت له الحياة ، ووكان شاهداً على الايام الأخيرة لحوالي 200 شهيداً ومفقوداً لم يعرف مصيرهم ، بعد سقوط قذائف على المنزل السجن ، بعد اشتباكات بين كتائب الفاروق المسيطرة على المنطقة برمتها ومسلحين .

    بالضبط لا يعرف الناجون من الموت ماذا حصل بعد ذلك مع أخوتهم وعائلاتهم ، لكنهم يعرفون جيداً أن هذه ليست سوريا التي عاشوا فيها حياتهم بأمان …

    في طريق العودة ، كانت الصور تتدافع أمام أعيننا ، كل الصور مجتمعة كانت تشكل فيلماً مشوهاً لجميلة اسمها سوريا .

  2. هاني
    انا من الاردن، وقلبي يحترق على سورية
    أشعر كل يوم أنني أموت بالتدريج ولا أصدق أن هذي البلاد الني علمتنا العروبة والعزة تذبح ونحن لا نملك إلا أن نبكيها.

    أتمنى يا هاني أن لا تغيب، حين تظل تكتب أشعر أن سورية مازالت تتنفس. وحين تغيب يغرق قلبي في هواجسه.

    أحيي من خلالك عبدالعال

  3. نقلت وكالات الانباء عن رئيس الائتلاف الوطني معاذ الخطيب انه سيدرس جديا عرض تلقاه من المجرم بشار بتسليمه السلطة ..
    نقلت وكالات الانباء عن رئيس الائتلاف الوطني معاذ الخطيب انه سيدرس جديا عرض تلقاه من المجرم بشار بتسليمه السلطة ..
    نقلت وكالات الانباء عن رئيس الائتلاف الوطني معاذ الخطيب انه سيدرس جديا عرض تلقاه من المجرم بشار بتسليمه السلطة ..

    وبالامس اعترف نائب وزير الخارجية المبعوث الخاص للرئيس الروسي الى الشرق الاوسط ميخائيل بوغدانوف بان الحكومة السورية “تفقد سيطرتها على البلاد اكثر فاكثر” وقال “لايجوز استبعاد احتمال انتصار المعارضة” وشدد بوغدانوف “النظام والحكومة يفقدان السيطرة على البلاد اكثر فاكثر”.
    ربما تمثل تصريحات المسؤول الروسي الممسك بملف الشرق الاوسط مفاجئة لمن راهن على جمود موقف موسكو، ولم يلتف الى التصريحات المتواترة على لسان وزير الخارجية سيرغي لافروف بان بلاده لا تدافع عن الرئيس بشار الاسد ولاتحابي طرفا على حساب اخر. فالوزير الروسي الذي لم يتوقف منذ نشوب الازمة عن التاكيد على “ثوابت” موسكو، كان يحرص على استبعاد شخصنة الصراع في بلاد الشام.
    تصور لايرضي المعارضة السورية التي ترى في الرئيس الشاب بيت الداء وراس العلة وان في تنحيته العلاج، فيما اعتبرت موسكو المطالبة بتخلي الاسد الابن عن الحكم خرقا للقانون الدولي واتتهاكا لميثاق الامم المتحدة لان الدعوة تاتي من اطراف خارجية تحملها روسيا مسؤولية تاجيج اوار النزاع في سوريا وادخالها في حرب اهلية لم يستبعد نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف انها قد تفضي الى انتصار المعارضة. وما يترتب عليه من “نتائج وخيمة”.

  4. أكد رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض معاذ الخطيب إن الشعب السوري لم يعد بحاجة الى تدخل قوات دولية للإطاحة بالرئيس بشار الأسد مع تقدم مقاتلي المعارضة نحو وسط العاصمة دمشق.

    وأضاف أن المعارضة ستدرس عروضا من الأسد لتسليم السلطة ومغادرة البلاد لكنها لن تعطي اي ضمانات الى أن ترى عرضا جادا.

  5. يجب أن أختلف معك في قضية عروبة الموارنة يا هاني. فالموارنة شعب سرياني منذ القدم، لو رجعت لاسماء البلدة والنواحي المارونية لرأيت أن معظمها سريانية وقد الأسماء العربية أن تكون معدومة. لو رجعت إلى التاريخ فستعلم أنهم كانوا مجموعة سريانية ملكانية (خلقيدونية) تحولت لاحقا إلى المونوثيليتية غير أنهم دائما احتفظوا بلغتهم الآرامية في كتاباتهم واسمائهم ولا تظهر الأسماء العربية حتى بعض فترة طويلة من الفتح العربي. بإمكانك كذلك مراجعة تاريخ وليم الصوري الذي يصف الموارنة بانهم “سريان العرق”. عموما اللغة السريانية استمرت محكية في معظم مناطق الموارنة كما يذكر سمعان السمعاني. حتى القرن التاسع عشر كانت السريانية منتشرة بشكل واسع بجانب العربية (راجع كتابات وأشعار جبرائيل قرداحي وغيره). الصليبي ليس مصدر موثق ولديه أكثر من فكرة غريبة وغير مقبولة في الجتمع الأكاديمي، كنظرية التوراة في جزيرة العرب وما ذلك…

    • أسماء البلدات والنواحي السريانية موجودة في كل مكان وليس فقط عند الموارنة. هي لا تعني شيئا سوى أن متحدثي السريانية كان يسكنون هذه البلاد قبل العرب.

      الموارنة الأوائل كانوا سريان هذا صحيح… لأنهم كانوا يسكنون في شمال سورية في بداية المسيحية وكانوا ربما يتحدثون السريانية… ومارون نفسه هو سرياني على ما أظن… ولكن حتى سكان دمشق في ذلك الزمن كانوا يتحدثون السريانية… هل هذا يعني أن سكان دمشق حاليا هم سريان؟

      السريان كانوا يسكنون المنطقة قبل العرب.. هذا لا يعني أن العرب الموجودين حاليا هم سريان…

      بالمناسبة حتى السريان أنفسهم هم ليسوا السكان الأصليين… قبل السريان كانت هناك أقوام أخرى تسكن المنطقة… وأسماء المناطق ليست كلها سريانية بل هناك أسماء من لغات أخرى أقدم من السريانية…

      القول بأن “السريانية كانت منتشرة بشكل واسع” في القرن 19 هو كلام صعب التصديق… من المؤكد أن السريانية كانت (وما زالت) معروفة كلغة أدبية أو كتابية… ولكنها لم تكن لغة محكية (اللهم ربما على نطاق ضيق)… وإلا لما كانت تبخرت خلال قرن واحد… خاصة وأن الموارنة خلال القرن 19 كانوا يميلون للانعزال وكانوا يريدون تمييز أنفسهم عن العرب… لو كانوا يتحدثون السريانية فعلا لكانت اللغة العربية هي التي انقرضت وليس السريانية…

      بعدين يا عزيزي من أين أتت في رأيك اللغة العربية التي يتحدثها الموارنة؟ هم يتحدثون عدة لهجات عربية وهذه اللهجات لها طابع عتيق… هي حتما لم تنشأ في القرن 20!

      اللغة العربية حاليا هي لغة جميع الموارنة… هذا دليل قاطع على أن غالبية الموارنة حاليا هم من العرب… لا يوجد تفسير آخر…

      • الانتماء القومي أمر ديناميكي وليس ستاتيكي. الأمثلة التي ذكرتها صحيحة حول أن العربية طاغية في العالم العربي لأسباب خارجة عن نطاق النقاش، ولكن هذا لا يعني أن الشعوب المتحدثة للعربية تنتنمي لنفس الهوية. إحدى أمثلتي المفضلة انتشار الإنكليزية والإسبانية، معظم الباسك والاسكتلنديين يتحدثون اللغة الطاغية في منطقتهم ومع ذلك فتلك المجموعات تحتفظ بهويتها الخاصة.
        طبعا أغلب الشرق كان يدين بالمسيحية ويتحدث الآرامية كما أشرت وبما أن الأمر تغير فكذلك هوية الأغلبية أصبحت عربية إسلامية، مثلما تغيرت هوية سكان انكلترا من الكلتية إلى الأنغلوساكسونية. ولكن هناك مجموعات منفردة احتفظت بتراثها ولغتها وإن كان بشكل رمزي في بعض الأحيان، الموارنة إحدى تلك المجموعات برأيي.
        اللغة العربية التي يتحدثها الموارنة تبنوها من عربية الشام بدون شك، غير أن عربيتهم تحتفظ بصفات كانت موجودة حصرا بآراميتهم، (طريقة تكوين الجمع، طوبولوجيا اللغة… إلخ.)

  6. كلام ومقال جميل جدآآآآآآ ……لكن عندي ملاحظة شلون يجب على الحلبيون الوقوف مع الرئيس الأسد كيف نقف مع قاتل الأطفال والنساء والشيوخ وهادم المنازل والجوامع وبيوت العبادة …هذه لم أفهمها

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s