أنساب التوراة (5)

هذا المقال كان في الأصل جزءا من مقال أنساب التوراة (4) ولكنني فصلته وجعلته مقالا مستقلا بسبب طول المقال السابق. لرؤية الرموز الأجنبية المستخدمة في هذا المقال وبقية المقالات حمل ونصب هذا الخط. لمعرفة أصوات الرموز انظر هذا المقال.

عنق

كلمة “عَنَق” التي تطلقها التوراة على الشعوب الضخمة القديمة أصلها مجهول. بعض الباحثين رؤوا أنها مشتقة من اسم الإله السومري Enki، وآخرون رؤوا أنها مأخوذة من Anax وهو اسم لأحد العمالقة في الأساطير اليونانية. في اللغة العربية الجذر “عنق” موجود في اسم “العَنْقاء المُغْرِب”، وهي النسخة العربية من طائر الفينيق الذي روى هيرودوت أنه يطير كل 500 سنة من عربية إلى مصر. ما يلي من لسان العرب:

والأَعناق: الرؤساء. والعُنُق: الجماعة الكثيرة من الناس، مذكَّر، والجمع أَعْناق. وفي التنزيل: فظلَّت أَعناقهم لها خاضعين؛ أَي جماعاتهم، على ما ذهب إليه أكثر المفسرين… قال الأَخطل:

وإذا المِئُونَ تواكَلَتْ أَعْناقُها :: فاحْمِدْ هُناكَ على فَتىً حَمّالِ

قال ابن الأَعرابي: أَعْناقُها جماعاتها، وقال غيره: سادَاتها…. وقوله: المؤذِّنون أَطول الناس أَعْناقاً يوم القيامة… قال ابن الأَثير: وقيل أَراد أَنهم يكونون يومئذ رؤساء سادةً، والعرب تصف السادة بطول الأَعناق… والعَناقُ: شيءٌ من دوابِّ الأَرض كالفَهْد، وقيل: عَناق الأَرض دُوَيْبَّة أَصفر من الفَهْد طويلة الظهر تصيد كل شيء حتى الطير؛ قال الأَزهري: عَناقُ الأَرض دابة فوق الكلب الصيني يصيد كما يصيد الفَهْدُ، ويأكل اللحم وهو من السباع… والعَنَاقُ: الداهية والخيبة… والعَنْقاء: طائر ضخم ليس بالعُقاب، وقيل: العَنْقاءُ المُغْرِبُ كلمة لا أَصل لها، يقال: إنها طائر عظيم لا ترى إلا في الدهور ثم كثر ذلك حتى سموا الداهية عَنْقاء مُغْرِباً ومُغْرِبةً… وقال كراع: العَنْقاء فيما يزعمون طائر يكون عند مغرب الشمس، وقال الزجاج: العَنْقاءُ المُغْرِبُ طائر لم يره أَحد، وقيل في قوله تعالى “طيراً أَبابِيلَ” هي عَنْقاءُ مُغْرِبَة. قال أَبو عبيد: من أَمثال العرب طارت بهم العَنْقاءُ المُغْرِبُ، ولم يفسره. قال ابن الكلبي: كان لأهل الرّس نبيٌّ يقال له حنظلة بن صَفْوان، وكان بأَرضهم جبل يقال له دَمْخ، مصعده في السماء مِيلٌ، فكان يَنْتابُهُ طائرة كأَعظم ما يكون، لها عنق طويل من أَحسن الطير، فيها من كل لون، وكانت تقع مُنْقَضَّةً فكانت تنقضُّ على الطير فتأْكلها، فجاعت وانْقَضَّت على صبيِّ فذهبت به، فسميت عَنْقاءَ مُغْرباً، لأَنها تَغْرُب بكل ما أَخذته، ثم انْقَضَّت على جارية تَرعْرَعَت وضمتها إلى جناحين لها صغيرين سوى جناحيها الكبيرين، ثم طارت بها، فشكوا ذلك إلى نبيهم، فدعا عليها فسلط الله عليها آفةً فهلكت، فضربتها العرب مثلاً في أَشْعارها، ويقال: أَلْوَتْ به العَنْقاءُ المُغْرِبُ، وطارت به العَنْقاء. والعَنْقاء: العُقاب، وقيل: طائرلم يبق في أَيدي الناس من صفتها غير اسمها.

هذا الكلام يوحي بأن الجذر عنق في اللغة العربية له معنى قديم مرتبط بالضخامة وبالحيوانات وبكائن خرافي هو “العَنْقاء المُغْرِب”. بالنسبة لكلمة “مغرب” في اسم العنقاء فهي ربما مرتبطة بما قاله هيرودوت عن أن طائر الفينيق يطير كل 500 سنة من عربية إلى مصر (أي نحو الغرب). العرب القدماء كانوا على ما يبدو ملمين بقصة الفينيق التي ذكرها هيرودوت، ولكن الكتاب المسلمين لا يعرفون شيئا عن العنقاء سوى اسمها، وهو أمر معتاد حيث أن الكتاب المسلمين لا يعرفون عموما إلا القليل جدا عن معتقدات العرب قبل الإسلام.

نوفل

بالنسبة لكلمة “نفيلين” التوراتية التي يرى كثيرون أنها مشتقة من الجذر “نفل” بمعنى “النزول” فهي غائبة عن اللغة العربية على ما يبدو لي. الجذر “نفل” في اللغة العربية يعني “الغنيمة” أو “العطاء” وهو غير مرتبط بأي كائنات خرافية أو إلهية وغير مرتبط بالضخامة أو بالأصوات. في المقابل هناك جذر قريب يحمل كثيرا من هذه المعاني هو الجذر “نوف”:

نافَ الشيءُ نوْفاً: ارتفع وأَشْرف… وأَنافت الدراهم على كذا: زادت. وأَنافَ الجبل وأَناف البِناء، فهو جبل مُنِيف وبناء مُنيف أَي طويل… وامرأَة مُنِيفة ونياف: تامّة الطول والحُسن… قال ابن جني: ياء كل ذلك منقلبة عن واو لأَنه من النوف الذي هو العُلُوُّ والارْتفاع،… قال الجوهري: وناقة نِياف وجمل نِياف أَي طويل في ارتفاع… يقال: ناف ينوف أَي طال… وروي عن المؤرّج قال: النوْفُ المَصُّ من الثَّدْي، والنَّوْفُ الصوت. يقال: نافَت الضَّبُعة تَنُوف نَوْفاً. ونَوْف: اسم رجل.

الجذر “نوف” شائع جدا في الأسماء العربية (نوف ونايف ونواف ومناف ومنيف إلخ) بما في ذلك أسماء الآلهة (مثلا مَنَاف هو اسم لإله عند كثير من العرب الشماليين بمن فيهم أهل مكة، وأيضا في اليمن وردت كلمة “نوفن” *nawfān كلقب للإله “عثتر”). الجذر “نوف” يحمل معاني الضخامة والألوهية وأيضا له معاني الصوت والرضاعة، وهي معاني تشبه معاني الجذور التي استعرضتها سابقا في هذا الموضوع. أما الجذر “نفل” فهو نادر جدا في أسماء الأعلام العربية ولم أجده إلا في اسمي نَوْفَل ونُفَيْل، ولم أجد اسما لإله أو كائن خرافي مشتق من هذا الجذر.

هل يمكن الربط بين كلمة “نفيلين” العبرية وبين الجذر “نوف”؟ الاسم العربي نَوْفَل ربما يكون مركبا من نَوْف واللام كلاحقة اشتقاقية تدل على الكائنات الطيبة أو الجيدة. بعض الباحثين لاحظوا أن اللام أو الراء في اللغات السامية تكثر في نهاية أسماء الكائنات الأليفة أو غير الضارة (حمل، عجل، بقر، حمار، جمل، نمل، إلخ) وذلك بنقيض الباء التي تكثر في نهاية أسماء الكائنات الضارة (عنكب، عقرب، كلب، ذئب، ضب، إلخ) مما يوحي بوجود وظيفة نحوية قديمة للام/الراء والباء في هذه الكلمات هي التفريق بين الكائنات الخبيثة وغير الخبيثة. اسم نوفل ربما يكون مركبا من نوف ومن اللام التي تدل على عدم الخبث، وهذا ربما يكون أصل كلمة “نفيلين” العبرية أيضا. الربط بين “نفيلين” و”نافلين” بمعنى “ساقطين” هو ربط قام به باحثون غربيون معاصرون ولكن هذا الربط لا يتوافق مع المعنى الأصلي للكلمة عند اليهود الذي يعني كائنات شبيهة ببني عملق. الجذر “نوف” يعطي معنى العملقة، أما الجذر “نفل” فهو لا يعطي هذا المعنى. هذا الكلام هو مجرد احتمال وليس بالضرورة صحيحا. ربما كان هناك معنى قديم للجذر “نفل” يشبه معنى “نوف” ولكن هذا المعنى ضاع مع الزمن.

هناك طريقة أخرى لتفسير اسم نوفل العربي وهي أنه ربما كان في الأصل “نَوْفَ إِل” *Nawfaʔil، أي اسم مركب مبني على فتح الجزئين بمعنى “نوف السيد” أو “نوف الإله”. أنا أذكر أن الاسم “نوف” عثر عليه مضافا بهذا الشكل في النصوص الشمالية القديمة ولكنني للأسف لم أتمكن من العثور على المكان الذي قرأت فيه هذه المعلومة ولذلك أنا لست متأكدا منها. الأسماء المركبة التي تحوي كلمة “إل” بمعنى “إله” هي أسماء شائعة جدا عند العرب القدماء كما يظهر من النقوش والكتابات القديمة بدءا من عصر الآشوريين وحتى عصر الكتابات الشمالية القديمة (من هذه الأسماء التي عثر عليها في النقوش الشمالية القديمة “سعد إل”، “ود إل”، “حن إل”، “جد إل”، “عزر إل”، “نصر إل”، “كبر إل”، “متع إل”، “ذرح إل”، “صلم إل”، “وسق إل”، “شيم إل”، “إل بر”، “إل عم”، “إل أب”، إلخ). في عصر الإسلام هذه الأسماء كانت منقرضة على يبدو. ربما كانت بعض الأسماء العربية التي تنتهي بحرف لام هي في الأصل أسماء مركبة تنتهي بـ”إل”.

معنى “نوفل” في لسان العرب هو كما يلي:

والنَّوْفَلُ: العطية. والنَّوْفَل: السيِّدُ المِعْطاءُ… والنَّوْفَلُ: البحر…

هذه المعاني مقتضبة والملفت في المعنى الثاني هو أنه يبدو وكأنه ترجمة حرفية لاسم “نَوْفَ إِل” المركب من كلمتين الأولى (نوف) تعني “العلو والزيادة” والثانية (إل) تعني حرفيا “السيد”.

هناك كلمة لها معنى مطابق لنوفل هي كلمة زفر (من تاج العروس):

والزُّفَر: اسم النَّهْر الكَثِير الماءِ فأشْبَه البَحْر… والزُّفَر: الذي يَحْمِلُ الأثقالَ أَي القَوِىُّ على حَمْلِ القِرَبِ. وقال شَمِرٌ: الزُّفَر من الرِّجال: القَوِىُّ على الحَمَالاتِ. قال الكُمَيْت:

لرِئَابُ الصُّدُوعِ غِيَاثُ المَضُوع :: لأَمْتُكَ الزُّفَرُ النَّوْفَلُ

وقيل الزُّفَر: السَّيِّد: قال أعشَى باهِلَةَ:

أخُو رَغَائِبَ يُعْطِيها ويُسْأَلُها :: يَأْبَى الظُّلاَمَة منه النَّوْفَلُ الزُّفَرُ

لأنه يَزْدَفِر بالأموالِ في الحَمَالَات مُطِيقاً له. وفي الأساس: ومن المَجَاز: هو نَوْفَلٌ زُفَرٌ: للجَوَادِ شُبِّه بالبَحْر الذي يَزْفِر بتَمَوُّجِه… والزُّفَر: الجَمَلُ الضَّخْمُ لتَحَمِلُّه الأثقالَ نقله الصاغاني. والزُّفَر: الكَتِيبَةُ كالزّافِرَةِ وهي الجَمَاعَة من النَّاس وقد تقدمّ. وزُفَر بلا لامٍ: اسمُ جَماعَةٍ منهم زُفَرُ بن الهُذَيلِ الفَقِيهُ تِلْمِيذُ إمامنا الأَعظمِ أبي حَنِيفَةَ رحمه الله تعالى. وزُفَرُ بن الحارث العامِريّ أبو مُزَاحِم وزُفَرُ بن عَقِيل وزُفَرُ بن صَعْصَعَة بن مالك وزُفَر بن يَزِيد بن عبد الرحمن بن أرْدَك وزُفَر بن أبي كَثِير وزُفَر العِجْلِيّ وزُفَر بن عاصم… والزَّافِرة من الرَّجِل: أنْصارهُ وعَشِيرتُه. قال الفَرّاءُ: جاءَنا ومعه زَافِرَتُه يَعِني رَهْطَه وقَوْمَه… وهو زَافِرُ قَوْمِه وزَافِرَتُهم عند السلطان: سَنَدُهم وحامِلُ أَعبائهِم وهو مَجَاز… والزَّافِرَةُ: الضَّخْمُ لأنَّه حامِلُ الأثقالِ… والزَّافِرَة: السَّيِّدُ الكَبِيرُ لأنه يَحِمل الحَمَالاتِ وهو الجَوَادُ كزُفَر… والزَّفِير كأَمير: الدَّاهية كالزَّبِير بالباء… والزَّفْر: أَن يَملأَ الرَّجلُ صَدْرَه غَمّاً ثمّ هو يَزْفِرُ به. وقيلَ: هو إخراجُ النَّفَسِ مع صوتٍ مَمْدُود. وقال الرَّاغب: أصْلُ الزَّفِير تَردِيدُ النَّفْسِ حتَّى تَنْتَفِخ منه الضُّلوعُ. ويُستعمَلُ غالِباً في أوَّلِ صَوْتِ الحِمَار وهو النَّهِيق والشَّهِيقُ آخِرُهُ أَي رَدّ الصَّوْت في آخِرِه غالباً… والمَزْفُورُ من الدَّوَابِّ: الشَّدِيدُ تَلاَحُمِ المَفَاصِلِ. يقال: بَعِيرٌ مُزْفُورٌ. وما أَشَدَّ زُفْرَتَه أَي هو مَزْفُورُ الخَلْقِ… والأزْفَرُ: الفَرسُ العَظِيمُ أضلاعِ الجَنْبَيْن أو العَظِيمُ الجَوْفِ أو الوَسَطِ… وزَوْفَرٌ كجَوْهَر: اسْم… ووَقَعَ في صَحِيحِ البُخَارِيّ. تزَفَّر: تَخَبَّط… وزُفَرُ: اسمُ خازِنِ الجَنَّةِ ولقبه رِضْوانُ وقيل بالعَكْسِ.

من يدقق في هذا الكلام يكتشف عدة أمور هامة. أولا “زفر” لها معان مطابقة لمعاني “زمزم” (الصوت، الضخامة، الجماعة). ثانيا الكلمة تستخدم بالصيغة الروحية فُعَل (وهي الصيغة التي بينت سابقا أنها تكثر في أسماء الكائنات الروحية). ثالثا الكلمة تستخدم في عبارة مركبة مع كلمة نوفل (نَوْفَل زُفَر) وهذا الأسلوب في التركيب يستخدم عادة في أسماء الآلهة والكائنات الروحية. رابعا الكاتب يقول صراحة أن زفر هو اسم أو لقب للملاك الذي يحرس الجنة، وهذا دليل مباشر وواضح على أن هذه الكلمة كانت قبل الإسلام لقبا لكائن روحي.

رضوان

بالنسبة لخازن الجنة رضوان فاسمه على ما يبدو مرتبط باسم الإله العربي القديم رُضا *Ruḍaw أو رُضاء *Ruḍāw. هذا الإله قديم جدا وورد اسمه على النصب الأشوري المسمى Heidel Prism (في نينوى) والذي يعود إلى القرن السابع قبل الميلاد إلى عهد الملك الأشوري Aššuraḫḫeiddina (“أسُّور أخَّي يندن” = “أسور إخوةً أعطى”، بالإنكليزية: Esarhaddon). في هذا النقش وردت أسماء ستة من آلهة KUR aribi (“أرض Aribi“) وأحد هذه الآلهة هو ruuldaaaú أي “رُضا” أو “رُضاء” (كتابة الضاد العربية على شكل لام ودال هو أمر معتاد لدى الأشوريين وغيرهم والسبب هو النطق القديم لحرف الضاد العربي الذي كان يشبه اللام lateral consonant).

الإله رضا عثر على اسمه أيضا في الكتابات العربية الشمالية القديمة (الثمودية والصفوية) مكتوبا على شكل “رضو” أو “رضي”، وعثر على اسمه في تدمر مكتوبا “أرصو” (الضاد تتحول إلى صاد في الآرامية، واللغة المستخدمة في نقوش تدمر هي آرامية). أيضا كثير من المستشرقين يرون أن رضا هو نفسه (Orotált) Ὀροτάλτ الذي ذكره هيرودوت وقال أنه الاسم الذي يطلقه العرب على ديونوس Diónysos.

الإمبراطور الروماني يوليان الفيلسوف Julian the Philosopher كتب في القرن الرابع الميلادي أن الإله الرئيسي في تدمر والرها (أورفة) هو “الشمس التي لا تقهر” (Hēlios aníkētos = Sol invictus)، وأن هناك إلهين مرافقين لها هما Azizos (نظيره اليوناني Ares) الذي يطلع قبل الشمس و Monimos (نظيره اليوناني Hermes) الذي يطلع بعد الشمس. المستشرقون يرون أن Azizos (عزيز) هو “عزز” الذي عثر على اسمه في النقوش التدمرية، وأما Monimos (منعم) فهو “أرصو” أي “الرضا”. الجذر نعم له معنى قريب من معنى الجذر رضو ولذلك المستشرقون يرون أن “منعم” هو مجرد اسم آخر لـ”رضا”. المقصود بالإله عزيز هو على الأغلب نجمة الصباح (morning star) التي تظهر في السماء فجرا في جهة الشرق (وهي في الغالب كوكب الزهرة)، وأما الإله منعم/رضا فاختلف فيه، حيث يرى بعضهم أنه القمر ويرى آخرون أنه نجمة المساء (evening star) التي تظهر مساء في جهة الغرب (هي في الغالب كوكب الزهرة وأحيانا عطارد)، ومن الوارد أن هذا الإله كان في الأصل إلها للأجرام الليلية عموما ولكنه خصص فيما بعد بنجمة المساء.

المستشرقون يستندون إلى الرواية السابقة وغيرها من الروايات التاريخية لتفسير ديانة العرب القديمة ووظائف الآلهة فيها. هم يرون أن العرب كانوا يعتقدون بفكرة ولادة نجمة الصباح من إلهة أم، وهذه الفكرة هي من الأفكار الدينية الشائعة في الشرق الأوسط قديما (وبعضهم يربطون بينها وبين قصة ولادة المسيح الواردة في الأناجيل). ما يلي من كتاب جواد علي:

وقد ذهب بعض الباحثين الى ان الصنم المنحوت على شكل طفل هو رمز “عثتر”، أي “رضي/رضو”، و “عزيز”. وقد حفر على شكل طفل عاري الجسم في الكتابات التدمرية. أما الشمس والقمر، فقد مثلا إنسانين كاملين… ولعل تصور الجاهليين الإله “رضو” على هيئة طفل هو الذي يحل لنا المشكلة الواردة في أخبار “نيلوس” Nilus عن تقديم العرب Saracens قرابين أطفالاً لكوكب الصباح. ذكر “نيلوس” أن العرب سرقوا ابنه الجميل الصغير “ثيودولس” Theodulus وقرروا تقديمه قرباناً لكوكب الصباح. وقد قضى الطفل ليلة تعسة صعبة، فلما طلع الكوكب وحان وقت تقريب الطفل قرباناً له، نام مختطفوه، ولم يستيقظوا إلا وقد طلعت الشمس وفات وقت القربان، وبذلك نجا الطفل من الهلاك. وقد تفسر جملة “إننا نقدم لك قربًا يشبهك” الواردة في دعاء عثر على نصه في حرّان قصة تقديم الأطفال الجميلة قرابين الى هذا الإله.

وقد أشار كتاب يونان إلى تعبد العرب إلى الشمس والقمر وكوكب الصباح، وهي أجرام سماوية تراها العين. ذاكرين أن العرب لا يتعبدون لآلهة روحية لا يبصرونها بأعينهم. ولهذا تعبدوا لهذه الأجرام المادية وللأحجار.

وأما “مونيموس” Monimos فإنه “منعم”. و”منعم” من صفات الله في الإسلام. فالله هو “المنعم” المتفضل على عباده العزيز المقتدر.

وذهب بعض الباحثين إلى أن الصنم “ذو الخلصة” المذكور في كتب أهل الأخبار والذي كان له بيت يدعى “الكعبة اليمانية”، ويقال له “الكعبة الشامية” أيضاً، والذي هدم في الإسلام، هو تعبير آخر عن الصنم “عثتر”، أي الإلَه المكون مع القمر والشمس للثالوث.

العرب كانوا يعتقدون بوجود إلهة سماوية أم اسمها “اللات” (مؤنث “إله”)، والمستشرقون اختلفوا في تحديد ماهية اللات. بعضهم رأى أنها الشمس، وآخرون رفضوا ذلك ورأوا أن اللات هي عَثْتَر (عشتار) أي كوكب الزهرة، وهذا يتوافق مع كون اللات هي الإلهة الأم لأن كوكب الزهرة هو رمز الخصوبة (ويتوافق أيضا مع ما ورد في النصوص الأشورية التي ذكرت “عثتر السماء” على أنه/أنها الإله الرئيسي لدى العرب الأوائل). ولكن كلمة “عثتر” في اللغات العربية واليمنية هي مذكر وليست مؤنث، وهذا يتناقض مع كون اللات هي عثتر.

الكلام التالي ورد في لسان العرب عن الشمس:

وذُكاءُ، بالضم: اسمُ الشمس، معرفة لا يَنْصَرِف ولا تدْخُلها الأَلِفُ واللام، تقول: هذه ذُكاءُ طالِعةً، وهي مُشْتَقَّة من ذَكَتِ النارُ تَذْكُو، ويقال للصُّبْح ابنُ ذكاء لأَنه من ضَوْئها؛ وأَنشد:

فَوَرَدَتْ قبل انبِلاج الفجرِ :: وابنُ ذُكاءَ كامِنٌ في كَفْرِ

هذا الكلام يعزز في رأيي فكرة أن الإلهة الأم عند العرب هي الشمس. أنا لا أظن أن “ابن ذكاء” المقصود هنا هو الصبح وإنما هو نجم الصباح.

نجم الصباح سمي في تدمر باسم “عزيز” ولكن هذه الكلمة هي مجرد لقب أو اسم من الأسماء الحسنى. العرب والساميون من طبيعتهم التأدب مع الآلهة ولذلك هم نادرا ما يشيرون للآلهة باسمها الحقيقي والأغلب لديهم هو استخدام الألقاب أو الأسماء الحسنى، ولذلك نجد أن الآلهة العربية لها أسماء كثيرة جدا ولكن الحقيقة هي أن عدد الآلهة محدود وليس بنفس كثرة أسمائها. لهذا السبب فإن تحديد المقصود بأسماء الآلهة التي وردت في النقوش والكتابات هو أمر صعب وفيه خلافات كثيرة بين المستشرقين والباحثين.

بعض المستشرقين يرون أن “العُزَّى” في بلاد النبط والحجاز هي نفسها الإله “عزيز” في تدمر، وهم يرون أن كلمة “عُزَّى” كانت في الأصل مذكرة وليست مؤنثة، وأن “عزيز”/”عزّى” هو “عَثْتَر”. أما منعم/رضا فهو الإله الليلي الذي يعتقد كثير من المستشرقين أنه نفسه هُبَل إله مكة، وبعض المستشرقين يرون أن رضا هو أيضا “ذو الشرى” الإله الرئيسي عند النبط.

الإله رضا كان معروفا في زمن الإسلام وقد ذكره ابن الكلبي في كتاب الأصنام. ما يلي من كتاب جواد علي:

ورضى، ويكتب رضاء في بعض الأحيان، هو صنم آخر. وذكر ابن الكلبي انه كان لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، فهدمه المستوغر، وهو عمرو بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. هدمه في الإسلام. وتعبدت لهذا الصنم قبيلة تميم. وقد ورد اسم “عبد رضى” بين أسماء الجاهليين. ويظهر أن قبيلة طيء كانت قد تعبدت له كذلك…. ويظهر من بيت شعر ينسب الى المستوغر في كسره رضى في الإسلام، هو:

ولقد شددت على رضاء شدة :: فتركتها تلا تنازع أسحمـا

أن الصنم “رضى/رضاء” هو أنثى، بدليل استعمال ضمير التأنيث في لفظة ” فتركتها”. فهو إلهة. ويرى بعض الباحثين، انه إلهةّ أيضاً عند العرب الصفويين.

اسم “عبد الرضا” ما زال موجودا حتى الآن ولا أدري ما هو معناه. للوهلة الأولى هذا الاسم يبدو وكأنه متعلق بالإمام الشيعي “علي الرضا”، ولكن أليس من الغريب أن يتسمى بعض الناس باسم “عبد الرضا” رغم أن علي الرضا هو الإمام الثامن عند الشيعة من أصل 12 وهو ليس إماما مهما؟ أنا أجريت بحثا في غوغل عن اسم “عبد الكاظم” (نسبة إلى “موسى الكاظم” والد علي الرضا) فحصلت على 260,000 نتيجة، وأجريت بحثا عن “عبد الصادق” (نسبة إلى “جعفر الصادق” الإمام الشهير) فحصلت على 301,000 نتيجة، أما البحث عن “عبد الرضا” فأظهر 1,310,000 نتيجة. لماذا يحظى الإمام علي الرضا بهذه الشعبية الغريبة؟ يبدو لي أن اسم “عبد الرضا” لا علاقة له بعلي الرضا بل هو اسم عربي قديم يعود أصله إلى أكثر من 28 قرنا من الزمان. هو متعلق بالإله القديم رضا.

مما سبق أردت أن أوجد علاقة بين اسم الإله “رضا” وبين اسم “رضوان” خازن الجنة. طبعا التشابه في الحروف لا يدل لوحده على وجود علاقة، ولكن الغريب هو وجود لقب لرضوان هو زُفَر، أي أن الاسم الكامل لرضوان هو “رضوان زُفَر”، والأغرب هو التشابه بين هذا الاسم وبين اسم “نَوْفَل زُفَر” الذي يطلق على الرجل القوي أو الجمل الضخم.

لا أظن أن “رضوان زُفَر” هي اختراع إسلامي بل أظن أن هذه عبارة قديمة تعود إلى ما قبل الإسلام. الإسلام ليس من عادته تركيب هكذا ألقاب. هذه الألقاب هي من عادة القدماء في وصف الآلهة والكائنات الروحية، وأنا ذكرت حتى الآن عددا من الأمثلة على هكذا أسماء لكائنات روحية قديمة (قوس قزح، قيس عيلان، عنقاء مغرب،…). كلمة زُفَر هي على وزن فُعَل الذي يستخدم عادة في وصف الآلهة والكائنات الروحية. كلمة “الرضا/الرضاء” كانت أصلا على نفس الوزن (*Ruḍaw/*Ruḍāw) ولكن العرب المتأخرين غيروا الضمة إلى كسرة. ما يلي من لسان العرب:

وقد رَضِيَ يَرْضى رِضاً ورُضاً ورِضْواناً ورُضْواناً، الأَخيرة عن سيبويه ونَظَّرهَ بشُكْران ورُجْحانٍ، ومَرْضاةً، فهو راضٍ من قوم رُضاةٍ، ورَضِيٌّ من قوم أَرْضياءَ ورُضاةٍ؛ الأَخيرة عن اللحياني، قال ابن سيده: وهي نادرة، أَعني تكسير رَضِيٍّ على رُضاةٍ، قال: وعندي أنه جمع راضٍ لا غير… الصحاح: الرِّضْوانُ الرِّضا، وكذلك الرُّضْوانُ، بالضم، والمَرْضاةُ مثلهُ. غَيره: المَرْضاةُ والرِّضْوان مصدران، والقُرّاء كلهم قَرَؤُوا الرِّضْوانَ، بكسر الراء، إلاَّ ما رُوِي عن عاصم أَنه قرأَ رُضْوان…

من هذا الكلام يتبين أن لفظ رضوان بالضم هو لفظ وارد ولكنه نادر، وهذا يتفق مع كونه لفظا قديما.

اسم “رضوان زُفَر” خازن الجنة هو على ما أعتقد مستوحى من اسم لكائن روحي قديم هو ربما الإله رضا. الفرق بين رُضا (*Ruḍaw) ورُضْوان (Ruḍwān) هو فقط وجود اللاحقة -ān في الكلمة الثانية.

ما يلي من اللسان:

ورَضْوى: جَبَل بالمَدينة، والنِّسْبة إليه رَضَوي قال ابن سيده: ورَضْوى اسم جبل بعينه… ورَضْوى: فَرَس سعد بن شجاع.

كلمة رَضْوى تطلق على جبل، وتسمية الجبال بأسماء الآلهة أو الكائنات الروحية هو أمر معتاد. أيضا كلمة رضوى تطلق على الخيول، وهذا شبيه بنوفل وزمزم والجذور الأخرى التي ذكرتها.

من المقارنة بين “رضوان زُفَر” و “نَوْفَل زُفَر” أريد أن أصل إلى احتمال كون “نوفل” اسما لكائن روحي شبيها ربما بالإله رضا. في حال كان الجذر الأصلي لنوفل هو نوف فهذا يشير إلى الإله مناف. ما يلي من كتاب جواد علي:

و”مناف”: صنم من أصنام الجاهلية، قال عنه ابن الكلبي: “وكان لهم مناف، فيه كانت تسمى قريش “عبد مناف”. ولا أدري أين كان، ولا من نصبه ؟”. وسمي به أيضاً رجال من هذيل. و “به سمي عبد مناف. وكانت أمه اخدمته هذا الصنم”.

وفيه يقول بلعاء بن قيس:

وقرن وقد تركت الطير منه :: كمعتبر العوارك من مناف

ويتبين من ورود اسم “مناف” بين عرب الشام أنه كان إلهاً معبوداً عندهم كذلك. وقد عثر على اسمه في كتابة دوَّنها شخص اسمه: “أبو معن” على حجر توجه بها إلى الإله مناف، ليمن عليه بالسعد والبركة، وحفرت على الحجر صورة الإلَه “مناف” على هيأة “رجل لا لحية له” يتحدر على عارضيه شعر رأسه الصناعي المرموز به إلى الإلهة الشمس، وحول جفنيه وحدقتيه خطّان ناعمان: ويزين جيده قلادة، كما ترى غالباً في تصاوير الآلهة السوريين، وعلى صدره طيات ردائه، ويرى طرف طيلسانه الإلهي الذي ينعطف من كتفه الأيسر فيتصل إلى الأيمن ويعقد به. وقد ذهب المتخصصون الذين فحصوا هذه الكتابة إلى أنها من حوران.

وقد عثر على كتابة وجدت في حوران ورد فيها اسم “مناف” مع إلَه آخر، ورد اسم مناف فيها على هذا الشكل “MN, PHA“. وقد عثر على كتابة أخرى وجد فيها الاسم على هذه الصورة Manaphius مما يدل على أن المراد بالإسمين شيء واحد، هو الإلَه مناف.

كلمة نوفل حسب القواميس لها معنيان: السيد المعطاء والبحر، ولا أدري ما هي العلاقة بين هذين المعنيين. ربما كان للكائن الروحي المقصود باسم نوفل علاقة بالبحر. ربما يكون المقصود هنا ليس البحر بالمعنى الحرفي وإنما المقصود هو أن الإله نوفل كان يخرج الماء من الأرض أو ينزل المطر على الناس.

إذا كان نوفل اسما لإله (كما أرجح بناء على القرائن السابقة) فهذا يقوي فكرة أنه مركب من “نَوْف” و “إِل”، أي أن الاسم ربما كان أصلا *Nawfaʔil بمعنى “نوف السيد” أو “نوف الإله”، ومثل هذه التراكيب شائعة في اللغات السامية. مثلا في تدمر هناك إلهان باسم “عجل بل” (ʕaglibōl) و”يرح بل” (Yarḥibōl). الأول هو القمر والثاني هو الشمس. هذان الاسمان يحويان كلمة بل bōl التي تعني “سيد” أو “رب”، وهي تحريف لكلمة بعل baʕl السامية. في الكتابات اللحيانية من شمال الحجاز عثر على اسمين من هذه الأسماء هما “يرح بل” و”عجل بن”. الاسم الثاني ملفت لأنه يدل على أن اللحيانيين كانوا يلفظونه “عجل بون” بدلا “عجل بول”، وهذا يذكرني بكلمات عربية من قبيل “حَيْزَبون”. ما يلي من تاج العروس:

العُطْبُلُ والعُطْبولُ والعُطْبولَةُ بضَمِّهِنَّ والعَيطَبولُ كحَيْزَبونٍ: المرأَةُ الفَتِيَّةُ الجميلَةُ المُمتلئةُ الطَّويلَةُ العُنُقِ. وقيل: هي الحَسَنَةُ التّامَّةُ من النِّساءِ. ومن الظِّباءِ: الطَّويلَةُ العنُقِ… وقد ذَكَرَ ابنُ الأَثيرِ في غريب الحديث له: وردَ في صفته صلّى الله تعالى عليه وسلَّم أَنَّه لم يَكُن بعُطبولٍ ولا بقَصيرٍ. وفَسَّرَه فقال: العُطْبُولُ: المُمْتَدُّ القامَةِ الطَّويلُ العُنُقِ وقيل: هو الطَّويل الأَملس الصُّلْبُ قال: ويوصَفُ به الرَّجُلُ والمرأَةُ…

هذه الكلمات تحوي في نهايتها “بول” و”بون” وهي ربما تكون صيغت بالقياس على أسماء الآلهة والكائنات التي تحوي bōl بمعنى “سيد”. كلمة “سيد” لا تعني بالضرورة الآلهة بل هي ربما تشير إلى جني أو مارد، وبالتالي استخدامها هنا هو كناية عن أن الشخص ضخم كالمارد أو الآلهة.

هناك اسم آخر شبيه ربما بنوفل هو “خَزْعَل”. هذا الاسم هو ربما في الأصل “خَزْعَ إِل”. الجذر “خزع” يوجد في اسم قبيلة “خُزاعة” وأسماء القبائل كثيرا ما تكون مرتبطة بالآلهة. في نصوص آشورية تعود إلى القرن السابع قبل الميلاد (من عهد “أسُّور أخَّي يندن” Esarhaddon وابنه “أسُّور باني أفل” Ashurbanipal) ورد ذكر ملك عربي في دومة الجندل باسم ḫazailu šar KUR aribi (“Ḫazailu ملك أرض Aribi“). اسم Ḫazailu حسب الباحثين هو نفس اسم الملك الآرامي حَزائِل חֲזָהאֵל‎ الذي حكم دمشق في القرن التاسع قبل الميلاد وورد ذكره في التوراة والنصوص الآشورية. المشكلة هي أن حَزائِل هو اسم آرامي غير معروف عند العرب، وبالتالي ربما يكون اسم الملك العربي هو “خزع إل” وليس “حزا إل”، مع العلم أن كلا الاسمين يكتبان بنفس الطريقة في الكتابة الأكدية. في اللغة العربية هناك كلمة “خُزَعْبِل” أو “خُزَعْبِيل” التي تعني “الباطل”، وهذه الكلمة على ما أعتقد مركبة من “خزع” و”بل/بيل”. كلمة “بل” bēl هي اللفظ الأكّدي لكلمة “بَعْل”. في اللغة الأكّدية حرف العين يسقط دائما والفتحة المجاورة له ترفع إلى e (مثلا كلمة بعل baʕlu تحولت أولا إلى beʕlu وبعد ذلك سقطت منها العين فصارت bēlu). هذه الكلمة bēl كانت منتشرة في سورية في العصور القديمة بسبب التأثير الثقافي والديني لبلاد ما بين النهرين (وهي وردت أيضا في التوراة בֵּל bēl)، وهي كانت مستخدمة في تدمر وكانت تطلق على كبير آلهة تدمر “بل” Bēl (أما bōl فهي توجد فقط في الأسماء المركبة). كلمة bēl كانت تستخدم أيضا في الأسماء المركبة في تدمر كما في اسم الإله “ملك بل” (Malakbēl) وهو إله للشمس. كلمة bēl وجدت أيضا في أسماء مركبة ثمودية (مثلا “بل عزيني”). من هنا يمكننا ربما أن نفهم أصل كلمة خُزَعْبِل/خُزَعْبِيل العربية. ما يلي من لسان العرب:

الخُزَعْبِل والخُزَعْبِيل: الباطل، وفي الصحاح: الأَباطيل. قال الجرمي الخُزَعْبِيلة ما أَضْحَكْتَ به القوم؛ يقال: هات بعض خُزَعْبيلاتك؛ خُزَعْبيلاتُ الكلام: هَزْله ومِزَاحه. والخُزَعْبِلة: الفُكاهة والمُِزاح… وقال ابن دريد: خَزَعْبَل وخُزَعْبِيل هي الأَحاديث المستَظْرَفة.

سبب تهكم العرب على كلمة خُزَعْبِل/خُزَعْبِيل ربما يكون أنها نابعة من لفظ أكدي أعجمي. لو فرضنا أن هناك اسما عربيا شائعا هو “خَزْعَ إِل” فعندها كلمة خُزَعْبِل/خُزَعْبِيل (Ḫuzaʕbēl) سوف تبدو وكأنها تحريف أعجمي للاسم العربي، وبالتالي هي سوف تكون “مضحكة” أو “باطلة”. طبعا هذا الكلام هو مجرد تكهن وليس بالضرورة صحيحا. ربما كان هناك كائن روحي اسمه Ḫuzaʕbēl له علاقة بالضحك.

هناك اسم آخر في اللغة العربية مرتبط بخزعل هو خَزْعال، والذي أظن أن له نفس الأصل.

هناك أسماء أخرى شبيهة بالأسماء السابقة كاسم شُرَحْبيل مثلا، والذي أظن أنه مركب من “شرح” و”بيل” (Ṧuraḥbēl). الملفت في هذا الاسم وفي كلمة خُزَعْبِيل هو كون القسم الأول منهما على وزن فُعَل الروحي. أما نظير شُرَحْبيل الذي يحوي كلمة “إل” فهو ربما شَرَاحِيل = “شرح إل”. ما يلي من التاج:

شَرَاحِيلُ اسْمُ رَجُلٍ لا يَنْصَرِفُ عندَ سِيبَوَيْهِ في مَعْرِفَةٍ ولا نَكِرَةٍ ويَنْصَرِفُ عِنْدَ الأَخْفَشِ في النَّكِرَةِ فإِنْ حَقّرْتَهُ انْصَرَفَ عندَهما لأَنَّهُ عَرَبِيٌّ

الدارسون المسلمون يرون أن شَرَاحِيل اسم عربي، وأنا أظن أن هذا صحيح.

هناك أيضا أسماء أخرى ربما تكون مرتبطة بهذه الأسماء كاسم جَهْبل الذي هو ربما “جهب إل”، وأيضا هناك اسم جَبْرال على وزن خَزْعال والذي أظن أن أصله “جبر إل” (*Gabraʔil)، وهذا ربما يكون نظيرا عربيا لاسم “جبرائيل” الأعجمي. أيضا هناك اسم ثَرثال، وقَصْدالٌ اسم موضع. هذه الأسماء وأشباهها هي على ما أعتقد بقايا الأسماء القديمة التي كانت تحوي كلمة “إل”. الأسماء الحاوية لكلمة “إل” كانت شائعة جدا في العصور القديمة ومن الغريب أن تختفي وتتبخر من اللغة العربية دون أن تترك أثرا.

بالنسبة لاسم نوفل فأنا قرأت أن هذا الاسم عثر عليه في بعض الكتابات العربية الشمالية القديمة (في الكتابات الصفوية على ما أعتقد) مكتوبا هكذا “نفل”. الكتابة العربية الشمالية القديمة لا توضح أصوات العلة مطلقا (لا القصيرة ولا الطويلة) ولا توضح الديفثونغات diphthongs (أي الأصوات كـ ay و aw)، وبالتالي القول بأن “نفل” هو “نوفل” هو مجرد تخمين على ما أعتقد. هذا الاسم قد يكون مثلا “نَفَل” (Nafal) وهو اسم شائع في سورية قديما وكان موجودا عند الأنباط، ومن الممكن أن الاسم مثلا هو “نُفَيْل” (Nufayl) أو “نافِل” (Nāfil). لا يوجد حسب علمي دليل على أن الاسم هو “نَوْفَل” (Nawfal).

مما سبق أردت أن أصل إلى احتمال كون كلمة “نفيلين” العبرية على علاقة بكلمة “نوفل” العربية التي هي ربما مشتقة من نفس الجذر الذي اشتق منه اسم الإله “مناف” (أي “نوف”)، وكلمة نوفل ربما كانت اسما لكائن روحي اسمه “نَوْفَل زُفَر”، وهذا الكائن ربما كان مرتبطا بـ”رضوان زُفَر” خازن الجنة. أما “مالك” خازن النار فلن أخوض فيه ولكنني سوف أقول فقط أن الجذر ملك هو من أشيع الجذور في أسماء الآلهة السامية. في إبلا هناك إله اسمه Malik، وفي ماري هناك Malik/Muluk، وفي بابل هناك Maliku (مالك) و Malku (ملك)، وفي أوغاريت هناك “ملك”، وفي كنعان كان هناك “ملك” المعروف أيضا باسم “ملقرت” (ملك القرية)، وهو أهم آلهة الكنعانيين والباحثون يرون أنه “بعل” المقصود في التوراة، ولقد عثر على نصب آرامي مكرس له قرب حلب مما يدل على ذيوع صيته في عموم سورية.

بالنسبة للعرب فما يلي من كتاب جواد علي:

وذهب “دتلف نلسن” إلى أن من بين آلهة ثمود إله اسمه “ملك”، وهو يرى أن الإسم المركب “عبد ملكن”، أي “عبد الملك”، لا تعني كلمة “ملك” الواردة فيه بالمعنى السياسي الذي نفهمه منها، وإنما المراد بها اسم إله. وذهب أيضاً إلى أن لفظة “ملكن” الواردة في النص القتباني الموسوم بـ Glaser 1600 لم يقصد بها ملكاً من ملوك قتبان، بل أريد بها إله اسمه “ملكن” أي “الملك”. وذكر أيضاً ان اسم “عبد الملك” من الأسماء المعروفة في الجاهلية وورد في نصوص الثموديين والصفويين.

الإله “ملك” أو “مالك” في بلاد ما بين النهرين هو مساو للإله Nergal إله العالم السفلي، ونفس الأمر ينطبق على ملك/مالك السوري. بعض الباحثين يرون أن المقصود بلقب “ملك القرية” الذي يطلق على هذا الإله في كنعان وسورية هو “ملك العالم السفلي”، لأن كلمة “القرية الكبيرة” في اللغة الأكدية (Irkallu) تعني “العالم السفلي”، وهي كلمة سومرية الأصل (iri.gal). الكتاب اليونانيون (وعلى رأسهم هيرودوت) أطلقوا على الإله ملك/مالك اسم Heracles، وهذا هو الاسم اليوناني لـ Hercules البطل نصف الإلهي الذي نزل إلى العالم السفلي وحارب الوحوش.

في الكتاب اليهودي هناك كلمة غامضة لطالما حيرت الباحثين هي mōleḵ מֹלֶךְ. هذه الكلمة وردت في الكتاب اليهودي ثمان مرات في سياق متشابه هو تقريبا العبارة التالية:

להַעֲבִיר אֶתבְּנוֺ וְאֶתבִּתּוֺ בָּאֵשׁ לַמֹּלֶךְ

lәhaʕăbīr ʔeṯbәnō wәʔeṯbittō bāʔēš lammōleḵ

لإمرار أبنائه وبناته بالنار إلى الـ mōleḵ

كثير من الباحثين يرون أن Mōleḵ هو إله في العالم السفلي كانت تقدم له قرابين من الأطفال، ومذبحه كان يقع في “وادي هِنُّم” גֵי הִנֹּם (بالطبرية: Hinnōm). تقديم القرابين من الأطفال هي ممارسة اشتهر بها الكنعانيون في العصور القديمة (وكانت سببا لتلطيخ سمعتهم لدى الشعوب الأخرى)، والقصة التوراتية التي تتحدث عن محاولة إبراهيم ذبح ابنه إسحاق هي على ما أعتقد مرتبطة بهذا الطقس الكنعاني الشنيع. وادي هِنُّم الذي كان الأطفال يقتلون فيه قربانا لـ Mōleḵ يقع قرب مدينة القدس واسمه العبري ( Hinnōm) هو مصدر كلمة “جهنّم” العربية التي تطلق على الجحيم.

في مقابل هذا التفسير هناك باحث هو O. Eissfeldt طرح فكرة أن كلمة mōleḵ ليست اسما لإله وإنما هي كلمة تقنية تطلق على عملية تقديم الأطفال كقربان، وأصل الكلمة في رأيه هو *mulk، وهذه الكلمة موجودة بالفعل في اللغة الفينيقية بهذا المعنى. من الناحية الصوتية تفسيره صحيح لأن أصل كلمة mōleḵ الطبرية هو على الأغلب *mulk، ولكن حتى لو كانت كلمة mōleḵ اسما لعملية قتل الأطفال فهي لا بد مشتقة من اسم الإله ملك/مالك، لأن الجذر ملك ليست له علاقة بالقربان والأطفال. هذه الكلمة هي مجرد اشتقاق من اسم الإله ملك/مالك.

هذه باختصار هي خلفية مالك خازن النار، وهي خلفية واضحة لأن وظيفة الإله ملك/مالك واضحة، أما خلفية رضوان زفر خازن الجنة فهي ليست بنفس الوضوح لأن وظيفة الإله رضا غير واضحة. لدي بعض المعلومات والنظريات عن الإله رضا من الممكن أن تساعد على فهم شخصية رضوان زفر ولكنني لم أسردها تجنبا لمزيد من الإطالة. الإله رضا حسب بعض النظريات يجسد الانتقال من حال إلى حال وهو المسؤول عن إدخال الناس في عبادة الآلهة (initiation) وهو المسؤول عن ولادة نجمة الصباح. هذه الوظائف للإله رضا قد تفسر الربط بين رضوان زفر وبين الجنة، لأن الجنة هي عبارة عن حياة جديدة وولادة جديدة للإنسان وعبارة عن دخول في رضا الله.

التبديل بين ملك ومالك هو أمر عادي وموجود حتى في القرآن (في بعض قراءات القرآن الله هو “ملك يوم الدين” وفي قراءات أخرى هو “مالك يوم الدين”)، أي أن الفرق بين ملك ومالك غير مهم والكلمتان هما على الأغلب لنفس الشخص. اسم “مالك” شائع عند العرب وهناك قبائل عديدة كانت تسمى “بني مالك”.

ما يلي من لسان العرب:

قال ابن سيده: ورأَيت في بعض الأَشعار مالَكَ الموتِ في مَلَكِ الموت وهو قوله:

غدا مالَكٌ يبغي نِسائي كأَنما :: نسائي، لسَهْمَيْ مالَكٍ، غرَضانِ

قال: وهذا عندي خطأ وقد يجوز أَن يكون من جفاء الأَعراب وجهلهم لأَن مَلَك الموت مخفف عن مَلأَك… ومالِكٌ الحَزينُ: اسم طائر من طير الماء. والمالِكان: مالك بن زيد ومالك بن حنظلة. قال ابن الأَعرابي: أَبو مالك كنية الكِبَر والسِّنّ كُنِيَ به لأَنه مَلَكه وغلبه؛ قال الشاعر:

أَبا مالِكٍ إِنَّ الغَواني هَجَرْنَني :: أَبا مالِك إِني أَظُنُّكَ دائبا

ويقال للهَرَمِ أَبو مالك؛ وقال آخر:

بئسَ قرينُ اليَفَنِ الهالِكِ :: أُمُّ عُبَيْدٍ وأَبو مالِكِ

وأَبو مالك: كنية الجُوعِ؛ قال الشاعر:

أَبو مالكٍ يَعْتادُنا في الظهائرِ :: يَجيءُ فيُلْقِي رَحْلَه عند عامِرِ

ومِلْكانُ: جبل بالطائف… ومالك: اسم رمل

ابن سيده يقول أنه رأى في الأشعار “مالَك الموت” بدلا من “ملَك الموت”، وهو اعتبر ذلك من جفاء الأعراب وجهلهم، ولكن الصحيح هو أن الكلمة هي “مالِك الموت” بكسر اللام وليست كما ضبطها بالفتح. هذه الكلمة لا علاقة لها بالملائكة بل هي اسم الإله مالك إله الجحيم، وهذا يفسر إطلاق العرب كنية “أبي مالك” على المسن الهرم. بالنسبة للطائر المسمى “مالك الحزين” فلا أعلم ما هو أصل تسميته ولكنني أرجح أن لاسمه علاقة بالإله مالك.

ما سبق كان استعراضا لطائفة من الكائنات الروحية عند اليهود والعرب.

إضافة: يرجى الاطلاع على هذا الملحق لأجل توضيح مهم حول معنى كلمة “نوفل”.

مصادر

  • David Noel Freedman, The Anchor Bible Dictionary
  • Gary M. Burge, Andrew E. Hill, Baker Illustrated Bible Commentary
  • John Phillips, Exploring Genesis: An Expository Commentary
  • Geoffrey W. Bromiley, The International Standard Bible Encyclopedia
  • John Barton, The Oxford Bible Commentary
  • James D. G. Dunn, John William Rogerson, Eerdmans Commentary on the Bible
  • K. A. Mathews, The New American Commentary
  • Karel van der Toom, Bob Becking, Pieter W. van der Horst, The Dictionary of Deities and Demons in the Bible
  • Joseph Blenkinsopp, Creation, Un-Creation, Re-Creation: A Discursive Commentary on Genesis
  • Richard James Fischer, Historical Genesis: From Adam to Abraham
  • David L. Jeffrey, A Dictionary of Biblical Tradition in English Literature
  • Kelley Coblentz Bautch, A Study of the Geography of 1 Enoch 17-19: “no One Has Seen what I Have Seen”
  • David Toshio Tsumura, The Earth and the Waters in Genesis 1 and 2: A Linguistic Investigation
  • David Toshio Tsumura, Creation And Destruction: A Reappraisal of the Chaoskampf Theory in the Old Testament
  • Charles N. Pope, Living In Truth: Archaeology and the Patriarchs
  • Allen Austin, The Middle of the Earth
  • Gerald Massey, Ancient Egypt – The Light of the World: A Work of Reclamation and Restitution in Twelve Books
  • Israel Finkelstein, Amihay Mazar, Brian B. Schmidt, International Institute for Secular Humanistic Judaism. Colloquium, The Quest for the Historical Israel: Debating Archaeology and the History of Early Israel
  • Frank Anthony Spina, Israelites as Gerim, ‘Sojourners’, in Historical Context
  • Jan Retsö, The Arabs in Antiquity: Their History from the Assyrians to the Umayyads
  • Irfan Shahîd, Byzantium and the Arabs in the Fifth Century
  • Encyclopaedia of Islam
  • The Cambridge Encyclopedia of the World’s Ancient Languages
  • Gesenius’ Hebrew grammar
  • Arthur Ungnad, Akkadian grammar
  • Rebecca Hasselbach, Sargonic Akkadian: A Historical and Comparative Study of the Syllabic Texts
  • Daniel A. Foxvog, Introduction to Sumerian Grammar
  • Theodor Nöldeke, Compendious Syriac Grammar
  • Edward Lipiński, Semitic Languages: Outline of a Comparative Grammar
  • Wikipedia, the free encyclopedia
  • Encyclopædia Britannica
  • Microsoft Encarta
  • جواد علي، المفصل في تاريخ العرب
  • ربحي كمال، اللغة العبرية
  • Claudii Ptolemaei Geographia
  • مصدر نص الكتاب المقدس العربي: The Bible Society in Lebanon (مع تصرف شديد)
  • مصدر نص الكتاب المقدس العبري: Biblia Hebraica Stuttgartensia
  • مصدر نص الكتاب المقدس الإنكليزي: King James Version of the Holy Bible
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s