أنساب التوراة (4)

هذا المقال هو استكمال لسلسلة سابقة من المقالات. لرؤية الرموز الأجنبية المستخدمة في هذا المقال وبقية المقالات حمل ونصب هذا الخط. لمعرفة أصوات الرموز انظر هذا المقال.

بعد الفصل الخامس من سفر التكوين يأتي الفصل السادس الذي يروي قصة الطوفان، وهذا الفصل يبدأ بكلام غامض لطالما حير المفسرين:

(التكوين:6 )
1. ولما بدأَ النَّاسُ (الأَدَم הָאָדָם) يَكثُرونَ على وجهِ الأرضِ ووُلِدَ لهُم بَناتٌ،
2. رأى بَنو اللهِ (بَنُو الإلاهيم בְנֵיהָאֱלֹהִים) أنَّ بَناتِ النَّاسِ (بنات الأَدَم בְנוֹת הָאָדָם) حِسانٌ، فتَزَوَّجوا مِنْهُنَّ كُلَّ مَن اخْتاروا.
3. فقالَ يهوه: “لا تدُومُ روحي في الإنسانِ (الأَدَم הָאָדָם) إلى الأبدِ، فهوَ لَحْمٌ (بَشَر בָשָׂר) وتكونُ أيّامُه مئةً وعِشْرينَ سنَةٍ”.
4. وكانَ النَّفِيلُونَ (הַנְּפִלִים) في الأرضِ في تِلكَ الأيَّامِ وأيضاً بَعدَها حينَ عاشرَ بَنو اللهِ بَنات النَّاسِ ووَلَدْنَ لهُم أولاداً، هُمُ الجَبَّارُونَ (הַגִּבֹּרִים) الذينَ ذاعَ اسمُهُم مِنْ قديمِ الزَّمانِ.

هذا الكلام غامض المعنى عند المفسرين. في التراث اليهودي هناك تفسيران، التفسير الأول هو أن المقصود ببني الله هم بنو ست بن آدم، وأما بنات الناس فهم بنات قين بن آدم، والتفسير الثاني هو أن المقصود ببني الله هم فئة من الملائكة الذين تمردوا على الله.

المشكلة في سفر التكوين هي أن كلمة “أدم” أو “الأدم” غامضة المعنى. الكلمة تعني الإنسان عموما، ولكن المترجمين يترجمونها أحيانا إلى “إنسان” وأحيانا إلى اسم علم “آدم” حسب فهمهم للنص، وهم لا يتفقون على ذلك. الترجمة العربية التي لدي تذكر اسم آدم لأول مرة في 2:7 وقبل ذلك هي لا تذكر سوى كلمة “إنسان” كترجمة “لأدم”، أما الترجمة الإنكليزية فهي تذكر اسم آدم لأول مرة في 2:19. أي أن المسألة شخصانية وتعتمد على وجهات النظر.

لو أخذنا الرواية التي تقول أن بني الله هم بنو ست وأنهم تمردوا على الله وتزاوجوا مع بنات قين كما تقول الروايات اليهودية، فالسؤال هو من هم إذن “النفيلون” الذين تقول التوراة أنهم كانوا في الأرض في ذلك الزمن؟

كلمة نَفِيلُون (الكتابة الطبرية: nəp̄īlîm) هي كلمة غامضة المعنى. اليهود يفسرونها بأنها تعني “عمالقة”، وهي هكذا مترجمة في الترجمات اليونانية واللاتينية (gigantes γιγαντες ، في النسخة الإنكليزية: giants)، ولكن هذا المعنى لا يتوافق مع معنى الجذر نفل الذي يعني في العبرية “السقوط”. لهذا السبب بعض الباحثين المعاصرين يميلون لتفسير “نفيلين” بأنها تعني “الساقطين” بمعنى “القتلى” أو “البائدين”، وهم يستدلون بكلمة مشابهة وردت في سفر حزقيال:

(حزقيال: 32)
17. وفي الخامسَ عشَرَ مِن الشَّهرِ الثَّاني عشَرَ مِنَ السَّنةِ الثَّانيةَ عشْرةَ بَعدَ السَّبْيِ قالَ ليَ يهوه:
18. “يا ابنَ الإنسانِ (بِن أَدَم בֶןאָדָם)، وَلوِلْ على جَمْعِ مِصْرَ وأَنزِلْهُم (أَوْرِدُهُم הוֹרִדֵהוּ)، أَنزِلها وبَناتِ الأُمَمِ العَظِيمَةِ إلى الأرضِ السُّفلى معَ نازلي (وارِدِي יוֹרְדֵי) الهاويةِ.
19. من تفوق في الحُسنِ [يا جمع مصر]؟ انزِلْ (رِدْ רְדָה) وارقُدْ معَ الغُرْلِ [غير المختونين].
20. بَينَ قَتلى السَّيفِ يسقطونَ (يَنفُلُون יִפֹּלוּ)، السَّيفَ تُعطَى، خُذوها وكلَّ جُموعها.
21. سادةُ الجَبَّارين (אֵלֵי גִבּוֹרִים) من وسطِ الجحيمِ (سُؤال שְׁאוֹל) يقولون له ولأعوانه: الغُرْلُ المقتولون بالسيفِ نَزَلوا (وَرَدُوا יָרְדוּ) ورَقَدُوا.
22. هُناكَ أسُّورُ وكُلُّ شُرَكَائِها، قُبورُها مِنْ حَولِها كُلُّهُم قتلى ساقِطونَ (نافِلون נֹּפְלִים) بالسَّيفِ،
23. التي قبرُها بجانبَي الهاويةِ، وشُرَكَاؤُها حولَ قبرِها، كُلُّهُم قتلى ساقِطونَ (نافِلون נֹּפְלִים) بالسَّيفِ، الذينَ أَلقوا الرُّعبَ في أرضِ الأحياءِ.
24. هُناكَ عَيْلَمُ (عيلام) وكُلُّ جُمُوعِها حَولَ قبرِها. كُلُّهُم قتلى ساقِطونَ (نافِلون נֹּפְלִים) بالسَّيفِ، الذين نزلوا (وَرَدُوا יָרְדוּ) غُرْلا إلى الأرضِ السُّفلى. الذينَ أَلقوا الرُّعبَ في أرضِ الأحياءِ، وحمَلوا عارَهُم إلى نازلي الهاويةِ.
25. وسَطَ القتلى أعطوها مَرقَدًا بِكُلِّ جُمُوعِها، جُموعُها حَولها كلهم غُرْلٌ قَتلى بالسيفِ، أَلقَوا الرُّعبَ في أرضِ الأحياءِ، وحمَلوا عارَهُم إلى نازلي (وارِدِي יוֹרְדֵי) الهاويةِ، وسطَ القتلى جُعِلَتْ.
26. هُناكَ مَسْكُ (Meshech) وتُوبَلُ (Tubal) وَكُلُّ جُموعِها، حَولها قُبورُها كلهم غُرْلٌ قَتلى بالسيفِ، لأنهم أَلقَوا رُعبَهم في أرضِ الأحياءِ.
27. لا يَرقُدُونَ معَ الجَبَّارينَ السَاقِطينَ (النافِلين נֹּפְלִים) من الغُرْلِ، الذينَ نزلوا (وَرَدُوا יָרְדוּ) إلى الجحيمِ بأسلحتِهِم ويجعلون سُيوفَهُم تَحتَ رؤوسِهِم ويكونُ ظُلمهم على عِظامِهِم، بِسَببِ رُعبَ الجَبَّارينَ في أرضِ الأحياءِ.
28. وأنتِ وسطَ الغُرْلِ ستُكَسَّرِينَ وستَرقُدِينَ مع قَتلى السيفِ.
29. هُناكَ إِدامُ، مُلوكُها وكُلُّ أمرائِها الذينَ بجَبَرُوتِهم جُعِلوا معَ قتلى السَّيفِ، سيرقدون مع الغُرلِ ومع نازلي (وارِدِي יוֹרְדֵי) الهاوية.
30. هُناكَ أُمراءُ الشَّمالِ كُلُّهُم وكُلِّ الصِّيدانيِّينَ، الذينَ نَزلوا (وَرَدُوا יָרְדוּ) معَ القتلى، من رعبهم بجبَروتِهم خَجِلونَ، ويرقدون غُرْلا مع قتلى السيفِ ويحملون عارَهم مع نازلي (وارِدِي יוֹרְדֵי) الهاوية.
31. يقول سيدُنا يهوه: “فَرْعَا (فرعون) يَراهُم جميعاً، ويَرتاحُ لكُلِّ جُمُوعِه، فَرْعَا وكُلُّ جيشِه قَتلى بالسيف،
32. لأنني ألقيت رُعبيَ في أرضِ الأحياءِ، وسيَرقُدُ فَرْعَا وكُلُّ جُموعِه وسط الغُرْلِ وقَتلَى السيفِ”.

الفقرة 27 تتحدث عن “الجبارين النافلين” (gibbôrîm nōp̄əlîm) بمعنى “الجبارين الساقطين”، وهؤلاء ربما يكونون نفسهم الجبارين “النفيلين” (nəp̄īlîm) الذين تحدث عنهم الفصل السادس من سفر التكوين. كلمة “نافلين” هنا يقصد بها السقوط في هاوية الجحيم (المسماة في الكتاب اليهودي “سُؤال” Sheol šəʔôl، وهي نفسها الأرض السفلى ʔereṣ taḥtiyyôṯ).

النفيلون ذكروا أيضا في سفر الأعداد على أنهم يسكنون كنعان:

(الأعداد: 13)
28. غَيرَ أنَّ الشَّعبَ السَّاكنينَ فيها أقوياءُ والمُدُنَ حصينةٌ عظيمةٌ جِدَّا، ورَأينا هُناكَ أيضًا أَولادَ العَنَقَ (יְלִדֵי הָעֲנָק).
29. عَمَلِقُ (עֲמָלֵק ʕămālēq) تُقِيمُ بأرضِ الجنوبِ، والحِتِّيونَ واليَبُوسِيُّونَ والأَمُورِيُّونَ مُقيمونَ بِالجبَلِ، والكنعانيُّونَ مُقيمونَ عِندَ البحرِ وعلى ضَفَّةِ الأُردُنِّ.


32. وأخرَجوا لبَني إِسرائيلَ تقريرا سيِّئا عن الأرضِ الّتي تَجَسَّسوها وقالوا: “الأرضُ الّتي مَرَرْنا فيها لِنَتَجَسَّسَها هيَ أرضٌ تأكُلُ أهلَها، وجميعُ الشَّعبِ الّذينَ رَأيناهُم فيها أُناسٌ عِظَامُ القاماتِ.
33. ورَأينا هُناكَ النَّفِيلِينَ بَني عَنَقَ (הַנְּפִילִים בְּנֵי עֲנָק)، فَصِرْنا في نظَرِنا صِغارا كالجَرادِ، وكذلِكَ في نظَرِهِم.

هنا وصف النفيلون بأنهم “بنو عَنَق” وبأنهم ضخام القامة.

هناك كلمة أخرى في الكتاب اليهودي تترجم إلى “عمالقة” هي “الرَفَؤُون” הָרְפָאִים (الكتابة الطبرية: rəp̄āʔîm، بالإنكليزية: Rephaim). مثلا في سفر التثنية:

(التثنية: 3)
10. أخذْنا جميعَ مُدُنِ السَّهلِ وكُلَّ الجِلْعَدِ (הַגִּלְעָד Gilead) وكُلَّ البَسَنِ (הַבָּשָׁן Bashan) إلى سَلْكَةَ (סַלְכָה Salcah) وأَدْرَعِي (אֶדְרֶעִי Edrei)، مَدِينتَي مَملكَةِ عَاجَ (עוֹג Og) في البَسَنِ.
11. لأنَّ عَاجَ ملكَ البَسَنِ هوَ وَحدَه آخِرُ مَنْ بقيَ مِنَ الرَفَئِين. إنَّ عرشَهُ مِنْ حديدٍ، ألَيسَ هو في رَبَّةِ بَني عَمَّانَ؟ تِسْعَةُ أذرعٍ طُولُه، وأربعَةُ أذرعٍ عَرضُه، بِذِراعِ رَجُلٍ.

الجذر “رفأ” في العبرية يعني “عالج” أو “شفى”، وكما كلمة نفيلين فإن كلمة رَفَئِين وردت في التوراة (مثلا في التكوين 50:2) بصيغة رافِئِين רֹפְאִים (rōp̄əʔîm)، والمعنى هنا “أطباء”. وأيضا كما كلمة نفيلين فإن كلمة رفئين وردت في التوراة (في أسفار إشعيا والمزامير والأمثال) بمعنى سكان الجحيم أو العالم السفلي، والمعنى الأصلي لهذه الكلمة كما يرى الباحثون هو “الأسلاف الموتى” أو “الأجداد الموتى”، ولقد عثر عليها في أجاريت (*rapaʔūma) rpʔum وكانت تستخدم هناك في الإشارة إلى الملوك الذين توفوا منذ زمن بعيد بهدف التبرك بهم وطلب مساعدتهم، أي أن كلمة “رافئين” بمعنى “أطباء” كانت في الأصل تعني المعالِجين باستحضار أرواح الموتى.

في اللغة العربية الجذر رفأ له معان قريبة (من اللسان):

والرَّفاءُ بالمدّ: الالتِئامُ والاتِّفاقُ. وَرَفأَ الرجلَ يَرْفَؤُه رَفْأً: سكنَّه. وفي الدعاءِ لِلمُمْلِكِ بالرَّفاءِ والبَنِينَ أَي بالالتئام والاتِّفاقِ وحُسْنِ الاجْتماع… قال ابن هانئٍ: رَفَّأَ أَي تزوَّج، وأَصل الرَّفْءِ: الاجتماع والتَّلاؤُم.

عملق

بالإضافة إلى النفيلين والرفئين هناك في التوراة أيضا العَمَلِق עֲמָלֵק (الكتابة الطبرية:  ʕămālēq ، بالإنكليزية: Amalek)، وهؤلاء هم العمالقة أو العماليق المعروفون عند العرب. العملق في الكتاب اليهودي هم ربما أكثر الشعوب العملاقة ذكرا وهم يظهرون في الكثير من المعارك والحروب ضد بني إسرائيل، وفي الحقيقة هم أول شعب حارب بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر وذلك في رَفِيدِيم Rephidim في التيه.

الكتاب اليهودي يصور العملق وكأنهم شعب حقيقي كان يسكن القسم الشرقي من صحراء التيه، وتحديدا بالقرب من إدام ومن المناطق التي كان بنو إسرائيل يسكنونها قبل رحيلهم إلى كنعان. سفر المواليد في سفر التكوين يجعل عملق حفيدا لعِشَو (إدام) عبر ابنه إِلِيفَز Eliphaz الذي أنجبه من الجارية الحورية تِمْنَع Timna. الحوريون Horites حسب الكتاب اليهودي هم سكان إدام قبل بني عشو، وبالتالي نسب العملق يظهر أن لهم جذورا قديمة في منطقة إدام أو جبل الشراة.

العماليق مشهورون جدا عند الكتاب المسلمين وهم يعدونهم من شعوب العرب البائدة ويروون عنهم العديد من القصص. هم ينسبونهم إلى “عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح” الذي يزعم بعضهم أنه “أول من تكلم العربية حين ظعن من بابل”، ويروون “أن العماليق لحقت بصنعاء قبل أن تسمى صنعاء، ثم انحدر بعضهم إلى يثرب، فأخرجوا منها عَبِيلاً، وسكنوا في ديارهم، وذهبت عَبِيلُ إلى موضع الجُحْفَة، فأقبل السيل فاجتحفهم، فذهب بهم، فسميت الجحفة.” و”عَبِيل” عند الكتاب المسلمين هي قبيلة الرجل الذي “اختط” (أنشأ) يثرب، وهو “يثرب بن باثلة بن مهلهل بن عَبيل”.

العماليق لم يسكنوا صنعاء ويثرب فقط وإنما روي أيضا أنهم كانوا يسكنون مكة قبل أن تسكنها قبيلة جُرْهُم البائدة وأنهم بنوا الكعبة، وروي أنهم كانوا يسكنون وادي القرى قبل مجيء اليهود.

العماليق عند المسلمين كانوا فعليا يسكنون كل البلاد في العصور القديمة (اليمن والحجاز ونجد واليمامة وعمان والشام ومصر إلخ)، ومن ملوك العماليق المشهورين “الأرقم” ملك تيماء الذي أرسل موسى جيشا لمحاربته ولكن الأرقم مع أهل الحجاز فتكوا به، وأيضا هناك الملك “عَملوق” ملك قبيلة طَسْم البائدة في اليمامة “الذي استذلَّ قبيلة جَدِيس وأهانها، فثارت جديس وقتلته ومن كان معه من حاشيته، واستعانت طسم بـ”حسّان بن تبع” من تبابعة اليمن، فوقعت حرب أهلكت طسمًا وجديسًا، و بقيت اليمامة خالية، فحل بها بنو حنيفة الذين كانوا بها عند ظهور الإسلام.”

كل هذه القصص التي يرويها الكتاب المسلمون عن العماليق أنكرها المستشرق نولدكه الذي رأى أن كلمة “عماليق” أخذها العرب من كلمة ʕămālēq العبرية بعد أن فسروا الكلمة العبرية على أنها جمع تكسير وأوجدوا لها مفردا من عندهم هو “عمليق”.

بالنسبة لمعنى كلمة “عملق” فهو مجهول. هناك فرضيات كثيرة طرحت لتفسير هذا الاسم منها أنه مشتق من الجذر “عمق” الذي يعني في العبرية “وادي” أو “غور”، وبالتالي معنى عملق هو “سكان الوادي” أو “سكان الكهوف”، وقيل أيضا أن عملق تعني “الشراسة” أو “القتال”، وقيل غير ذلك.

المناطق التي كان يعيش فيها بنو عملق حسب الكتاب اليهودي هي نفس مناطق بني إسماعيل:

(1 صموئيل : 15)
1. وقالَ سَمُوئِلُ (صموئيل) لِسَؤُولَ (شاؤول): “أنا الّذي أرسَلَني يهوه لأمسَحَكَ لتكونَ مَلِكاً على شعبِهِ على إِسرائيلَ، فاسمَعِ الآنَ لصوتِ كلماتِ يهوه.
2. هذا ما يقولُ يهوه القديرُ: تَذكَّرتُ ما فعَلَتْ عَمَلِقَ بِبَني إِسرائيلَ حينَ خرَجوا مِن مِصْرَ، وكيفَ هاجَمَتهُم في الطَّريقِ،
3. فاذهَبِ الآنَ واضرِبْ عَمَلِقَ، وأهلِكْ جميعَ ما لها ولا تَعفُ عَنها، بلِ اقتُلِ الرِّجالَ والنِّساءَ والأطفالَ والرُّضَّعَ والبقَرَ والغنَمَ والجِمالَ والحميرَ”.
4. فنادى سَؤولُ رِجالَهُ وأحصاهُم في طَلَئِيمَ (Telaim) فكانوا مئَتي ألفِ رَجُلٍ [مِنْ إِسرائيلَ] وعشَرَةَ آلافٍ مِنْ يَهُودة (يهوذا).
5. وجاءَ سَؤولُ إلى مدينةِ عَمَلِقَ وكَمَن في الوادي.
6. وقالَ سَؤولُ لِلقَينِيِّينَ: “قوموا اخرُجوا مِنْ بَينِ العَمَلِقِيِّينَ لئلا أدمِّرَكِ معَهُم وأنتِ أحسَنتِ إلى كلِّ بَني إسرائيلَ حينَ خرَجوا مِنْ مِصْرَ. فخرَجَ القينيُّونَ مِنْ بَينِ عَمَلِقَ.”
7. وضرَبَ سَؤولُ عَمَلِقَ مِنْ حَوِيلَةَ إلى سُوْرَ التي قُبالَةَ مِصْرَ،
8. وأسرَ أَجَجَ (Agag) مَلِكَ عَمَلِقَ حيًّا وأبادَ شعبَهُ جميعاً بِـحَدِّ السَّيفِ.
9. وعَفا سَؤولُ والشعبُ عَن أَجَجَ ولم يُهلِكوا خيرَةَ الغنَمِ والبقَرِ والخِرافِ وكلَّ ما كانَ جيِّداً، وإنَّما أهلَكوا كُلَّ ما كانَ حقيراً هزيلاً.

سَؤول (شاؤول Saul) هو أول ملوك مملكة إسرائيل، وبالتالي هذه القصة قديمة وتعود إلى بدايات تاريخ بني إسرائيل. من هذه القصة يتبين أن بني عملق كانت تسكن في نفس مناطق القينيين (المدينيين) في شمال الحجاز (والتي هي على الأغلب المناطق التي نشأ فيها العرب)، وتعريف بلاد عملق المعطى هنا (“مِنْ حَوِيلَةَ إلى سُوْرَ التي قُبالَةَ مِصْرَ”) يطابق تعريف بلاد إسماعيل المعطى في سفر التكوين. كل ما سبق يعني أن بني عملق التوراتيين هم شعب من شعوب العرب البائدة كالمدينيين وغيرهم، وهو ما يقوله الكتاب المسلمون.

ولكن هناك عدة مشكلات في بني عملق منها أن كلمة “عملق” لم ترد في أي مصدر قديم ما عدا الكتاب اليهودي حصرا (والمصادر الإسلامية التي أخذت الكلمة من اليهود حسب زعم نولدكه)، ولم يعثر على أية آثار أو دلائل على وجود هكذا شعب في العصور القديمة.

بعض الباحثين درسوا بني عملق في الكتاب اليهودي وتوصلوا إلى نتيجة هي أن العملقيين هم في الأصل كائنات خرافية كانت على ما يبدو تعيش عند مواطن المياه في الصحاري، ويدل على ذلك وصف المعارك التي دارت بينهم وبين بني إسرائيل والتي تبدو أشبه بالطقوس الروحية منها إلى المعارك الحقيقية. هذا الموضوع واسع وأنا لن أخوض فيه ولكنني سوف أنقل فقط وصف المعركة الأولى التي دارت بين بني إسرائيل والعملق في رَفِيدِيمَ في صحراء التيه:

(الخروج: 17)
1. وارتحلَ جميعُ بَني إِسرائيلَ مِنْ برِّيةِ سينَ على مراحلَ، كما أمرَ يهوه، ونزلوا في رَفِيدِيمَ حيثُ لا ماءَ يشربونَه،
2. فخاصموا موسى وقالوا: “أعطونا ماءً نشربُهُ”. فقالَ لهم موسى: “لماذا تُخاصمونَني؟ ولماذا تَختبرونَ يهوه؟”
3. وعطِشَ هُناكَ بَنو إِسرائيلَ إلى الماءِ وألَقوا اللَّومَ على موسى وقالوا: “لماذا أصعدْتَنا مِنْ مِصْرَ لتميتَنا نحنُ وبَنينا ومَواشينا بالعَطشِ؟”
4. فصرخَ موسى إلى يهوه: “ماذا أفعَلُ ﺑﻬؤلاءِ الشَّعبِ؟ بعدَ قليلٍ يرجُمونَني”.
5. فقالَ له يهوه: “اُعبُرْ أمامَ الشَّعبِ ومعَكَ بعضُ شُيوخِ إِسرائيلَ. وخُذْ بيدِكَ عصاكَ التي ضربْتَ ﺑﻬا النَّهرَ واذهبْ،
6. فتجدَني واقفًا أمامَكَ هُناكَ على الصَّخرةِ في حارِبَ، فتضرب الصَّخرَة فيخرُج منها ماءٌ يشربُ مِنه الشَّعبُ”. ففعلَ موسى كذلِكَ، أمامَ عيونِ شُيوخِ إِسرائيلَ.
7. وسمَّى موسى ذلِكَ المكانَ مَنْسَةَ (מַסָּה Massah) ومَرِيبَةَ (מְרִיבָה Meribah)، بسبب رِيبةِ (رِيب רִיב) بَني إِسرائيلَ واختبارِهم (نَسَّاتِهِم נַסּוֹתָם) ليهوه بقولهم: “أمَعَنا يهوه أم لا؟”
8. وجاءَتْ عَمَلِقُ وتحاربَتْ مع إسرائيلَ في رَفِيدِيمَ.
9. فقالَ موسى ليَهوسُوْعَ (يوشع): “اِختَرْ لنا رِجالاً واخرُجْ لمحاربةِ عَمَلِقَ، وغدًا أقِفُ على رأسِ التلَّةِ وعصا اللهِ في يَديَ”.
10. ففعلَ يَهوسُوْعُ كما قالَ له موسى وحاربَ عَمَلِقَ، وموسى وهارونُ وحُوْرُ صَعِدوا إلى رأسِ التلَّةِ.
11. فكانَ إذا رفعَ موسى يدَهُ تنتصِرُ بَنو إِسرائيلَ، وإذا حَطَّ يدَهُ تنتصِرُ عَمَلِقُ.
12. ولمَّا تعِبتْ يَدا موسى، أقعدَهُ هارونُ وحُوْرُ على حجَرٍ وسَنَدا يديهِ، أحدُهُما مِنْ هُنا والآخرُ من هُناكَ، فكانت يَدا موسى ثابتتَينِ إلى غُروبِ الشَّمسِ.
13. فهزمَ يَهوسُوْعُ عَمَلِقَ وشعبَها بحدِّ السَّيفِ.
14. وقالَ يهوه لموسى أكتبْ خبَرَ هذا النَّصرِ ذِكْرًا في الكتابِ وُقلْ ليَهوسُوْعَ: “سأمحو ذِكْرَ عَمَلِقَ مِنْ تحتِ السَّماءِ”.
15. وبَنى موسى مذبحًا وسمَّاهُ “يهوه نِسِّيْ” (יְהוָה נִסִּי).
16. وقالَ: “طالما يدٌ على عرشِ يهوه، ليهوه حربٌ مع عَمَلِقَ من جيلٍ إلى جيلٍ”.

حُور (חוּר Hur) المذكور هنا مع هارون مرتبط على الأغلب بحور الذي ذكر في مواضع أخرى من الكتاب اليهودي على أنه أحد ملوك مدين (مثلا في سفر الأعداد 31:8)، وهذا ليس غريبا لأن هذه القصة تدور أحداثها في فترة التيه قبل دخول بني إسرائيل إلى كنعان، وفي فترة التيه بنو إسرائيل كانوا يسكنون بجوار مدين. يوجد في شمال الحجاز (قرب مدين) مرفأ قديم اسمه “الحَوْراء”، وبعض الباحثين يربطون بين هذا الاسم وبين اسم حور المديني الذي ورد ذكره في الكتاب اليهودي وبين اسم موضع حور الذي ورد ذكره في مصدر فارسي قديم على أنه يقع في شمال الحجاز، وهو على الأغلب نفسه بلدة Auara النبطية التي ذكرها كتاب يونانيون والتي كانت حسب بطليموس تقع بين أيلة وبطرا. من المحتمل أيضا أن الحوريين الذين تقول التوراة أنهم كانوا يسكنون إدام قبل بني عشو لهم علاقة بهذه الكلمة. بعض الباحثين يرون أن الحوريين كانوا يسكنون في جنوب جبل الشراة إلى الجنوب من الإداميين، أي أنهم كانوا يسكنون منطقة “عاد” الذين ذكرهم الكتاب المسلمون. التوراة تقول أن عملق جد بني عملق هو من نسل عشو من جهة الأب وأن أمه هي جارية حورية اسمها تِمنَع، أي أنه ينتمي إلى نفس تلك المنطقة.

حور هذا ذكر لاحقا في سفر الخروج على أنه كان شريكا لهارون في القضاء:

(الخروج: 24)
13. فقامَ موسى ومعَهُ يَهوسُوْعُ خادِمُهُ وصَعِدَ إلى جبَلِ اللهِ.
14. وقالَ لِشُيوخِ بَني إِسرائيلَ إنتَظِرونا هُنا حتّى نرجِـعَ إليكُم. وها هارونُ وحُورُ معَكُم، فمَنْ كانَت لَه دعوى فليَذهَبْ إليهِما.
15. وصَعدَ موسى الجبَلَ، فغطَّى السَّحابُ الجبَلَ.

هارون في الكتاب اليهودي هو كناية عن طبقة الكهان اليهود الذين كانوا في زمن كتابة التوراة ينتسبون إلى جد اسمه هارون، وبالتالي إشراك حور مع هارون في الكهانة هو أمر ذو دلالة ويذكرنا بالكاهن المديني يَتْرا الذي آوى موسى وزوجه. هذا دليل آخر على دور المدينيين وسكان شمال الحجاز عموما في نشوء الديانة اليهودية. بالنسبة لاسم الكاهن يَتْرا فبعض الباحثين ربطوه باسم مدينة يثرب، وهذا أمر سأتحدث عنه لاحقا.

بالنسبة لمعركة رفيديم بين بني إسرائيل وبني عملق فبعض الباحثين فسروا هذه المعركة الغريبة على أنها ليست معركة حقيقية وإنما هي وصف لطقس روحي أو سحري قديم كان سكان الصحراء يمارسونه لاستصلاح مياه الآبار. هناك في الكتاب اليهودي عدة دلائل تدل على هذا الأمر إلى جانب هذه القصة. هذا الطقس على ما يبدو كان يتضمن تمثيلا لمعركة ضد كائنات خرافية هي العملق.

العملق وفق هذا المنظور ليسوا شعبا قديما وإنما هم مثل الغول والعفريت والعنقاء والنسناس إلخ، أي أنهم كائنات ميثولوجية أو خرافية.

من الأمور التي تدعم هذا التفسير معنى كلمة “عملق” في اللغة العربية (من تاج العروس):

العَمالِيقُ والعَمالِقَة: قومٌ من عاد تفرّقوا في البِلادِ وانْقَرَض أكثرهُم وهم من ولَدِ عِمْلِيق كقِنْديل أو عِمْلاق مثل قِرْطاس الأخيرُ عن اللّيْثِ ابن لاوَذَ بنِ إرَم بنِ سام بنِ نوحٍ عليه السلام كما في الصّحاح. وفي المقدِّمة الفاضِلِية أنّ لاوَذَ أخو إرَم وأرفَخْشذ بني نُوح عليه السلام. وقال اللّيْثُ: وهم الجَبابِرَةُ الذين كانوا بالشّام على عهْدِ موسَى عليه السلامُ وقال ابنُ الأثير: هم الجَبابِرَة الذين كانوا بالشّام من بقيّة قوْم عاد. وقال ابنُ الجَوّانيّ: عِمْليق: أبو العَمالِقَة والفَراعِنَة والجَبابِرة بمِصْر والشّام وكانوا فبانُوا مُنْقَرِضين. وقال السُّهَيْليُّ: من العَماليقِ مُلوكُ مصر الفَراعِنةُ منهم الوَليدُ بنُ مُصْعَب بن اشمير بن لهو بن عِمْليق وهو صاحِبُ موسى عليه السلام والرّيّانُ بنُ الوَليد صاحبُ يوسُفَ عليه السلام. والعَمْلَقَةُ: البوْلُ والسّلْح أو الرّميُ بهِما عن ابنِ عبّاد… العَمْلق: الجَوْر والظُلْم. والعَمْلَقَة: اخْتِلاطُ الماءِ في الحوْض وخُثورَتُه. وحكى ابنُ بَرّي عن ابنِ خالَوَيْه: العَمْلَقُ: الاخْتِلاط والخُثورة ولم يُقيِّدْه بماءٍ ولا غيْرِه. وعمْلَقَ ماؤُهم: إذا قَلّ. والعِمْلاقُ: الطّويل والجَمْع عَماليق وعَمالِقَة وعَمالِقُ بغيْر ياءٍ الأخيرةُ نادِرةٌ. وقد سمَّوْا عَمْلَقاً كجَعْفَر وزِبْرِج وقِرْطاس.

كلمة “عملق” في اللغة العربية تعني “قلة الماء” أو “تلوث الماء” وتعني أيضا “الجور والظلم”، وهذا المعنى يناسب تماما التفسير الذي نقلته في الأعلى. العملق هم في الأصل صنف من الجن الذين كانوا يمنعون الماء عن الناس أو يلوثونه، ولمباركة الماء كان سكان الصحراء يقومون بطقس يتضمن تمثيل معركة ضد العملق.

بالنسبة لكلمة עֲמָלֵק ʕămālēq العبرية فهي تبدو لي غريبة من حيث الوزن الصرفي. أنا بحثت عن هذا الوزن في أكثر من كتاب للنحو العبري ولم أجده. أقرب وزن لهذا الوزن هو وزن كلمة עֲטַלֵּף ʕăṭallēp̄ التي تعني “وطواط”. إن كان أصل ʕămālēq عبريا فهو ربما كان *ʕamalliq. من المحتمل في هذه الحالة أن العين هي بادئة اشتقاقية (preformative) تدل على الكائنات الخبيثة (كما في “عكنب”، و”عقرب”، إلخ) وأن الجذع الأصلي هو *malliq. الجذر ملق له في اللغة العربية المعاني التالية:

والإمْلاق: الافْتِقار. قال الله تعالى: ولا تقتلوا أَولادكم من إمْلاق… وقال ابن شميل: إنه لمُمْلِق أي مفسد. والإملاق: الإفساد… ومَلَقَ الثوبَ والإناء يَمْلُقه مَلْقاً: غسله. والمَلْقُ: الرضع. ومَلَقَ الجَدْي أُمه يَمْلُقُها مَلْقاً: رضعها، وكذلك الفَصِيل والصبيّ، وقرئ على المنذري: مَلَقَ الجدي أُمه يَمْلِقُها، قال: وأَحسب مَلَقَ الجدي أُمه يَمْلُقها إذا رضعها لغة… ومَلَقَ عينه يَمْلُقُها مَلْقاً: ضربها. ومَلَقهُ بالسوط والعصا يَمْلُقه مَلْقاً: ضربه. ويقال: مَلَقهُ مَلَقاتٍ إذا ضربه. والمَلْقُ: ضرب الحمار بحوافره الأرض… ومَلْقُ الأَدِيم: غسله… والمالَقُ: الخشبة العريضة التي تشدّ بالحبال إلى الثَّوْرين فيقوم عليها الرجل ويجرها الثوران فيُعَفِّي آثار اللُّؤَمَةِ والسِّنّ؛ وقد مَلَّقُوا أَرضهم يُمَلِّقُونها تَمْلِيقاً إذا فعلوا ذلك بها؛ قال الأزهري: مَلَّقوا ومَلَّسوا واحد وهي تملِّسُ الأرض، فكأنه جعل المالَقَ عربيّاً؛ وقيل: المالَقُ الذي يقبض عليه الحارث. وقال أَبو حنيفة: المِمْلَقة خشبة عريضة يجرها الثيران. الليث: المالَقُ الذي يملّس الحارث به الأرض المُثارة.

الجذر ملق له معان تتعلق بالفقر والغسل والرضاعة وضرب الأرض وحراثتها، أي أن معناه الأصلي ربما يكون متعلقا باستخراج الماء من الأرض.

إذن كلمة عملق العبرية يمكن تحليلها على أنها مشتقة من الجذر ملق، ولكن هل الكلمة عبرية الأصل بالفعل؟ هناك باحثون غربيون رأوا أن الكلمة ليست عبرية الأصل، وهذا الرأي وارد في رأيي.

نولدكه اعتبر كل القصص العربية عن العماليق مجرد خزعبلات ألفها العرب بعد أن أخذوا كلمة عماليق من اليهود، ولكنني بصراحة أستغرب هذا الكلام لأن كلمة عماليق شائعة جدا عند العرب ولا يعقل أن كلمة بهذه الأهمية هي من مصدر خارجي. نولدكه لم ينكر وجود العماليق فقط بل أنكر وجود قبائل كقبيلة ثمود واعتبرها قبيلة خرافية، ولكن حاليا وجود قبيلة ثمود تاريخيا هو أمر لا شك فيه. على الأرجح في رأيي أن كلمة عماليق هي كلمة عربية أصيلة، وهذا أمر طبيعي لأن معنى الكلمة الأصلي هو معنى متعلق بالصحراء. وجود الكلمة عند اليهود لا يعني بالضرورة أن العرب أخذوها منهم.

القصص التي رواها الكتاب المسلمون عن العماليق ومغامراتهم ليست بالضرورة قصصا خرافية بالكامل ولا أصل لها. بالنسبة للعرب العماليق هم شعب قديم جدا ولذلك هم أقحموا العماليق في الكثير من رواياتهم التاريخية، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن كل تلك الروايات لا أساس لها. الروايات ربما يكون لها أساس حتى لو لم يكن العماليق جزءا حقيقيا منها. نفس الظاهرة مشاهدة في الكتاب اليهودي الذي يقحم بني عملق في تاريخ بني إسرائيل القديم. الكتاب اليهودي وصف بني عملق صراحة بأنهم أقدم الشعوب:

(الأعداد: 24)
20. ورَأى [بِلْعَمُ] عَمَلِقَ فقالَ حِكْمَتَهُ: “أوَّلُ الشُّعوبِ عَمَلِقَ وأمَّا آخِرتُها فإلى الفَناءِ”.
21. ثُمَّ رَأى القَينيِّينَ فقالَ حِكْمَتَهُ: “مَنيعٌ مسكنُكِ، جعَلْتِ في الصَّخرِ عُشَّكِ.
23. لكنَّ قَيْنَ ستَصيرُ خراباً إلى أنْ تَسبِيكِ أسُّورُ.”

كون العماليق كائنات مختصة بالماء يفسر كثرة ذكر العماليق في تاريخ مناطق مثل اليمامة ويثرب ووادي القرى. اليمامة هي منطقة تكثر فيها الآبار والعيون، ولهذا لا بد أن العماليق كان لهم تواجد كبير في تلك المنطقة قديما (بالمعنى المجازي). نفس الأمر ينطبق على يثرب ووادي القرى وشمال الحجاز.

بالنسبة لتاريخ العماليق في مكة فالقصة التوراتية التالية تلقي الضوء ربما على هذا الموضوع:

(التثنية: 2)
8. فعَبرْنا بعيداً عَنْ أنسِبائِنا بَني عِشَو المُقيمينَ بشَعيرَ، بعيداً عنْ طريقِ العرَبةِ وأيلة وعِصْيان جَبْر، وتحوَّلْنا وعبَرْنا طريقَ برِّيَةِ مأبَ.
9. فقالَ ليَ يهوه: “[يا موسى] لا تُضايقْ مأبَ ولا تخُضْ معهم حربًا لأنِّي لن أُعطيَكَ أرضَهم، لأني وهَبْتُ عَرَّ (עָר Ar) لبني لوطَ مِيراثاً.”
10. الأَيْمِيُّونَ (הָאֵמִים Emims) أقاموا بها قَبلاً، وهُم شعبٌ عظيمٌ كثيرٌ طَويلُ القاماتِ كالعَنَقِيِّين.
11. وهُم يُحسَبونَ رَفَئِينَ كالعَنَقِيِّين، والمأبيُّونَ يُسمُّونَهُم أَيْمِيِّينَ.
12. وبِشَعِيرَ أقامَ الحُوريُّونَ قَبلاً فورِثَهم بَنو عِشَو وأزالوهُم مِنْ أمامِهِم وأقاموا مكانَهُم، كما فعَلَتْ إِسرائيلُ في أرضِ ميراثِها التي أعطاها يهوه لهُم.

16. فلمَّا انقرَضَ جميعُ المُحاربينَ مِنَ الشَّعبِ وماتوا،
17. كلَّمَني يهوه فقالَ:
18. أنتَ ستَعبُرُ اليومَ حدودَ أرضِ مأَبَ عَنْ طريقِ عَرَّ،
19. فإذا اقتربتَ مِنْ بَني عَمَّانَ فلا تُضايقْهُم ولا تواجِهُّم، لأنِّي لن أُعطيَكَ أرضَ بَني عَمَّانَ لأنني وهبتها لبني لوطَ مِيراثاً”.
20. وهيَ أيضاً تُحسَبُ مِنْ أرضِ الرَفَئِينَ، لأنَّ الرَفَئِينَ أقاموا بها قَبلاً، والعمَّانِيُّونَ يُسمُّونَهم زَمْزُمِينَ (זַמְזֻמִּים Zamzummims
21. وهُم شعبٌ عظيمٌ كثيرٌ طَويلُ القاماتِ كالعَنَقِين، أزالَهُمُ يهوه مِنْ أمامِ العمَّانِيِّينَ فوَرِثوهُم وأقاموا مكانَهُم،
22. كما فعَلَ لبَني عِشَو المُقيمينَ بشَعِيرَ، حينَ أزالَ الحوريِِّينَ مِنْ أمامِهِم فوَرِثوهُم وأقاموا مكانَهُم إلى هذا اليومِ.

هنا تتحدث التوراة عن أن سكان مأب وعَمَّان الأوائل كانوا من الرفئين العمالقة المعروفين في مأب باسم أَيْمِيِّينَ אֵמִים/אֵימִים (الكتابة الطبرية: ʔēmîm/ʔêmîm)، وفي عمّان باسم زَمْزُمِين أو زَمْزُومِين (الكتابة الطبرية: zamzummîm أو zamzūmmîm). هذه الأقوام مذكورة أيضا في سفر التكوين:

(التكوين:14)
5. وفي السَّنةِ الرَّابعةَ عشْرَةَ جاءَ [ملِكُ عَيْلَمَ] كُدُرْلَعَامَرُ (Chedorlaomer kəḏorlāʕōmer) والملوكُ حُلفاؤُهُ، فأخضَعوا الرَفَئِينَ في عَثْْتِراتَ قَرْنَيْنَ (Ashteroth Karnaim)، والزُّوزِينَ في هَم (Ham)، والأَيْمِيِّينَ في سَوَي قَرْيَتَيْنَ (Shaveh Kiriathaim
6. والحُوريِّينَ في جبَلِهم شَعيرَ حتى سَهلِ فَأْرَنَ الذي على البرِّيَةِ.

هنا استخدمت كلمة “زُوزِين” זּוּזִים (الكتابة الطبرية: zûzîm ، بالإنكليزية: Zuzims) بدلا من “زَمْزُمِين”.

كلمة أَيْمِيِّينَ حسب كثير من الباحثين مأخوذة من الجذر العبري أيم الذي يعني الرعب، وأما كلمة زَمْزُمِين فهي مأخوذة من الجذر المضعّف زمزم. معنى كلمة زمزم بالعربية يشمل ما يلي:

الزَّمْزَمَةُ: صوت خفي لا يكاد يُفهم… والزَّمْزَمَةُ: صوت الرعد… والزَّمْزَمَةُ: الصوت البعيد تسمع له دَوِيّاً… وزَمازِمُ النار: أَصوات لهبها؛ قال أَبو صَخْرٍ الهذلي: زَمازِمُ فَوَّار مِن النار شاصِب… والعرب تحكي عَزيف الجن بالليل في الفَلَواتِ بزيزِيم؛ قال رؤبة: تسمع للجن به زيزيم، وزَمْزَمَ الأَسد: صوَّت. وتَزَمْزَمَتِ الإبل: هَدَرَتْ. والزِّمْزِمة، بالكسر: الجماعة من الناس… والزِّمزِمةُ: القطعة من السباع أَو الجن. والزِّمْزِمُ والزِّمْزيمُ: الجماعة. والزِّمْزيمُ: الجماعة من الإبل إذا لم يكن فيها صِغار… ويقال: مائة من الإبل زُمْزُومٌ مثل الجُرْجُور؛ وقال الشاعر: زُمْزُومُها جِلَّتها الكِبارُ. وماء زَمْزَمٌ وزُمازِمٌ: كثير. وزَمْزَمُ، بالفتح: بئر بمكة. ابن الأَعرابي: هي زَمْزَمُ وزَمَّمُ وزُمَزِمٌ، وهي الشُّباعةُ وهَزْمَةُ المَلَكِ ورَكْضَة جبريل لبئر زَمْزَمَ التي عند الكعبة؛ قال ابن بري: لزَمْزَم اثنا عشر اسماً: زَمْزَمُ، مَكْتُومَةُ، مَضْنُونَةُ، شُباعَةُ، سُقْيا، الرَّواءُ، رَكْضَةُ جبريل، هَزْمَةُ جبريل، شِفاء سُقْمٍ، طَعامُ طُعْمٍ، حَفيرة عبد المطلب. ويقال: ماء زَمْزَمٌ وزَمْزامٌ وزُوازِمٌ وزُوَزِمٌ إِذا كان بين المِلْحِ والعَذْبِ، وزَمْزَمٌ وزُوَزِمٌ؛ عن ابن خالوَيْهِ، وزَمْزامٌ؛ عن القزّاز، وزاد: وزُمازِمٌ، … وزُمٌّ، بالضم: موضع؛ قال أَوْسُ بن حَجَرٍ:

كأَنَّ جيادَهُنَّ، برَعْنِ زُمّ:ٍ: جَرادٌ قد أَطاعَ له الوَراقُ

وقال الأَعشى:

ونَظْرَةَ عينٍ على غِرَّةٍ:: محلَّ الخَليطِ بصَحْراء زُمّ

ويقال: زُمٌّ بئر بحفائر سعد بن مالك.

هذا التعريف للجذر زمزم مثير للاهتمام لأنه يجمع بين معنيين لا علاقة مباشرة بينهما: المعنى الأول يتعلق بالأصوات البعيدة التي يصدرها الجن مثلا، والمعنى الثاني يتعلق بتدفق ووفرة الماء. ما هي العلاقة بين هذين المعنيين؟ من الصعب إيجاد علاقة لغوية مباشرة، ولكن إذا أخذنا في الاعتبار أن “الزمزمين” هو اسم قديم للعمالقة كما تقول التوراة يمكننا أن نفهم عندئذ العلاقة. الزَمْزَم هو ببساطة اسم آخر للعَمْلَق، أي كائنات من الجن التي تعيش قرب آبار الماء، ومن هنا ربما أخذت بئر زمزم في مكة اسمها. هذا يفسر الروايات التي تقول أن سكان مكة الأوائل كانوا من العماليق وبعدهم جاءت قبيلة جرهم.

الاسم الثاني للزمزمين في التوراة هو زُوزِين وهو الاسم الذي ورد في قصة الملك كُدُرْلَعَامَر في سفر التكوين، وهذا الاسم حير الباحثين بسبب اختلافه عن زمزمين وبسبب الكيفية التي ورد بها في الترجمة اليونانية، حيث أن معدي الترجمة اليونانية (المعروفة باسم Septuagint واختصارا LXX) ترجموا كلمة زوزين إلى εθνος ιοχυρος (ethnos iochyros) التي تعني “شعب عظيم”، ونفس هذه الترجمة وردت أيضا في الترجمات الآرامية والسريانية. بعض الباحثين رأوا أن كلمة زمزمين هي تصحيف لزوزين وأن الكلمة الثانية تعني “شعب عظيم”، بمعنى أنها مرادف لكلمة جبارين (gibbôrîm) التي تطلقها التوراة على العمالقة القدماء، وفي رأيهم أن كلمة زوزين هي تصحيف لـ”عزوزين” من الجذر عزز، ولكن في المقابل هناك باحثون بينوا أن كلمة “زمزوم” في اللغة العربية تعني “الجِلَّة الكِبار” (من الإبل أو الرجال)، وهذا المعنى يشبه εθνος ιοχυρος، وبالتالي فإن التفسير الأصح هو أن زوزين ربما تكون تصحيفا لزمزمين وليس العكس، رغم أن هذا التصحيف غير مثبت وهو مجرد فرض.

كلمة زمزم كانت على ما يبدو اسما آخر للعماليق، وأما المعاني الأخرى لهذه الكلمة التي تفيد الوفرة والكثرة وضخامة الحجم فهي معان ثانوية نشأت من كون هذه الكلمة كانت تطلق على العماليق. ما يلي من تاج العروس:

قيل: الزمزمة: قطعة من الجن أو من السباع، و أيضا جماعة الإبل ما فيها صغار كالزمزيم بالكسر أيضا… وزمزومها بالضم خيارها أو مائة منها مثل الجرجور، قال: زمزومها جلتها الكبارى، والزمزوم من القوم سرهم أي خلاصتهم وخيارهم وفي نسخه شَرُّهم…

بئر زمزم في مكة هي بئر مقدسة ويعتقد أن ماءها يشفي الأمراض إلخ، وهي تقع بجوار الركن الشرقي للكعبة الذي هو أقدس أركانها ويحوي الحجر الأسود. ما يلي بعض كلام ياقوت الحموي حول البئر:

زَمْزَم، وهي البئر المباركة المشهورة قيل: سميت زمزم لكثرة مائها يقال ماء زمزم وزمازم وقيل هو اسم لها وعلم مرتجل وقيل سميت بضم هاجر أم إسماعيل عليه السلام لمائها حين انفجرت وزمها إياه وهو قول ابن عباس حيث قال: لو تركت لساحت على الأرض حتى تملأ كل شيء وقيل: سميت بذلك لأن سابور الملك لما حج البيت أشرف عليها وزمزم فيها والزمزمة كلام المجوس وقراءتهم على صلاتهم وعلى طعامهم… وقيل بل سميت زمزم لزمزمة جبرائيل عليه السلام وكلامه عليها، وقال ابن هشام الزمزمة عند العرب الكثرة والاجتماع وأنشد:

وباشرت معطنها المدهثمـا :: ويممت زمزومها المزمزما

وقال المسعودي: والفرس تعتقد أنها من ولد إبراهيم الخليل عليه السلام وقد كانت أسلافهم تقصد البيت الحرام وتطوف به تعظيما لجدها إبراهيم وتمسكا بهديه وحفظا لأنسابها وكان آخر من حج منهم ساسان بن بابك وكان ساسان إذا أتى البيت طاف به وزمزم على هذه البئر…

رواية المسعودي وأمثالها هي خرافات شعوبية من الخرافات التي كانت رائجة في العصر العباسي بهدف تحسين صورة الإيرانيين القدماء وإظهارهم بمظهر المسلمين الأتقياء (ومثلها الخرافات اليمنية التي تزعم أن ملوك اليمن القدماء كانوا يحجون إلى مكة)، ورواية هاجر أم إسماعيل هي رواية ذات طابع إسلامي تقليدي الهدف منها هو إظهار الجذور الإبراهيمية لمكة، أما الرواية التي ظللتها بالخط العريض فهي رواية ملفتة وليس لها تفسير واضح. لماذا الربط بين بئر زمزم وبين زمزمة الملاك جبرائيل فوقها؟ هل الملاك جبرائيل من عادته أن يزمزم؟ وفي حال كان يزمزم فهل من عادته أن يزمزم فوق هذه البئر؟ التاريخ الإسلامي وسيرة الرسول ليس فيهما ما يفسر هذه الرواية الغريبة. أنا أظن أن هذه الرواية هي رواية ذات جذور قديمة وهي تبين السبب الحقيقي لتسمية بئر زمزم بهذا الاسم. سبب تسمية بئر زمزم بهذا الاسم هو وجود كائنات ذات طبيعة روحية كانت تزمزم عندها، ولا يستبعد أن أهل مكة قبل الإسلام كانت لديهم رواية من هذا النوع.

القبيلة التي سكنت مكة بعد العماليق هي قبيلة جُرْهُم أو جُرْهَم من العرب البائدة، فما هو معنى كلمة جرهم؟ ما يلي بعض المعاني من لسان العرب:

جُرْهُم: حيّ من اليَمن نزلوا مكة وتزوج فيهم إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وهم أَصهاره ثم أَلْحَدُوا في الحرَم فأَبادَهم الله تعالى. ورجل جِرْهامٌ ومُجْرَهِمٌّ: جادٌّ في أَمْره، وبه سمي جُرْهُمٌ. وجِرْهامٌ: من صفات الأَسد. التهذيب: الفراء الجُرْهُمُ الجَرِيءُ في الحرب وغيرها. وجمل جراهم: عظيم… وإنما هو للبعير، يقال: بعير عُرَاهِنٌ وعُراهِمٌ وجُراهِمٌ عظيم؛ وقال عمرو الهُذَلي:

فلا تَتَمَنَّنِي وتَمنَّ جِلْفاً :: جُراهِمَةً هِجَفّاً، كالخَيالِ

جُراهِمَة: ضخماً، هِجَفّاً: ثقيلاً طويلاً، كالخيال: لا غَناءَ عنده.
وجمَل جُراهِمٌ وناقة جُراهِمَةٌ أَي ضَخمة.

كلمة جرهم تحمل معنى الحرب ومعنى الضخامة، وهذه المعاني تنطبق على العماليق القدماء.

ما يلي معاني الجذر جره:

سمعت جَراهِيةَ القوم: يريد كلامَهم وجَلَبتهم وعَلانيتهم دون سِرِّهم. ويقال: جَرَّهْتُ الأَمر تَجْريهاً إِذا أَعْلَنته. ولقيتُه جَراهِيةٌ أَي ظاهِراً… وجاء في جَراهِيةٍ من قومه أَي جماعة. والجَراهِيةُ: ضِخامُ الغنم، وقيل: جَراهِيةُ الإِبل والغنم خيارُهما وضِخامُهما وجِلَّتُهما… والجَرْهُ: الشَّرُّ الشديد. والرَّجَهُ: التَّثَبُّتُ بالأَسْنان والتَّزَعْزُعُ.

هذه المعاني تشبه إلى حد بعيد معاني زمزم. على ما يبدو فإن كلمة جرهم مركبة من الجذر جره واللاحقة um– .

هناك طريقة أخرى لتحليل هذه الكلمة وهي اعتبارها مركبة من “جر” و”هم”. ما يلي بعض معاني جرر:

وجارُّ الضَّبُعِ: المطرُ الذي يَجُرُّ الضبعَ عن وجارِها من شدته، وربما سمي بذلك السيل العظيم لأَنه يَجُرُّ الضباعَ من وُجُرِها أَيضاً، وقيل: جارُّ الضبع أَشدّ ما يكون من المطر كأَنه لا يدع شيئاً إِلاَّ جَرَّهُ. ابن الأَعرابي: يقال للمطر الذي لا يدع شيئاً إلاَّ أَساله وجَرَّهُ: جاءَنا جارُّ الضبع، ولا يجرّ الضبعَ إِلاَّ سَيْلٌ غالبٌ. قال شمر: سمعت ابن الأَعرابي يقول: جئتك في مثل مَجَرِّ الضبع؛ يريد السيل قد خرق الأَرض فكأَنَّ الضبع جُرَّتْ فيه؛ وأَصابتنا السماء بجارِّ الضبع… والجارُورُ: نهر يشقه السيل فيجرُّه… وجَرَّ النَّوْءُ المكانَ: أَدامَ المَطَرَ؛ قال حُطَامٌ المُجاشِعِيُّ: جَرَّ بها نَوْءٌ من السِّماكَيْن… والجَرُروُ من الرَّكايا والآبار: البعيدةُ القَعْرِ. الأَصمعي: بِئْرٌ جَرُورٌ وهي التي يستقى منها على بعير… والجارَّةُ: الطريق إِلى الماء. والجَرُّ: الجَبْلُ الذي في وسطه اللُّؤَمَةُ إِلى المَضْمَدَةِ… والجِرَّة: الجماعة من الناس يقيمون ويَظْعَنُون. وعَسْكَرٌ جَرّارٌ: كثير… والجَرْجَرَةُ: الصوتُ. والجَرْجَرَةُ: تَرَدُّدُ هَدِيرِ الفحل، وهوصوت يردده البعير في حَنْجَرَته، وقد جَرْجَرَ… قال أَبو عبيد: الجَراجِرُ والجَراجِبُ العظام من الإِبل، الواحد جُرْجُورٌ. ويقال: بل إِبل جُرْجُورٌ عظام الأَجواف. والجُرْجُورُ: الكرام من الإِبل، وقيل: هي جماعتها، وقيل: هي العظام منها؛ قال الكميت: ومُقِلٍّ أَسَقْتُمُوهُ فَأَثْرَى مائةً، من عطائكم، جُرْجُورا وجمعها جَراجِرُ بغير ياء… ومائةٌ من الإِبل جُرْجُورٌ أَي كاملة… والتَّجَرْجُرُ: صب الماء في الحلق، وقيل: هو أَن يَجْرَعَه جَرْعاً متداركاً حتى يُسْمَعَ صوتُ جَرْعِه… قال أَبو عمرو: أَصلُ الجَرْجَرَةِ الصوتُ. ومنه قيل للعَيْرِ إِذا صَوَّتَ: هو يُجَرْجِرُ.

هذه المعاني تشبه معاني زمزم، وكلمة جرجور لها نفس معنى زمزوم بالضبط.

أما همم فما يلي بعض معانيها:

والهامومُ: ما يَسيل من الشَّحْمةِ إِذا شُوِيَت، وكلُّ شيء ذائبٍ يُسمَّى هاموماً… قال الليث: الانْهِمامُ ذَوَبانِ الشيء واسْتِرْخائه بعد جُمودِه وصَلابتِه مثل الثلج إِذا ذابَ، تقول: انْهَمَّ. وانْهَمَّت البقُولُ إِذا طُبِخَتْ في القدر. وهَمَّت الشمسُ الثلجَ: أَذابَتْه. وهَمَّ الغُزْرُ الناقةَ يَهُمُّها هَمّاً: جَهَدَها كأَنه أَذابَها. وانْهَمَّ الشحمُ والبَرَدُ: ذابا… والهُمامُ: ما ذابَ منه، وقيل: كلُّ مُذابٍ مَهْمومٌ؛ وقوله: “يُهَمُّ فيها القوْمُ هَمَّ الحَمِّ” معناه يَسيل عرقهم حتى كأَنهم يَذُوبون. وهُمامُ الثلج: ما سالَ منْ مائِه إِذا ذابَ… ويقال: همَّ اللبَنَ في الصحْنِ إِذ حَلَبَه، وانْهَمَّ العرَقُ في جَبينِه إِذا سالَ… والهُمامُ: الملكُ العظيم الهِمّة، وفي حديث قُسٍّ: أَيها الملكُ الهُمامُ، أَي العظيمُ الهِمَّة… وقيل: الهُمامُ السيِّدُ الشجاعُ السَّخيّ ولا يكون ذلك في النساء. والهُمامُ: الأَسدُ، على التشبيه… قال ابن السكيت: الهَمُّ من الحُزْن، والهَمُّ مَصْدَرُ هَمَّ الشَّحمَ يَهُمُّه إِذا أَذابَه… والهِمُّ: الشيخ البالي… وفي الحديث: أَنه أُتِيَ برجل هِمٍّ؛ الهِمُّ، بالكسر: الكبيرُ الفاني… والهَميمةُ: مطرٌ ليّنٌ دُقاقُ القَطْر. والهَمومُ: البئر الكثيرة الماء… وسحابة هَمومٌ: صَبوبٌ للمطر. والهَميمةُ من اللبَن: ما حُقِن في السِّقاء الجديد ثم شُرب ولم يُمْخَض…. والهَمْهَمة: الكلام الخفيّ، وقيل: الهَمْهَمة تَرَدُّد الزَّئير في الصَّدْر من الهمّ والحَزَن، وقيل: الهَمْهَمة تَرْديد الصوت في الصدر… والهَمْهَمة: نحوُ أَصوات البقر والفِيَلَة وأَشباه ذلك. والهَماهِم: من أَصوات الرعد نحو الزَّمازِم. وهَمْهَمَ الرَّعْدُ إِذا سمعتَ له دَوِيّاً. وهَمْهَم الأَسدُ، وهمْهَم الرجلُ إِذا لم يُبَيِّن كلامه. والهمْهَمة: الصوت الخفيّ، وقيل: هو صوت معه بحَحٌ. ويقال للقصَب إِذا هزَّته الريح: إِنه لَهُمْهوم. قال ابن بري: الهُمْهوم المُصَوِّت؛ قال رؤبة: هزّ الرياحِ القَصَبَ الهُمْهوما، وقيل: الهَمْهمةُ ترديد الصوت في الصدر. وفي حديث ظبْيان: خرج في الظُّلمة فسَمِع هَمْهَمةً أَي كلاماً خفيّاً لا يُفْهَم، قال: وأَصل الهَمْهَمة صوت البقرة. وقَصَبٌ هُمْهوم: مُصوِّت عند تَهْزيز الريح. وعَكَرٌ هُمْهوم: كثير الأَصوات… والهُمْهومة والهَمْهامة: العَكَرة العظيمة. وحِمار هِمْهيم: يُهَمْهِم في صوته يُردِّد النهيق في صدره… قال أَبو عمرو: الهَموم الناقة الحسَنة المِشْية، والقِرْواحُ التي تَعافُ الشُّربَ مع الكِبار، فإِذا جاءت الدَّهْداهُ شرِبت معهنّ، وهي الصغار. والهَموم: الناقة تُهَمِّم الأَرضَ بفيها وترتَع أَدنى شيء تجده، قال: ومنه قول ابنة الخسّ: خيرُ النوق الهَموم الرَّموم التي كأَنَّ عَينَيْها عَيْنا محموم.

هنا ابن منظور يقول حرفيا أن “الهماهم نحو الزمازم”. من الممكن أن كلمة جرهم هي مركبة من “جر” و”هم”. سفر التكوين يقول أن الزوزين كانوا يسكنون في هَم הָם (بالطبرية: Hām)، وهذه المنطقة تقع على الأغلب في سورية ولكن اسمها يشبه المقطع الثاني من اسم قبيلة جرهم المكية.

من الممكن أن كل هذه الكلمات والأسماء هي نابعة من تراث سامي قديم يتعلق بحياة الصحراء. تشابه أسماء وصفات الكائنات العملاقة القديمة عند العرب واليهود لا يعني بالضرورة أن العرب نقلوا الأسماء من اليهود كما زعم نولدكه وإنما هو يعني ربما أن هذه بقايا من تراث مشترك. أجداد العرب واليهود كانوا في الألفية الثانية قبل الميلاد يسكنون منطقة عربية الصخرية وتيه بني إسرائيل، ووجود كلمات من قبيل “عملق” و”زمزم” و”هم” إلخ لدى كل من العرب واليهود يعود ربما إلى تراث مشترك قديم.

التوراة تقول أن موسى بعد المعركة ضد عملق في رفيديم بنى مذبحًا وسماه “يهوه نِسِّيْ”. كلمة “نِسِّيْ” هي كلمة مجهولة المعنى، ولكن الباحثين المعاصرين يخمنون من السياق أن المقصود بها هو ربما العصا التي كان موسى يرفعها خلال المعركة. ما يلي بعض معاني نسّ في لسان العرب:

النَّسُّ: المَضاءُ في كل شيء، وخص بعضهم به السرعة في الوِرْدِ… الليث: النس لزوم المَضاء في كل أَمر وهو سرعة الذهاب لوِرْدِ الماء… ونَسَّ الإِبل يَنُسُّها نَسّاً ونَسْنَسَها: ساقها؛ والمِنَسَّةُ منه، وهي العصا التي تَنُسُّها بها، على مِفْعَلةٍ بالكسر… وأَنْسَسْتُ الدابة: أَعطشتها… وناسَّةٌ والنَّاسَّة؛ الأَخيرة عن ثعلب: من أَسماء مكة لقلة مائها، وكانت العرب تسمي مكة النَّاسَّة… والنِّسْناس والنَّسْناس: خَلْقٌ في صورة الناس مشتق منه لضعف خلقهم. قال كراع: النِّسْناسُ والنَّسناس فيما يقال دابة في عِدادِ الوحش تصاد وتؤكل وهي على شكل الإِنسان بعين واحدة ورجل ويد تتكلم مثل الإِنسان. الصحاح: النِّسْناس والنَّسْناس جنس من الخلق يَثبُ أَحَدُهم على رِجْلٍ واحدةٍ. التهذيب: النِّسْناسُ والنَّسْناس خَلْق على صورة بني آدم أَشبهوهم في شيء وخالفوهم في شيء وليسوا من بني آدم، وقيل: هم من بني آدم. وجاء في حديثٍ: أَنَّ حَيّاً من قوم عاد عَصَوْا رسولهم فمسخهم اللَّه نَسْناساً، لكل إِنسان منهم يد ورجل من شِقٍّ واحد، يَنْقُزُون كما يَنْقُزُ الطائر ويَرْعَوْن كما ترعى البهائم، ونونها مكسورة وقد تفتح. وفي الحديث عن أَبي هريرة قال: ذهب الناس وبقي النِّسْناسُ، قيل: مَنِ النِّسْناسُ؟ قال: الذين يتشبهون بالناس وليسوا من الناس، وقيل: هم يأْجوج ومأْجوج.

كلمة “نسَّ” تعني سوق الإبل لكي تشرب، والعصا التي تستخدم في ذلك تسمى “مِنَسَّة”، فهل هذه هي نفس العصا التي كان موسى يرفعها في رفيديم؟

والملفت مجددا هو الربط بين النس وبين الكائنات الخرافية. هذه المرة الكائن هو “النسناس”، وهو من الكائنات الخرافية الشهيرة عند الكتاب المسلمين. النسناس هو عبارة عن كائن “نصف آدمي” ينحدر من البشر ومن الجن معا (جده الآدمي هو آدم أبو البشر وجده الجني هو شيطان اسمه “شِّق”)، وقيل أن النسنساس هم من البشر الممسوخين كعاد وثمود.

ما يلي تعريف “النسناس” في “تاج العروس”:

والنَّسْنَاسُ بالفْتَحِ ويكْسَرُ: جِنْسٌ من الخَلْقِ يَثِبُ أَحَدُهم على رِجْل وَاحِدَةٍ كذا في الصّحَاح. وفي الحَدِيثِ: أَنَّ حَيّاً من عادٍ عَصَوْا رَسولَهُم فمَسَخَهُم اللهُ نَسْنَاساً لكلِّ إِنْسَانٍ مِنْهم يَدٌ ورِجْلٌ من شِقٍّ وَاحِدٍ يَنْقُزُونَ كما يَنْقُزُ الطَّائِرُ ويَرْعَوْنَ كما تَرْعَى البَهائِمُ ويُوجَدُ في جَزَائرِ الصِّينِ وقيل: أُولئِكَ إنْقَرَضُوا لأَنَّ المَمْسُوخَ لا يَعِيشُ أَكثَرَ من ثلاثَةِ أَيّامٍ كما حَقَّقه العُلَمَاءُ والمَوْجودُ علَى تِلك الخِلْقَةِ خَلْقٌ عَلَى حِدَةٍ أَو هم ثَلاَثَةُ أَجْنَاسٍ: ناسٌ ونِسَنْاسٌ ونَسَانِس قالَه الجاحِظُ وأَنشد لِلْكُمَيْت:

فما النَّاسُ إِلاَّ تَحْتَ خَبْءٍ فِعالِهِمْ :: ولَو جَمَعُوا نَسْنَاسَهُمْ والنَّسَانِسَا

وقيلَ: النَّسْنَاسُ السَّفِلَةُ والأَرْزَالُ أَو النَّسَانِسُ: الإِنَاثُ مِنْهُم كما قالَه أَبو سَعِيدٍ الضَّريرُ. أَو هُمْ أَرْفَعُ قَدْراً من النَّسْنَاس كما في العُبَابِ أَو هُمْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ في قولِ ابنِ الأَعْرَابِيّ أَو هُمْ قَوْمٌ مِن بَنِي آدَمَ أَو خَلْقٌ علَى صُورَةِ النّاسِ أَشْبَهُوهم في شَيْءٍ وخَالَفُوهم في أَشْيَاءَ ولَيْسُوا منْهُم كما في التَّهْذيبِ. وقال كُراع: النَّسْنَاسُ فيما يُقَال: دابَّةٌ في عِدَادِ الوَحْشِ تُصَادُ وتُؤْكَلُ وهي علَى شَكْلِ الإِنسان بعَيْنٍ وَاحدَةٍ ورِجْلٍ ويَدٍ تَتَكَلَّم مثْلَ الإِنْسَانِ. وقَال المَسْعُودِيُّ في النّسْنَاسِ: حَيَوَانٌ كالإِنْسَان له عَيْنٌ وَاحِدَةٌ يَخْرُجُ مِن الماءِ ويَتَكَلُّمُ وإِذا ظَفِرَ بالإِنْسَانِ قَتَلَه. وفي المُجَالَسة عن ابنِ إِسْحَاق: أَنَّهُمْ خَلَقٌ باليَمَنِ. وقال أَبو الدُّقَيْشِ: يُقَال: إِنَّهُم من وَلَدِ سامِ بن سامِ إِخْوَة عادٍ وثَمُودَ ولَيْسَ لهُم عُقُولٌ يَعيشُون في الآجَامِ على شَاطيءِ بحرِ الهِنْدِ والعَرَبُ يَصْطَادُونَهُمْ ويُكَلِّمُونَهُمْ وهم يَتكلَّمُون بالعَربيَّةِ ويَتَنَاسَلُون وَيَقُولُون الأَشْعَارَ ويَتَسَمَّوْن بأَسْمَاءِ العَربِ. وفي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضِيَ الله تَعالَى عنه: ذَهَبَ النّاسُ وبَقِيَ النِّسْنَاسُ. قيل: فما النِّسْنَاسُ ؟ قال: الَّذين يَتَشبَّهون بالنّاسِ ولَيْسُوا مِن النّاسِ وأَخْرَجَه أَبو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عن ابنِ عَبّاسٍ. قال السُّيُوطيّ في دِيوَان الحَيَوانِ: أَمّا الحَيَوَانُ الَّذي تَسَمِّيه العَامَّةُ نِسْنَاساً فهو نَوْعٌ من القِرَدَةِ لا يَعيشُ في الماءِ ويَحْرُم أَكْلُه وأَمَّا الحَيَوانُ البَحْرِيُّ ففيه وَجْهَانِ وإخْتَارَ الرُّويَانيُّ وغيرُه الحِلَّ. وقال الشيخُ أَبو حامِدٍ: لا يَحِلُّ أَكْلُ النِّسْنَاسِ لأَنَّه على خِلْقةِ بَنِي آدَمَ.

ما يلي كلام جواد علي عن “الشِّق” (نقلا عن “الحيوان” للجاحظ)، والشق هم فصيلة من الجن يتحدر منها النسناس حسب بعض الكتاب المسلمين:

ومن الجن جنس صورة الواحد منهم على نصف صورة الإنسان، واسمه “شق”، وانه كثيرا ما يعرض للرجل المسافر اذا كان وحده، فربما هلك فزعاً، وربما أهلكه ضربا وقتلاً. ورووا في ذلك قصصاً. منه ما زعموه من أن “علقمة ابن صفوان بن أمية بن محرث الكناني” جد “مروان بن الحكم”، خرج في الجاهلية، وهو يريد مالاً له بمكة، وهو على حمار، وعليه إزار ورداء، ومعه مِقرعة، في ليلة اضحيانة، حتى انتهى إلى موضع يقال “حائط حزمان”، فاذا هو بشقّ له يد ورجل وعين، ومعه سيف، وهو يقول:

علقم إني مـقـتـول :: وإن لحمي مأكـول

أضربهم بالهـذلـول :: ضرب غلام شملول

رحب الذراع بهلول

فقال علقمة:

ياشقها ما لي ولك :: اغمد عني مُنصلك

تقتل من لا يقتلك

فقال شق:

عبييت لك عبيت لـك :: كماّ أتيح مقـتـلـك

فاصبر لما قد حم لك

فضرب كل واحد منهما صاحبه فخرّا ميتين.

المستشرقون اختلفوا في تحديد المقصود أصلا بالنسناس عند العرب فقيل أنها أنواع من القردة العليا الشبيهة بالبشر وقيل أنها البشر الأقزام (pygmies) وقيل أن الكلمة مأخوذة من اليونانية. الظاهر من نصوص الكتاب المسلمين هو أن كلمة “النسناس” تطلق على نوعين من الكائنات: النوع الأول هو كائنات خرافية كالغول والعنقاء والعماليق تتحدر من “الشق” ولها عين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة، والنوع الثاني هي كائنات حقيقية من الرئيسيات (primates ، أنواع من القردة العليا أو الإنسانيات)، وهذه هي التي يقصدها أبو حامد الغزالي مثلا عندما يقول أن أكلها حرام.

القرود عموما هي كائنات لها مكانة خاصة عند شعوب المنطقة قديما. المصريون القدماء كانوا يؤلهون القرود، والعرب قديما كانوا يعتبرونها حيوانات محرّمة وذات طبيعة نصف إلهية أو نصف جنية. بعض الكتاب المسلمين قالوا أن القرود هي من جنود سليمان وأنها كانت تساعده في حراسة الجن، مما يدل على الطبيعة نصف الجنية أو نصف الإلهية للقرود. ابن الفقيه الهمداني والمسعودي قالا أن من بين أصناف القرود صنف ما زال يضع ختم سليمان على رقبته. الربانيون اليهود ذكروا في التلمود أسطورة مسخ بعض بناة برج بابل إلى قرود، وهذه القصة على ما يبدو هي مصدر ما يرويه الكتاب المسلمون عن مسخ أحياء من عاد وثمود إلى قرود أو نسانيس. اليهود على ما يبدو هم من أدخلوا إلى العقل العربي فكرة مسخ البشر إلى قرود، وهذا ربما يكون سبب وجود القصة العربية التي تتحدث عن مسخ بعض اليهود قديما إلى قرود.

المهم مما سبق هو أن العرب قديما كانوا يعتبرون القرود كائنات جنية أو شبيهة بالجن، ومن هنا نشأ الربط بين النسناس والجن. النسناس أصلا هو كائن وسط بين الإنسان والقرد، أي أنه على الأغلب نوع قديم من الرئيسيات، ولكن بما أن القرود هم من الجن حسب العقل العربي تحولت الأسطورة مع الزمن إلى أن النسناس كائن وسط بين البشر والجن.

لا أدري إن كانت هناك علاقة بين ما سبق وبين تسمية مكة بـ” النَّاسَّة”. إن كانت كلمة “يهوه نِسِّيْ” التي أطلقها موسى على مذبح رفيديم مرتبطة بكلمة “النَّاسَّة” التي تطلق على مكة فهذا ربما يكون دليلا آخر على وجود ارتباط بين مكة وبين طقوس استخراج الماء القديمة، وإن كان اسم “النسناس” مرتبطا بكلمة “الناسة” وبكلمة “يهوه نِسِّيْ” فهذا ربما يدل على أن اسم “النسناس” هو ذو جذور خرافية قديمة لها علاقة بطقوس استخراج الماء. الكتاب المسلمون ذكروا أن واحة “يبرين” شرق اليمامة هي من مواطن النسناس، وهذا يوحي بأن النسناس كالعملق يعيش قرب مصادر الماء، وربما كانت مكة قديما من مواطن النسناس ولذلك سميت الناسّة. القصة التي نقلتها في الأعلى عن الجاحظ تدل على أن “حائط حزمان” قرب مكة هو من مواطن الشق جد النسناس.

فيما ما سبق استعرضت بعض أسماء الكائنات الخرافية المعروفة عند اليهود والعرب قديما والتي يبدو أن لبعضها ارتباطا بآبار الماء. بالنسبة لوصف هذه الكائنات بأنها ضخمة الحجم فهذا ليس بالضرورة صفة أصلية من صفاتها، لأن صفة الضخامة تطلق على الشعوب أو الكائنات القديمة عموما.

ما يلي من سفر عاموس:

(عاموس: 2)
9. تفعَلونَ هذا كلَّهُ وأنا الّذي أزالَ مِنْ أمامِكُمُ الأمورِيِّيِنَ الّذينَ مِثلُ قاماتِ الأَرْزِ قاماتُهُم ومِثلُ البلُّوطِ صلابَتُهم…

هنا وصف الأموريون بالضخامة، ولكن الأموريين ليسوا كائنات خرافية بل هم شعب حقيقي عاش حتى الألفية الثانية قبل الميلاد، وبالتالي صفة الضخامة ليست مرتبطة بالكائنات الخرافية فقط بل هي تطلق على كل القدماء الغابرين، وهذه ثيمة معروفة في أدبيات الشرق الأوسط وهي موجودة بكثرة في الروايات الإسلامية (مثلا عند المسلمين هناك روايات تصف آدم أبو البشر بالضخامة وتقول أن طوله كان ستين ذراعا). هذه الثيمة نابعة في الأصل من القصص السومرية التي كانت تصور القدماء على أنهم كائنات إلهية أو نصف إلهية وأنهم فقدوا طبيعتهم الإلهية بعد أن عصوا الآلهة أو إلها معينا، وبعض الباحثين يرون أن سبب وجود فكرة القدماء الضخام في التراث الإنساني هو اكتشاف البشر لأحافير/مستحاثات الكائنات القديمة الضخمة كالديناصورات والحيتان.

كلمة “عملق” في اللغة العربية تعني في الأصل قلة الماء وتلوثه كما قال ابن منظور، وأما المعنى المتعلق بالضخامة فهو معنى ثانوي نشأ من الثيمة التاريخية التي تصور القدماء بأنهم ضخام، والدليل هو أن اللغة العبرية تستخدم كلمة “رفئين” بمعنى الكائنات الضخمة أيضا، رغم أن هذه الكلمة لم يكن لها في الأصل علاقة مباشرة بالضخامة.

تكملة المقال موجودة هنا.

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s