أنساب التوراة (3)

هذا الموضوع هو استكمال للحديث الذي بدأته عن الأنساب التوراتية، والذي هو حديث متفرع من موضوع بلاد العرب. سوف أكمل الحديث عن الأنساب التوراتية وبعد ذلك سأعود لإكمال الموضوع الأصلي.

هذا المقال فيه استدراك لبعض النقاط التي أهملت ذكرها في المقال الماضي.

لرؤية الرموز الأجنبية المستخدمة في هذا المقال وبقية المقالات حمل ونصب هذا الخط. لمعرفة أصوات الرموز انظر هذا المقال.


هبل

في المرة الماضية تحدثت عن قَيْن وهَبْل (قابيل وهابيل) وأظهرت الربط بين هاتين الشخصيتين وبعض القصص الدينية القديمة في الشرق الأوسط (Enkimdu وDumuzi السومريين، Set وOsiris المصريين، إلخ).

وذكرت في المرة الماضية أصل اسم قين (الحداد) وكيف عثر عليه في كتابات حجازية ويمنية قديمة. ما لم أتحدث عنه بما يكفي هو اسم أخيه هبل (الراعي). طبعا من المستحيل علي في هذا العرض الوجيز أن أغطي كل المعلومات الموجودة في الكتب وإلا فإنني سأضطر لتأليف موسوعة، ولكن ما أقوم به هو أنني أمر على بعض المعلومات المهمة بشكل سريع ووجيز.

بالنسبة لاسم هبل فأنا ذكرت النظرية الأقرب إلى الصحة في رأيي، ولكن هناك نظريات أخرى منها أن الاسم مأخوذ من كلمة aplu الأكدية التي تعني “وريث” (من ibila السومرية)، وهناك نظريات أخرى ولكنها كلها ضعيفة والتفسير الصحيح هو أن هبل مأخوذة من جذر سامي يعني “الرعي”.

اسم “هبل” عثر عليه في كتابات نبطية قديمة (“هبلو”) مقرونا مع اسم الإلهة مناة (“منوتو”)، وهذا يدل على أن “هبل” كان إلها عند النبطيين في جبل الشراة وشمال الحجاز. لا أدري إن كان هذا الاسم عثر عليه في مناطق أخرى ولكن من المعروف لدى المسلمين أن “هُبَل” كان اسم إله مكة الأكبر قبل الإسلام.

كلمة هُبَل Hubal عند اللغويين العرب هي وزن معدول، أي أنها مثل كلمة عُمَر المعدولة عن عامِر حسب قول سيبويه، وأنا لا أدري لماذا اعتبر اللغويون العرب أصل عُمَر هو من عامِر. لماذا لا يكون أصلها من عَمْرو مثلا؟ أنا أذكر أنني قرأت لأحد المستشرقين أن أصل عُمَر هو من عَمْرو:

ʕamr > ʕumar

الصفات التي على وزن فُعَل fuʕal أو فُعال fuʕāl يكون لها في العادة معان مرتبطة بعالم الجن والأرواح والآلهة. مثلا كلمة قُزَح Quzaḥ قال فيها ابن منظور ما يلي:

وقوسُ قُزَحَ: طرائق متقوسةٌ تَبْدو في السماءِ أَيام الربيع، زاد الأَزهري: غِبَّ المَطر بحمرة وصُفْرة وخُضْرة، وهو غير مصروف، ولا يُفْصَلُ قُزَحُ من قوس؛ لا يقال: تأَمَّلْ قُزَحَ فما أَبْيَنَ قوسه؛ وفي الحديث عن ابن عباس: لا تقولوا قوسُ قُزَحَ فإِن قُزَحَ اسم شيطان، وقولوا: قوس الله عز وجل؛ قيل: سمي به لتسويله للناس وتحسينه إِليهم المعاصي من

التقزيح، وهو التحسين؛ وقيل: من القُزَحِ، وهي الطرائق والأَلوان التي في القوس، الواحدة قُزْحة، أَو من قَزَحَ الشيءُ إِذا ارتفع، كأَنه كره ما كانوا عليه من عادات الجاهلية وأَن يقال قوسُ الله فَيُرْفَعَ قدرُها، كما يقال بيت الله، وقالوا: قوسُ الله أَمانٌ من الغرق؛ والقُزْحة: الطريقة التي في تلك القَوس. الأَزهري: أَبو عمرو: القُسْطانُ قَوْسُ قُزَحَ. وسئل أَبو العباس عن صَرْفِ قُزَحَ، فقال: من جعله اسم شيطان أَلحقه بزُحَل؛ وقال المبرد: لا ينصرف زُحل لأَن فيه العلتين: المعرفة والعدل؛ قال ثعلب: ويقال إِن قُزَحاً جمع قُزْحة، وهي خطوط من صفة وحمرة وخضرة، فإِذا كان هذا، أَلحقته بزيد، قال: ويقال قُزَحُ اسم ملك مُوكَّل به، قال؛ فإِذا كان هكذا أَلحقته بعُمر…

نلاحظ في هذا التعريف أن قزح وصف مرة بأنه شيطان ومرة بأنه الله ومرة بأنه ملك.

المقصود بـ”قوس قزح” هو الإله السامي المعروف “قَوْس” الذي ورد ذكره في الكتابات الأكدية والذي كان الإله الرئيسي للإداميين في جبل الشراة. هذا الإله كان معروفا أيضا لدى النبطيين، وهو كان إلها للحرب وكان شعاره القوس.

هذا الإله كان معروفا لدى العرب باسم قَيْس وهو كان من أهم آلهتهم كما يظهر من كثرة تسميهم باسمه (عبد القيس، امرؤ القيس، إلخ). هناك قبائل كاملة من العرب كانت منسوبة لهذا الإله كبني عبد القيس سكان البحرين (المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية).

القبائل التي كانت تسكن غربي نجد (غَطَفان، سُلَيْم، هَوازن،…) تسمى عند النسابين المسلمين باسم قبائل “قَيْس عَيْلان”، وطبعا النسابون المسلمون لم يكونوا يعرفون ما هو معنى “قيس عيلان” ولذلك زعموا أن قيس عيلان هو جد لتلك القبائل وأنه كان شقيقا للياس بن مضر إلخ. بالنسبة لكلمة “عيلان” فهذا شرحها في لسان العرب:

والعَيْلان: الذَّكَر من الضِّباع. وعَيْلان: اسم أَبي قَيْس بن عَيْلان، وقيل: كان اسم فرس فأُضيف إِليه، قال الجوهري: ويقال للناس بن مُضَر بن نِزار قَيْسُ عَيْلان، وليس في العرب عَيْلانُ غيره، وهو في الأَصل اسم فرسه، ويقال: هو لقب مُضَر لأَنه يقال قَيْسُ بن عَيْلانَ

هناك قولان في عيلان: الأول هو أنه اسم أبي قيس بن عيلان (وهذا أسهل التفاسير عند العرب حيث أنهم كلما عجزوا عن تفسير كلمة جعلوها اسما لأب)، والقول الثاني هو أن عيلان هو اسم فرس قيس (وهذا ثاني أسهل تفسير).

كلمة “قيس” هي على ما أعتقد اسم الإله قيس/قوس، وأما كلمة “عيلان” فهي لقب مشتق من الجذر عيل الذي هو مرادف للجذر ربب (يعني الارتفاع والكثرة ويعني أيضا الرعاية)، أي أن معنى قيس عيلان هو “قيس العائل” أو “قيس المعيل” = “قيس الرب”.

بعض النسابين الذين يجعلون عيلان أبا لقيس يطلقون عليه مسمى “عيلان الناس”، وهم يزعمون أن “الناس” هو اسم عيلان وأن كلمة “عيلان” هي لقب يطلق عليه، وهناك نسابون آخرون يزعمون أن “الناس” هو اسم “قيس عيلان” وأن عبارة “قيس عيلان” هي كلها لقب له.

التفسير الصحيح لمصطلح “عيلان الناس” هو “عائل الناس” أو “رب الناس”، وهذه العبارة هي كلها لقب لقيس وليست اسما لأبيه المزعوم، وكلمة “الناس” هي جزء من اللقب وليست اسما (“قيس عيلان الناس” = “قيس عائل الناس” أو “قيس رب الناس”).

تحويل الاسم من “قوس” إلى “قيس” هو أمر معتاد في اللغات السامية. اللغات السامية الجنوبية (اليمنية والحبشية) هي أكثر اللغات السامية ميلا للياء في الجذور الجوفاء (التي تحوي ياء أو واوا في وسطها)، واللغات السامية الشرقية (الأكدية) هي أكثر اللغات السامية ميلا للواو في هذه الجذور. اللغات السامية الغربية (التي تضم العربية) تقع في موقع وسط بين الاثنتين. اللهجات العربية الشرقية (لهجات البحرين وتميم) تميل للواو، أما اللهجات الغربية (الحجاز وغرب نجد) فتميل للياء. مثلا تميم كانوا يقولون حَوث وأهل الحجاز يقولون حَيث، وتميم يقولون قُنْوَة وأهل الحجاز قِنْيَة، وتميم يقولون صوَّم ونوَّم وأهل الحجاز صيَّم ونيَّم، وتميم يقولون اللذون وأهل الحجاز اللذين، وهكذا.

في كتابات معين اليمنية عثر على اسم شخصي هو “قيس منوت” (قيس مناة)، وتركيبة هذا الاسم دفعت بعض المستشرقين للشك في كون اسم قيس العربي مرادفا لاسم الإله الشمالي قوس، وبعضهم رأى أن كلمة قيس هي في الأصل كلمة يمنية لم تكن اسما لإله ولكن بني كندة اليمنيين الذين كانوا يحكمون نجد في العصور القديمة استخدموا هذه الكلمة كترجمة لاسم الإله قوس الشمالي وبذلك انتشر اسم الإله قيس في نجد والبحرين. هذه النظرية في رأيي ليست ضرورية لأن كلمة قيس ربما كان لها استخدامان: اسم علم شخصي واسم إله. هناك لدى العرب أشخاص اسمهم “قيس” وهذا لا يعني أنهم آلهة ولكنهم ببساطة يتشاركون مع الإله في الاسم. لدى عرب حمص قديما كان هناك إله اسمه عَزيز، وعزيز أيضا هو اسم شخصي عادي. كلمة “قين” هي كانت اسما لإله على الأغلب ولكنها أيضا تستخدم بمعنى حداد أو صانع عادي.

اسم “قيس مناة” شبيه باسم “قين مناة” الذي عثر عليه في شمال الحجاز. الكلمة الأولى في كلا الاسمين يمكن أن تكون اسما لإله أو اسما لشخص عادي.

لو فرضنا أن اسم “قيس” يمني الأصل فربما تكون كلمة “عيلان” كذلك. كلمة عيلان هي كلمة غامضة المعنى عند الكتاب المسلمين كما يظهر من شرحها في لسان العرب. ربما تكون عيلان كلمة يمنية بمعنى العَيل (على أساس أن الألف الممدودة والنون هما أداة التعريف اليمنية). في هذه الحالة تكون عَيلان ʕaylān هي على وزن قيس qays ولكن الفرق هو أن الأولى معرّفة. طبعا هذا الكلام هو مجرد تخرص بحت، وأنا نظرت في قاموس بيستون السبئي ولم أجد هذا الجذر. كلمة عيلان ربما تكون مجرد كلمة عربية قديمة على وزن فَعْلان.

خلاصة ما سبق هي أن “قوس” هو في الأصل إله، وكلمة “قُزَح” هي لقب له مشتق من الجذر قزح الذي يعني التلون والتبدل. الإله قوس كان في الإصل إلها للحرب ولكن العرب ربطوا بينه وبين القوس الذي يظهر في السماء بعد المطر (لأن شعار الإله قوس هو قوس الرماية)، ومن هنا ربما جاء وصفه بـ”عيلان” على أساس أنه كان ينزل المطر على أتباعه. النظير اليوناني لقوس قزح العربي هو الإلهة Iris التي كانت من ملائكة السماء وزميلة للإله الملاك Hermes,

إذن كلمة قُزَح هي لقب للإله قوس، والرسول على ما يبدو وصف قوس قزح بأنه شيطان، ولكن الكتاب المسلمين (الذين ينتمي معظمهم للعصر العباسي) لم تصلهم الرواية واضحة فظنوا أن كلمة قزح لوحدها هي اسم لشيطان أو ملاك.

إلى جانب قُزَح هناك ألقاب لكائنات روحية كثيرة على وزن فُعَل منها ما يلي:

  • زُحَل Zuḥal الذي يطلق على أبعد الكواكب المعروفة قديما، والمعنى مأخوذ من البُعد.
  • الزُّهَرَةُ Zuharat الكوكب المعروف، نجمة الصباح أو نجمة المساء، والمعنى مأخوذ من الضياء.
  • العُزَّى الإلهة العربية الشهيرة (أصل اسمها *ʕuzazay من الجذر عزز) والمقصود بها كوكب الزهرة.

(علامة النجمة  قبل كلمة معينة تعني أن هذه الكلمة غير موجودة في اللغة بهذا الشكل وإنما هي إعادة إنتاج لكلمة قديمة مفترضة. مثلا كلمة *ʕuzazay هي غير موجودة في اللغة العربية بهذا الشكل ولكن الموجود هو ʕuzzā.)

أما على وزن فُعال فهناك مثلا كلمة ذُكاء *Ḏukāy التي تطلق على الشمس (إحدى أهم آلهة العرب). ما يلي من لسان العرب:

وذُكاءُ، بالضم: اسمُ الشمس، معرفة لا يَنْصَرِف ولا تدْخُلها الأَلِفُ واللام، تقول: هذه ذُكاءُ طالِعةً، وهي مُشْتَقَّة من ذَكَتِ النارُ تَذْكُو، ويقال للصُّبْح ابنُ ذكاء لأَنه من ضَوْئها؛ وأَنشد:

فَوَرَدَتْ قبل انبِلاج الفجرِ :: وابنُ ذُكاءَ كامِنٌ في كَفْرِ

وقال ثعلبة بن صُعَير المازنيّ يصف ظَلِيماً ونَعامة:

فتذَكَّرا ثَقَلاَ رَثِيداً بَعْدَما :: أَلْقَتْ ذُكاءُ يمينَها في كافِرِ

هناك أيضا مصطلح الضُحَى *Ḍuḥay أو الضُّحاء *Ḍuḥāy الذي يطلق على طلوع الشمس. فترة الضحى كانت أقدس فترات اليوم عند العرب وكان يجلسون فيها ويستقبلون الشمس، وصلاة الضحى من عبادات قريش قبل الإسلام وهي موجودة أيضا في الإسلام.

هناك أيضا كلمة عُطارِد ʕuṭārid التي هي على وزن فُعالِل الملحق بوزن فُعال. ما يلي معنى عطارد من اللسان:

عطرد: ناقة عَطَرَّدَةٌ: مرتفعة. ورجل عَطَرَّد، بتشديد الراء: طويل. وسير عَطَرَّد: كعطوَّد. ويوم عطرَّدٌ وعطوَّدٌ: طويل. وطريق عطرَّد: ممتدّ طويل، وشأْوٌ عَطَرَّدٌ.

ويقال: عَطْرِدْ لنا عندك هذا يا فلان أَي صَيِّره لنا عندك كالعِدَة واجعله لنا عُطْروداً مِثْلُه؛ قال: ومنه اسم عُطارِدٍ. وعُطارِدٌ: كوكب لا يفارق الشمس. قال الأَزهري: وهو كوكبُ الكتاب. وقال الجوهري: هو نجم من الخُنَّسِ. وعُطارِدٌ: حَيٌّ من سَعْد، وقيل: عُطارِدٌ بطنٌ من تَميمٍ رَهْطُ أَبي رَجاءٍ العُطاردي.

إذن معنى عطارد هو من العلو والارتفاع، وطالما أنها كانت تطلق على بعض القبائل فهذا يعني أنها كانت من معبودات العرب كبقية الكواكب.

اللغات السامية الغربية (تحديدا العربية والكنعانية) تتميز عن بقية اللغات السامية بصيغة الفعل المبني للمجهول التي تبدأ بحرف مضموم:

عربي عبري
فُعِل fuʕil
فُعِّل fuʕʕil *puʕʕal
أُفْعِل ʔufʕil *hupʕal

 
اللغة العبرية فيها هاتان الصيغتان فقط (*puʕʕal و *hupʕal)، وبقية اللغات السامية ليس فيها أفعال مبنية للمجهول من هذا النمط (هناك في الآرامية آثار تدل على احتمال وجود هكذا أفعال قديما).

هذه الأفعال التي تبدأ بحرف مضموم تعود في رأيي إلى نفس الأصل الذي تعود له صيغتا فُعَل وفُعال. المعنى الأصلي هو البناء للمجهول (passive voice).

وزن فُعال يرد كثيرا في العربية في الكلمات الدالة على المرض (سعال، صداع، جذام، إلخ). تفسير هذا على ما أعتقد يعود إلى الرؤية العربية القديمة للمرض. المرض بالنسبة للعرب (وغيرهم) كان حالة مجهولة السبب، والقدماء كانوا يربطون المرض في الغالب بمس الجن أو الشياطين أو الآلهة أو غيرها من القوى الخفية.

هناك في اللغة العربية أيضا أسماء مثل عُمَر وسُعاد. هذه الأسماء تيمنية. المقصود باسم عُمَر هو تمني طول العمر، والمقصود بسعاد هو تمني السعد. الأسماء التيمنية المحتوية على أسماء آلهة أو أرواح هي أسماء شائعة جدا لدى الساميين (مثلا “يسمع إل” = “الله يسمع”، “يرحم إل” = “الله يرحم”، إلخ). المقصود باسمي عُمَر وسُعاد هو في رأيي نفس هذا المعنى ولكن بدون التصريح باسم القوة الروحية التي ستسبب طول العمر أو السعد.

الصيغ الاسمية مضمومة الحرف الأول كانت في الأصل تعني البناء للمجهول ولكن معناها تطور وصارت تقرن بالآلهة والكائنات الروحية، والسبب هو أن الكائنات الروحية هي بحد ذاتها كائنات مجهولة وخفية. طبعا هذا التطور لم يحدث إلا في اللغة العربية وربما في الكنعانية أيضا (الكنعانية هي أقرب اللغات السامية إلى العربية، واللغة العبرية هي لغة كنعانية).

بعد كل هذا الاستطراد الطويل أعود إلى الموضوع الأصلي وهو اسم الإله المكي هُبَل. كلمة هُبَل هي كلمة معدولة من هَبْل أو هابل، وكلا الكلمتين تعنيان الراعي، وأنا أرى أن هُبَل Hubal المكي هو ربما نفسه هَبْل *Habl التوراتي شقيق قين.

اسم قين عثر عليه في كتابات حجازية ويمنية كاسم لإله على الأغلب، واسم هبل عثر عليه في كتابات نبطية وربما كتابات أخرى لا أعلمها. الرواية الإسلامية تقول أن من أحضر هُبَل إلى مكة هو “عمرو بن لُحَي” مؤسس قبيلة خُزاعة. هذا الرجل حسب الكتاب المسلمين هو “أول من غير دين اسماعيل عليه السلام ونصب الأوثان وسيب السائبة وبحر البحيرة ووصل الوصيلة وحمى الحام”، بمعنى آخر هو من اخترع دين قريش بالكامل.

قال ابن تيمية:

هذا كما كانت العرب عليه قبل ان يبتدع عمرو بن لحي الشرك وعبادة الاوثان فانهم كانوا حنفاء يعبدون الله وحده ويعظمون ابراهيم واسماعيل…

وفي مسند أحمد:

إن أول من سيب السوائب و عبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر و إني رأيته يجر أمعاءه في النار.

من أين أحضر عمرو بن لحي الأصنام؟ هناك روايتان، واحدة تقول أنه أحضرها من هِيت في العراق وأخرى تقول أنه أحضرها من مآب في الشام. ما يلي رواية ابن هشام:

حدثني بعض أهل العلم : أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره ، فلما قدم مآب من أرض البلقاء ، وبها يومئذ العماليق – وهم ولد عملاق . ويقال عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح – رآهم يعبدون الأصنام ، فقال لهم : ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون ؟ قالوا له : هذه أصنام نعبدها ، فنستمطرها فتمطرنا ، ونستنصرها فتنصرنا ، فقال لهم : أفلا تعطونني منها صنما ، فأسير به إلى أرض العرب ، فيعبدوه ؟ فأعطوه صنما يقال له هبل ، فقدم به مكة ، فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه .

هذه الرواية أصح من رواية هيت لأن أصل هبل على الأغلب هو من هذه المنطقة، أي منطقة جبل الشراة وما حولها، واليهود أخذوا أسماء قين وهبل من هذه المنطقة (كما أخذوا الكثير من تراثهم ودينهم، والكتاب اليهودي يعترف أصلا بأن جذور بني إسرائيل تعود إلى هذه المنطقة).

قين وهبل على ما يبدو هما إلهان قديمان كان يعبدان في منطقة جبل الشراة وشمال الحجاز، ومن تلك المنطقة انتشرت عبادة هبل جنوبا حتى وصلت إلى مكة. اسم هُبَل المكي هو على ما يبدو معدول عن هَبْل.

بالنسبة لعمرو بن لحي فهو عند المستشرقين شخصية أسطورية وهم يرون أن القصة المنسوبة إليه مفبركة لأهداف ومرام معينة. الملفت في اسم عمرو بن لحي هو كلمة لٌحَيّ Luḥayy التي هي تصغير للَحْي laḥy. ما يلي من اللسان:

واللِّحْيانُ: خُدود في الأَرض مما خدَّها السيل، الواحدة لِحْيانةٌ. واللِّحيان: الوَشَل والصَّديعُ في الأَرض يَخِرّ فيه الماء، وبه سميت بنو لِحْيان، وليست تثنية اللَّحْي. ويقال: أَلْحى الرجلُ إِذا أَتى ما يُلْحَى عليه أَي يُلامُ، وأَلْحَت المرأَة؛ قال رؤبة: فابْتَكَرَتْ عاذلةً لا تُلْحي

وفي حديث ابن عباس، رضي الله عنهما: أَن النبي، صلى الله عليه وسلم، احْتَجَمَ بلَحْيَيْ جَمَلٍ، وفي رواية: بلَحْي جَمَلٍ؛ هو بفتح اللام، وهو مكان بين مكة والمدينة، وقيل: عقبة، وقيل: ماء. وقد سمت لَحْياً ولُحَيّاً ولِحْيانَ، وهو أَبو بطن. وبنو لِحْيان: حَيٌّ من هذيل، وهو لِحْيان بن هذيل بن مُدْرِكة.

على ما يبدو فإن كلمة لٌحَيّ مرتبطة بمعنى اللوم والتقريع، والسبب طبعا هو أن عمرو بن لحي شخصية تستحق التقريع كونه هو من اخترع الديانة العربية القديمة. ومن الممكن أيضا أن تكون كلمة لٌحَيّ تعني “مجرى ماء” أو شيء من هذا القبيل، وهذا المعنى يذكرنا بالجُبّ الذي كان صنم هبل موضوعا فيه داخل الكعبة والذي زعم الكتاب المسلمون أن عمرو بن لحي هو من نصب هبل عليه. أيضا من الممكن أن يكون هناك رابط بين اسم لٌحَيّ وبين اللحيانيين الذين كانوا يسكنون شمال الحجاز في العصور القديمة. إذا كانت عبادة هبل وصلت إلى مكة من النبطيين فهذا يعني أنها مرت عبر اللحيانيين لأن اللحيانيين كانوا يسكون إلى الجنوب مباشرة من النبطيين (في ددن وما حولها)، وبالتالي ربما يكون اسم “عمرو بن لحي” مستوحى من بني لحيان القدماء.



سِت

في المقال الماضي تحدثت عن سِت (شيث) ابن آدم وربطت بين اسمه وبين الإله المصري Set، ولكنني قرأت لاحقا أن هناك من يربطون بين اسم سِت التوراتي وبين قبائل السُّت Sutû التي ورد اسمها في المصادر الأكدية وفي ألواح العمارنة الكنعانية. هذه قبائل نصف بدوية كانت تجوب الصحراء السورية في الألفية الثانية قبل الميلاد وفي بداية الألفية الأولى، وبعضها كان يعيش في منطقة عربية الصخرية ويعمل تحت إمرة المصريين. بعض الباحثين يرون أنها نفسها š3sw (“شأسيون”) المصرية وآخرون يربطونها بكلمة sṯtyw/sttyw (“ستشتيون” أو “ستتيون”) التي تشير إلى المشرقيين عموما. في كل الأحوال هذه الكلمة هي على ما يبدو مصدر اسم سِت التوراتي. هَبل كان راعيا وبعد وفاته حل محله سِت الذي هو اسم لقبائل نصف بدوية كانت تعيش قرب فلسطين في نفس منطقة قين وهبل. هذا الاشتقاق لا يمنع أن تكون قصة ست متأثرة بقصة ست المصري أو بقصة أخرى شبيهة بها.

متُوسَئِل/متُوسِلَح

Hades

 
في المرة الماضية أنا فسرت اسم متُوسِلَح على أنه مركب من “موت” و”سلح” وقلت أن الاسم الثاني هو على الأغلب اسم لإله سوري قديم له علاقة بالسلاح، ولكنني فسرت اسم متُوسَئِل (الذي هو نظير متُوسِلَح عند المصدر J ) على أنه يعني “الباحث عن الله”، وهذا التفسير ضعيف ولا يتوافق مع اسم متُوسِلَح.

المقطع الأول في هذه الأسماء هو كلمة mutu الأكدية التي تعني “رجل قريب” أو “زوج”، وهي تختلف عن كلمة “موت” mūtu (في الأكدية aw تتحول دائما إلى ū). كلمة mutu هي كلمة سامية يقابلها كلمة “مت” في أجاريت وكلمة mǝt في الحبشية الجعزية. كلمة mutu وردت في أسماء سورية كثيرة من الألفية الثانية قبل الميلاد، مثلا في ألواح العمارنة الكنعانية عثر على muutbaaḫl(u) (“مُت بَعْل” أي “رجل بعل” أو “امرؤ بعل”). الميم في مُتُوسَئِل/مُتُوسِلَح يجب أن تكون مضمومة وليست مفتوحة.

بالنسبة لاسم مُتُوسَئِل فهو مركب من mutu وكلمة أخرى لها على الأغلب نفس أصل كلمة “سُؤال” שְׁאוֹל (اللفظ الطبري: šəʔôl، بالإنكليزية: Sheol) التي يطلقها الكتاب اليهودي على عالم الأموات أو الأرض السفلى (ʔereṣ taḥtiyyôṯ). الكتاب اليهودي يتعامل مع كلمة “سؤال” أحيانا وكأنها اسم علم شخصي، وهو يتعامل مع كلمة “موت” أيضا بنفس الطريقة، وهذا ما دفع الباحثين للربط بين الكلمتين وبين الآلهة السامية القديمة كالإله مَوت مثلا الذي هو تجسيد للموت في ديانة أجاريت وغيرها. الترجمة اليونانية للكتاب اليهودي التي أعدها يهود في الإسكندرية في القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد تستخدم كلمة Hadēs اليونانية كترجمة لكلمة سؤال العبرية، و Hadēs هو اسم الإله اليوناني المعروف المعبر عن عالم الأموات أو الأرض السفلى. هذا دليل واضح على أن مفهوم “سؤال” عند اليهود هو نفس مفهوم إله الموت أو إله الجحيم في الديانات القديمة.

إذن القسم الثاني من كلمة مُتُوسَئِل هو في رأي كثير من الباحثين مرتبط بـ”سؤال”، وهو على الأغلب اسم لإله سوري قديم له علاقة بالأرض السفلى أو الجحيم، وهذا الإله له علاقة بالإله “سلح” الوارد ذكره في متُوسِلَح والذي يرى كثير من الباحثين أنه اسم لإله سوري قديم هو عبارة عن نهر في الأرض السفلى أو الجحيم (“سلح” في أجاريت هو اسم لنهر الموت في الأرض السفلى، ولقد عثر على كلمة “سلح” في أسماء شخصية كنعانية مثل “سلح” و”أب سلح” و”مسلح” و”أسد سلح”). إذن اسم “متُوسَئِل” له معنى مشابه لمعنى “متُوسِلَح”.

مصادر

• David Noel Freedman, The Anchor Bible Dictionary
• Gary M. Burge, Andrew E. Hill, Baker Illustrated Bible Commentary
• John Phillips, Exploring Genesis: An Expository Commentary
• Geoffrey W. Bromiley, The International Standard Bible Encyclopedia
• John Barton, The Oxford Bible Commentary
• James D. G. Dunn, John William Rogerson, Eerdmans Commentary on the Bible
• K. A. Mathews, The New American Commentary
• Karel van der Toom, Bob Becking, Pieter W. van der Horst, The Dictionary of Deities and Demons in the Bible
• Joseph Blenkinsopp, Creation, Un-Creation, Re-Creation: A Discursive Commentary on Genesis
• Richard James Fischer, Historical Genesis: From Adam to Abraham
• David L. Jeffrey, A Dictionary of Biblical Tradition in English Literature
• Kelley Coblentz Bautch, A Study of the Geography of 1 Enoch 17-19: “no One Has Seen what I Have Seen”
• David Toshio Tsumura, The Earth and the Waters in Genesis 1 and 2: A Linguistic Investigation
• David Toshio Tsumura, Creation And Destruction: A Reappraisal of the Chaoskampf Theory in the Old Testament
• Charles N. Pope, Living In Truth: Archaeology and the Patriarchs
• Allen Austin, The Middle of the Earth
• Gerald Massey, Ancient Egypt – The Light of the World: A Work of Reclamation and Restitution in Twelve Books
• Israel Finkelstein, Amihay Mazar, Brian B. Schmidt, International Institute for Secular Humanistic Judaism. Colloquium, The Quest for the Historical Israel: Debating Archaeology and the History of Early Israel
• Frank Anthony Spina, Israelites as Gerim, ‘Sojourners’, in Historical Context
• Jan Retsö, The Arabs in Antiquity: Their History from the Assyrians to the Umayyads
• Irfan Shahîd, Byzantium and the Arabs in the Fifth Century
• Encyclopaedia of Islam
• The Cambridge Encyclopedia of the World’s Ancient Languages
• Gesenius’ Hebrew grammar
• Arthur Ungnad, Akkadian grammar
• Rebecca Hasselbach, Sargonic Akkadian A Historical and Comparative Study of the Syllabic Texts
• Daniel A. Foxvog, Introduction to Sumerian Grammar
• Theodor Nöldeke, Compendious Syriac Grammar
• Wikipedia, the free encyclopedia
• Encyclopædia Britannica
• Microsoft Encarta
• جواد علي، المفصل في تاريخ العرب
• ربحي كمال، اللغة العبرية
• Claudii Ptolemaei Geographia
• مصدر نص الكتاب المقدس العربي: The Bible Society in Lebanon (مع تصرف شديد)
• مصدر نص الكتاب المقدس العبري: Biblia Hebraica Stuttgartensia
• مصدر نص الكتاب المقدس الإنكليزي: King James Version of the Holy Bible

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s