أنساب التوراة (1)

هذا الموضوع تم اقتطاعه من “بلاد العرب (4)” وتحويله إلى موضوع منفصل.

________________________________________________

تفسير الأنساب التوراتية هو أمر أتعب الباحثين طوال القرون الماضية. هناك أمور لا يختلف عليها اثنان، ومنها مثلا أن شجرة الأنساب لا تعكس أنسابا حقيقية وإنما هي مجرد وسيلة لوصف الأمم والشعوب المحيطة ببني إسرائيل، ولهذا السبب نجد أن الغربيين يسمون شجرة الأنساب باسم “جدول الأمم” Table of Nations.

اختراع الأنساب هو أمر معتاد منذ القدم عند الساميين، وهو مجرد أسلوب لغوي تعبيري لا يعبر عن حقيقة بيولوجية. مثلا التوراة تطلق على الحِتِّيين سكان الأناضول القدماء مسمى “بني حِتّ”. هذه اللفظة لا تعني أنه كان للحتيين جد اسمه حت وإنما هي مجرد تعبير لغوي. الحتيون أخذوا اسمهم من اسم المنطقة التي كانوا يعيشون فيها وليس من اسم جد.

نفس الأمر ينطبق مثلا على الكنعانيين الذين يسمون أنفسهم في النقوش أحيانا باسم “بني كنعان”. هذه اللفظة هي مجرد تعبير لغوي ولا تعني أن للكنعانيين جد اسمه كنعان.

أنساب الشعوب السامية كثيرا ما تكون مأخوذة من أسماء أمكنة، وهذا ما يظهر في الأمثلة السابقة. عند العرب هناك مثلا “آل غَسَّان” الذين كانوا يسكنون جنوب سورية قبل الإسلام والذين يقول الكتاب المسلمون أنهم أخذوا اسمهم من اسم ماء يقال له “غَسَّان” ببلاد عَكّ.

أيضا في كثير من الأحيان تكون الأنساب مأخوذة من أسماء آلهة، وهذا ما يشاهد مثلا عند اليمنيين القدماء. المعينيون سموا أنفسهم في النقوش باسم “أولاد ود” نسبة إلى إلههم وَدّ، والسبئيون سموا أنفسهم “ولد ألمقه” نسبة إلى إلههم ألمقه، والقتبانيون “ولد عم” نسبة إلى إلههم عم. أيضا الآشوريون القدماء هم منسوبون إلى إلههم آشور، وهناك أمثلة أخرى عديدة.

هناك أيضا أنساب نابعة من طوطمية قديمة. مثلا القبائل المنسوبة إلى حيوانات كبني أسد وبني كلب وبني ثعلب وبني ثور وبني بكر وبني ضب وبني غراب وبني فهد إلخ هي ربما تعبير عن طوطمية قديمة ولا تعني وجود أجداد كانوا يحملون هذه الأسماء.

أحيانا يكون النسب نابعا من أسس سياسية أو اجتماعية، وهذا ما كان يحدث كثيرا في الجزيرة العربية. يقول جواد علي:

وأقرب تفسير لأنساب العرب في نظري هو أن النسب، ليس بالشكل المفهوم المعروف من الكلمة، و إنما هو كناية عن “حلف” يجمع قبائل توحدت مصالحها، واشتركت منافعها، فاتفقت على عقد حلف فيما بينها، فانضم بعضها إلى بعض، واحتمى الضعيف منها بالقوي، وتولدت من المجموع قوة ووحدة، وبذلك حافظت تلك القبائل المتحالفة على مصالحا وحقوقها. قال البكري: “فلما رأت القبائل ما وقع بينها من الاختلاف والفرقة، وتنافس الناس في الماء والكلأ، والتماسهم المعاش في المتسع، وغلبة بعضهم بعضاً على البلاد والمعاش، واستضاف القوي الضعيف، انضم الذليل منهم إلى العزيز، وحالف القليل منهم الكثير، وتباين القوم في ديارهم ومحالّهم، وانتشر كل قوم فيما يليهم”.

ويرى “كولدتزيهر” أنه لفهم الأنساب عند العرب، لا بد من معرفة الأحلاف والتحالف فإنها أساس تكوّن أنساب القبائل، فإن هذه الأحلاف التي تجمع شمل عدد من البطون والعشائر والقبائل هي التي تكوّن القبائل والأنساب، كما إن تفكك الأحلاف وانحلالها يسبب تفكك الأنساب وتكوين أنساب جديدة ويرى أيضاً إن الدوافع التي تكوّن هذه الأحلاف لم تكن ناشئة عن حس داخلي بوجود قرابة وصلة رحم بين المتحالفين وشعور بوعي قومي، بل كانت ناشئة عن المصالح الخاصة التي تهم العشيرة كالحماية والأخذ بالثأر وتأمين المعيشة. ولذا نجد الضعيف منها يفتش عن حليف قوي، فانضمت “كعب” مثلاً إلى “بني مازن” وهم أقوى من “كعب”، وانضمت “خزاعة” إلى “بني مدلج”، كما تحالفت “بنو عامر” مع “اياد” وأمثلة أخرى عديدة.

إذن الأنساب عند الشعوب السامية نادرا ما يكون لها علاقة بالمعنى الحقيقي للنسب، بل هي في الغالب نابعة من أسباب جغرافية وسياسية واجتماعية وروحية إلخ. هذه النزعة ما زالت موجودة حتى يومنا هذا. مثلا أنا شاهدت بعض الناس على الإنترنت يطلقون على الوهابيين مسمى “بني وهاب”. هذه الكلمة لا تعني أن للوهابيين جد بيولوجي اسمه وهاب بل هي تسمية مبنية على أساس ديني.

أنساب التوراة اليهودية هي نابعة من هذا المنطق. هي لا تعبر عن أنساب بيولوجية حقيقية بل هي مجرد أسلوب تعبيري لوصف الشعوب المحيطة ببني إسرائيل في العصور القديمة وعلاقتها ببعضها. هذا أمر يتفق عليه كل الباحثين على ما أعتقد. ولكن الباحثين يختلفون في أمور أخرى أهمها تحديد معنى كل اسم من الأسماء الواردة في الأنساب التوراتية، وأيضا هناك خلاف حول ما إذا كانت شجرة الأنساب التوراتية تغطي شعوب العالم بأسره أم أنها تتحدث فقط عن الشعوب المحيطة ببني إسرائيل.

الرأي الشائع هو أن شجرة الأنساب التوراتية تغطي كل العالم المعروف لبني إسرائيل في ذلك الوقت، وهذا يعني أن هذه الشجرة هي إنجاز فريد يختلف عن الأنساب العربية التي تختص فقط بالقبائل العربية دون غيرها من الشعوب. صحيح أن العرب ينسبون نفسهم إلى سام بن نوح ويضمون أنساب قبائلهم إلى الأنساب التوراتية، ولكن هذا تطور لاحق قام به النسابون العرب بعد اطلاعهم على شجرة الأنساب التوراتية.

هل شجرة الأنساب التوراتية هي من اختراع بني إسرائيل؟ أم أنهم أخذوها من مصادر أخرى أقدم منهم وأضافوا أنسابهم إليها كما فعل العرب؟

من المستبعد أن يكون اليهود هم من أنشؤوا شجرة الأنساب التوراتية لأسباب عديدة، منها مثلا أن الشجرة تذكر أسماء شعوب بعيدة عن اليهود، واليهود لم يعرف عنهم في القدم أنهم أصحاب إمبرطوريات أو أصحاب تجارات عابرة للقارات، وبالتالي من أين أتوا بأسماء الشعوب والأمكنة التي تبعد عنهم آلاف الكيلومترات؟ مثل هذه المعلومات تكون موجودة عادة لدى الحضارات الكبيرة كحضارة ما بين النهرين والحضارة المصرية، أما اليهود فهم في أقصى عزهم لم يتمكنوا من السيطرة على فلسطين بكاملها ناهيك عن أن تكون لهم علاقات مع ليبيا والنوبة واليونان وغير ذلك من الأماكن المذكورة في شجرة الأنساب.

الأسفار الخمسة الأولى من الكتاب اليهودي (التكوين، والخروج، واللاويين، والأعداد، والتثنية) يسميها اليهود باسم “التوراة” (القانون أو الشريعة) ويسمونها أيضا “أسفار موسى”. هذه الأسفار هي أقدم أسفار الكتاب اليهودي وهي تحكي قصة نشوء بني إسرائيل والديانة اليهودية حسب وجهة نظر من كتبها. اليهود تقليديا يعتقدون أن موسى هو من كتب هذه الأسفار (بسبب تسميتها بأسفار موسى ربما) ولكن هذا مستبعد لأن الأسفار أصلا تتحدث عن موسى على أنه عاش في زمن بعيد. حاليا الباحثون الغربيون يرون أن هذه الأسفار كتبها كهنة اليهود بدءا من القرن الخامس قبل الميلاد، أي بعد عودة اليهود مما يسمى السبي البابلي في أواخر القرن السادس قبل الميلاد.

الباحثون الغربيون بدءا من القرن 19 كانوا يرون أن التوراة (الأسفار الخمسة الأولى من الكتاب اليهودي) لها أربعة مصادر مختلفة على الأقل:

  • المصدر الأول يسمونه “اليهوي” Jehovist (رمزه J) لأنه يشير إلى الله باسم “يهوه”.
  • المصدر الثاني يسمونه “الإلهي” Elohist (رمزه E) لأنه يشير إلى الله باسم “إلاهيم” أو “إل”.
  • المصدر الثالث يسمونه “التثنوي” Deuteronomist (رمزه D) لأنه مصدر سفر التثنية.
  • المصدر الرابع يسمونه “الكهنوتي” Priestly Source (رمزه P) لأنه من تأليف كاهن أو مجموعة من الكهان.

الباحثون الغربيون يرون أن كهان يهودا قاموا بعد السبي البابلي بتجميع هذه المصادر وأوجدوا منها التوراة. ولكن في العقود الأخيرة نشأ جدل حول صحة هذه النظرية، وحاليا هناك رأي يقول أن J وE هما في الحقيقة مصدر واحد وأنه لا يعود إلى أزمنة سحيقة كما كان يعتقد وإنما كتب قبل السبي البابلي مباشرة أو حتى خلاله، أي في القرن السادس قبل الميلاد. وأما المصدران D وP فهما يعودان للفترة التالية مباشرة للسبي البابلي (أواخر القرن السادس قبل الميلاد أو القرن الخامس قبل الميلاد)، وهناك الآن من يشككون في وجود مصادر اسمها J وE وD وP ويرون أن J وE لم تكن مصادر مجمعة وإنما كانت عبارة عن قصص وقصائد متفرقة، وأما D وP فهي إضافات قام بها الكهنة أثناء تناقلهم للتوراة بعد السبي البابلي.

خلاصة ما سبق هي أن التوراة جمعت لأول مرة في القرن الخامس قبل الميلاد من مصادر متعددة ربما كان عددها أربعة أو أكثر أو أقل، وبعد جمع التوراة تناقلها كهان اليهود جيلا بعد جيل وكل جيل كان يضيف إلى الكتاب اليهودي حسب مستجدات عصره وحسب مدرسته الفكرية والدينية والسياسية. في نهاية القرن الأول الميلادي (بعد “خراب الهيكل”) قرر علماء اليهود وقف الإضافة إلى الكتاب اليهودي، وقرروا أيضا حذف ما أضيف إليه بعد عام 300 قبل الميلاد، وهكذا تم حذف مجموعة من الأسفار هي التي تسمى Apocrypha و Pseudepigrapha. منذ ذلك الوقت صار هناك تمييز بين الكتاب اليهودي (المعروف عند اليهود باسم التَّنَك HatTanakh) وبين ما يكتبه العلماء اليهود والذي لم يعد يضاف إلى الكتاب اليهودي (وتم تجميعه لاحقا في التلمود).

بالنسبة لسفر التكوين فهو حسب رأي الباحثين يعود إلى ثلاثة مصادر هي J وE وP (أو J وP في حال اعتبار J وE مصدرا واحدا). المصدران J وE كما قلنا هما الأقدم ويعودان إلى ما قبل السبي البابلي، وهذان المصدران هما من أورد قصة الخلق الواردة في بداية سفر التكوين والقصص الأخرى المذكورة في السفر (قصة آدم وحواء وقايين وهابيل ونوح وأبرام وإسماعيل ويعقوب ويوسف إلخ). أما المصدر P فهو الذي أورد شجرة الأنساب بشكلها الحالي.

طبعا الباحثون الغربيون تحدثوا منذ البداية عن التشابه بين قصة الخلق الواردة في سفر التكوين وبين قصص الخلق الموجودة لدى حضارات أخرى قديمة (خاصة حضارة ما بين النهرين والحضارة المصرية والحضارة الهندية). في البداية هم افترضوا أن المصدرين J وE استوحيا قصة الخلق من مصادر بابلية أو آشورية، ثم بعد ذلك ظهرت آراء تقول أنهم نقلوا من مصادر مصرية، وبعد اكتشاف حضارات شمال سورية (إبلا وأُجاريت) ظهرت آراء تقول بأن مصدر القصص التوراتية هو التراث السوري القديم (الذي هو بدوره مستوحى من تراث ما بين النهرين)، والرأي الأخير هو الأقوى من حيث الأدلة ومن حيث المنطق.

التوراة تجعل من “آدم” (اسمه الأصلي “أَدَم”) جدا لكل البشرية. كلمة أَدَم تعني “رجل” في اللغة الكنعانية، والجذر أدم يعني الحَمَار (كلمة ʔāḏōm تعني “أحمر” بالعبرية). المستشرق نولدكه زعم أن النظير العربي لكلمة “أدم” هو “أنام”. في القصة التوراتية هناك ربط مضمر بين اسم أَدَم אָדָמָ وبين كلمة أَدَمَة אֲדָמָה التي تعني “أرض” (المقابل العربي “أديم”؟)، لأن يهوه خلق آدم من الأرض:

(التكوين 3)

19. בְּזֵעַת אַפֶּיךׇ תֹּאכַל לֶחֶם עַד שׁוּבְךׇ אֶל-הָאֲדָמָה כִּי מִמֶּנָּה לֻקָּחְתָּ כִּי-עָפָר אַתָּה וְאֶל-עָפָר תָּשׁוּב:
19. بِعَرَقِ جبينِكَ تأكُلُ طَعَامَكَ حتّى رُجُوعِكَ إلى الأرضِ hā-ʔăḏāmah لأنَّكَ مِنها أُخِذْتَ. فأنتَ تُرابٌ، وإلى التُّرابِ تَرجِعُ.

كثير من الكتاب القدماء فسروا اسم أدم على أنه مشتق من أدمة=أرض. ولكن في العصر الحديث بعض الباحثين الغربيين يرون أن الاسم هو من أصل أَكََّدِي (آشوري-بابلي) هو adamu (أي Adamu ، و u– في نهاية الاسم هي الضمة علامة الرفع). هذا الاسم في رأيهم هو مرادف لاسم adapa الذي ورد في الأساطير السومرية والذي له قصة شبيهة بقصة آدم التوراتي، وأما كلمة “أدمة” التي تعني أرض فهي في رأي بعضهم مأخوذة من اللغة السومرية. في اللغة السومرية adam قد تعني “ريف” أو “مَرْعى”، وهذا ربما يذكر بقول الأعشى (من لسان العرب):

يَوْماً تَراها كَشِبْه أَرْدِية العَصْب ويوماً أَدِيمُها نَغِلا

اسم آدم كان شائعا في سورية في العصور القديمة (عثر عليه في إبلا Adamu وفي أُجاريت أدم ʔadm)، وفي كل هذه الحضارات كان آدم يعتبر ابنا للآلهة أو للإله الأكبر (مثلا في أجاريت عثر على ʔil ʔab ʔadm = “الله أبو آدم”) والبعض ربط هذا المعتقد مع عبارة “آدم ابن الله” الواردة في إنجيل لوقا (3:38).

هناك أيضا باحثون يربطون آدم التوراتي بالإله المصري ỉtm) Atum) الذي له قصة شبيهة بقصة آدم التوراتي.

أما حواء زوجة آدم فسفر التكوين يفسر اسمها:

(التكوين: 3)
20. وسمَّى آدمُ امرأتَهُ حَوَّاءَ، لأنَّها أُمُّ كُلِّ حيٍّ.

هذا التفسير لم يرض الباحثين الغربيين الذين ربط بعضهم بين اسم حواء (Ḥawwȃ) وبين اسم الإلهة الحثية Kheba التي كانت تعبد في سورية وفلسطين قبل ظهور الديانة اليهودية، وهي kugbau السومرية. أيضا الباحثون كثيرا ما يربطون بين حواء التوراتية وبين الإلهة السومرية Ninti التي يعني اسمها “سيدة الحياة” ويعني أيضا “سيدة الضِّلع”. كلمة nin السومرية تعني “سيدة” أما كلمة ti فهي تعني كلا من “حياة” و”ضلع”، وهذا في رأي الباحثين يفسر القصة التوراتية التي تتحدث عن كون حواء خلقت من ضلع آدم. قصة حواء في رأيهم كانت متداولة في سورية وما بين النهرين قبل كتابة التوراة بزمن طويل، وبسبب كون اسم Ninti يحمل معنيين مختلفين (“سيدة الحياة” و”سيدة الضلع”) نشأ الربط بين حواء والحياة من جهة (وسمَّى آدمُ امرأتَهُ حَوَّاءَ لأنَّها أُمُّ كُلِّ حيٍّ) وبين حواء والضلع من جهة أخرى:

(التكوين: 2)
21. فأوقَعَ يهوه الله آدمَ في نَومٍ عميقٍ، وفيما هوَ نائِمٌ أخذَ إحدى أضلاعِهِ وسَدَّ مكانَها بِلَحْمٍ.
22. وبنى يهوه الله امْرأةً مِنَ الضِّلعِ التي أخذَها مِنْ آدمَ، فجاءَ بِها إلى آدمَ.

قصة خلق حواء من ضلع آدم في رأيهم لم تكن في الأصل تحمل أي معنى فلسفي أو ديني بل هي نبعت فقط من كون كلمة ti السومرية تحمل معنيين لغويين مختلفين، وربما يكون تفسير قصة خلق آدم من الأرض (“الأدمة”) مماثلا لأن كلمة adam في السومرية لها معنى “كائن حي” أو “رجل” ومعنى آخر هو “الأديم” أو “المرعى”، رغم أن هذا التفسير غير ضروري لأن الأساطير البابلية تتحدث صراحة عن أن إله الماء Ea (بالسومرية Enki) خلق Adapa من الطين (وعند المصريين أيضا فإن بداية الخلق كانت من Nu الذي هو عبارة عن ماء، وقبل خلق العالم لم يكن هناك شيء إلا الماء. أما حواء عند المصريين فقال بعضهم أنها Isis التي ورد أنها سممت AtumRa وأخرجته من قاربه لأنها أرادت أن تعرف اسم الله السري، وقال آخرون أن حواء عند المصريين هي Tefnut التي هي الإلهة الأولى التي خرجت من جوف Atum في بداية الخلق).

إذن آدم وحواء عند كثير من الباحثين الغربيين هي آسماء لآلهة أو شخصيات أسطورية قديمة تعود أصولها على الأغلب إلى حضارة سومر. بعد ذلك يتحدث سفر التكوين عن قصة جنة عدن (عِدْن):

(التكوين: 2)
4. هكذا كانَ مَنشأُ السَّماواتِ والأرضِ حِينَ خُلِقَت. يومَ صنَعَ يهوه اللهُ יְהוָה אֱלֹהִים الأرضَ والسَّماواتِ،
5. لا شجَرُ البرِّيَةِ كان بَعدُ في الأرضِ، ولا عُشْبُ البرِّيَةِ نَبَتَ بَعدُ. فلا كانَ يهوه اللهُ أمطرَ على الأرضِ، ولا كانَ إنسانٌ يَفلَحُ الأرضَ،
6. بل كانَ يصعَدُ مِنها ماءٌ يَسقي وجهَ التُرْبَةِ كُلَّه.
7. وجبَلَ يهوه اللهُ آدَمَ تُراباً مِنَ الأرضِ ونفَخَ في أنْفِه نَسَمَةَ حياةٍ. فصارَ آدمُ نفْسًا حيَّةً.
8. وغرَسَ يهوه اللهُ جَنَّةً في عِدْنٍ شَرقاً، وأسكنَ هُناكَ آدمَ الذي جبَلَهُ.
9. وأنبتَ يهوه الله مِنَ الأرضِ كُلَّ شجَرَةٍ حسَنَةِ المَنظَرِ، طيِّبةِ المأكَلِ، وكانَت شجَرةُ الحياةِ وشجَرةُ معرِفَةِ الخيرِ والشَّرِّ في وسَطِ الجَنَّةِ.
10. وكانَ يخرُجُ مِنْ عِدْنٍ نهرٌ فيَسقي الجَنَّةَ، ويتَشَعَّبُ مِنْ هُناكَ فيصيرُ أربعةَ أنهارٍ،
11. أحَدُها اسْمُه فِيسان، ويُحيطُ بِجميعِ أرضِ الحَوِيلَةِ حَيثُ الذَّهَبُ،
12. وذهَبُ تِلكَ الأرضِ جَيِّدٌ. وهُناكَ اللؤلُؤُ وحجَرُ العقيقِ.
13. و اسمُ النَّهرِ الثَّاني جِيحان، ويُحيطُ بِجميعِ أرضِ كُوس،
14. و اسمُ النَّهرِ الثَّالثِ دِجلَةُ، ويجري في شَرقي أَسُّورَ. والنَّهرُ الرَّابعُ هوَ الفُراتُ.
15. وأخذَ يهوه الله آدمَ وأسكنَهُ في جَنَّةِ عِدْنٍ لِيَفلَحَها ويَحرُسَها.
16. وأوصى يهوه الله آدمَ قالَ: “مِنْ جميعِ شجَرِ الجَنَّةِ تأكُلُ،
17. وأمَّا شجَرَةُ معرِفَةِ الخيرِ والشَّرِّ فلا تأكُلْ مِنها. فيومَ تأكُلُ مِنها موتاً تموت”.

“جنة عدن” المقصودة هنا هي حسب كثير من الباحثين Eridu السومرية التي أوجدها إله الماء Ea) Enki) وسكنها Adapa و”أحضر لها الحضارة من دلمون” (وكانت فيها شجرة محرمة إلخ). لا يوجد منطقة أخرى ينطبق عليها وصف جنة عدن التوراتية سوى هذه المنطقة التي تقع في جنوب غرب العراق. النص التوراتي يقول أن جنة عدن يخرج منها أربعة أنهار (والصحيح أنها تصب فيها) وهي:

  • فِيسان Pison الذي يحيط بأرض الحويلة Havilah. كلمة حَوِيلة هي محل جدل لدى الباحثين حيث منهم من يرى أنها خَوَلان التي ورد اسمها في النقوش اليمنية قديما وكانت اسما لقبيلة يمنية معروفة (حرف الخاء يتحول دائما إلى حاء في العبرية)، وهناك من يرى أنها بادية العراق في شرق الصحراء السورية، وأصح الأقوال في رأيي هو أنها اسم قديم لصحراء النفود. هذا القول يتوافق مع معنى الكلمة التى قد تعني “الأرض الرملية” وهو يتوافق مع وصف حويلة في نصوص التوراة. المؤلف اليوناني الشهير إسطرابون Strabōn (القرن الميلادي الأول) نقل عن إراطوسثين القوريني Eratosthenes of Cyrene (القرن الثالث قبل الميلاد) اسم قوم من سكان الجزيرة العربية هم Khaulotaioi، وموقعهم هو بين Nabataioi (النبط) وبين قوم سماهم Agraioi. هو كان يصف طريقا تجارية تمتد من مصر إلى شرق الجزيرة العربية، وبالتالي Agraioi هم ربما سكان مدينة هَجَر (الهفوف) عاصمة البحرين القديمة. إذن Khaulotaioi يقعون بين النبط والبحرين. المؤلف الروماني الشهير إفلينيوس Plinius (القرن الميلادي الأول) وصف نفس الطريق وذكر مدينة باسم Gabba بين البحرين وفلسطين، وهذه المدينة هي على الأغلب موطن Agubēnoi الذين ذكرهم بطليموس (القرن الميلادي الثاني) وعين موقعهم قرب دومة. Gabba هي ربما الموضع المعروف باسم “الجُبّ” في جبل سلمى قرب حائل، وKhaulotaioi هم على الأغلب منسوبون إلى “حائل” التي يشبه اسمها اسم منطقة حويلة التوراتية. نهر فيسان هو ربما يكون وادي الرمة الذي يسير من الغرب إلى الشرق بمحاذاة حائل (حويلة) من جهة الجنوب باتجاه الكويت (أي باتجاه دلمون وسومر). هناك في الحجاز أكثر من منطقة تحمل أسماء لها علاقة بالذهب (مثلا “مهد الذهب”) وهذا يناسب الوصف التوراتي لنهر فيسان. وادي الرمة يتصل بأودية أخرى تسير من الجنوب إلى الشمال بمحاذاة الحجاز (وبمحاذاة مهد الذهب)، وهو يتصل بوادي بيشة في عسير الذي يشبه اسمه اسم فيسان (حرف الفاء في العربية كان يلفظ أصلا P). من المحتمل أن نهر فيسان التوراتي هو وادي الرمة مع امتداداته نحو وادي بيشة في عسير، وبما أن هذه الأسطورة قديمة جدا فلا يستغرب أنها تصف وادي الرمة بأنه نهر لأنه ربما كان نهرا بالفعل في ذلك الزمن.
  • جيحان Gihon الذي يحيط بأرض كوس. كلمة “كوس” Cush في الكتاب اليهودي تطلق عادة على بلاد النوبة إلى الجنوب من مصر، ولكنها أحيانا تطلق على مناطق أخرى لا علاقة لها بالنوبة. في هذه القصة كلمة كوس لا يمكن أن تكون النوبة لاستحالة التوفيق بين ذلك وبين ذكر نهري دجلة والفرات. المقصود بكوس هنا ربما هو مدينة Kish) Kis) السومرية التي تقع إلى الشرق من بابل. نهر جيحان المقصود هنا هو ربما نهر الكرخة الذي ينبع من جبال زاغروس في إيران ويسير عبر الأهواز ويتصل بنهر دجلة قبل التحامه مع الفرات.
  • دجلة والفرات هي الأنهار المعروفة.

هذه الأنهار الأربعة كلها تلتقي في سومر، ولذلك فإن كثيرا من الباحثين لا يشكون بأن المقصود بجنة عدن أصلا هو Eridu السومرية التي تقع في ذي قار جنوب غرب العراق. فلسطين أصلا ليس فيها أنهار وبالتالي لا يتوقع من سكانها الاهتمام بموضوع الأنهار وإدخاله في الأساطير. الاهتمام بالأنهار والطوفان هي أمور نابعة من البيئة السومرية (أو المصرية) وليس من البيئة الفلسطينية أو السورية.

بالنسبة لكلمة عِدْن فتفسيرها العبري هو أنها مأخوذة من الجذر “عدن” الذي يعني “اللذة” أو “السعادة”، ولكن الباحثين رفضوا هذا التفسير وفضلوا ربط الكلمة بكلمة edinu الأكّدية التي تعني “سهل”، والتي هي بدورها مأخوذة ربما من EDIN السومرية. ولكن في عام 1982 عُثر على نقش آرامي قديم في تل فخرية قرب رأس العين في الحسكة يحوي وصفا للإله هداد بأنه “جوجل نهر كلم… معدن مت كلن” (“المتحكم بالأنهار كلها… مغدق الماء على الأراضي كلها”). كلمة “معدن” في النقش هي اسم فاعل من الجذر “عدن”، والمهم في النقش هو أنه يحوي ترجمة إلى اللغة الآشورية حيث ترجمت كلمة “معدن” إلى muṭaḫḫidu التي تعني “مغدق الماء”، وهو معنى قريب من معنى الجذر العبري الذي رفضه الباحثون في البداية. أيضا في أجاريت عثر على نص يقول “ون أف عدن مطره بعل يعدن عدن” (“والآن إغداق مطره، بعل يغدق الماء إغداقا”؟).

كل هذه الأدلة تثبت أن كلمة “عدن” التوراتية هي كلمة سورية الأصل وليست أكدية أو سومرية كما تصور الباحثون، وهذا يؤكد مجددا أن قصص سفر التكوين هي مستوحاة من التراث السوري القديم ولم تؤخذ مباشرة من مصادر أكدية أو سومرية.

الجذر “عدن” هو في الأصل “غدن” ولكن في الكنعانية والآرامية الغين تقلب دائما إلى عين. الجذر موجود في العربية (من لسان العرب):

الغَدَنُ: سَعَةُ العيش والنَّعْمةُ… والغَدَنُ: النَّعْمة واللِّينُ. وإن في بني فلان لغَدَناً أَي نَعْمةً
ولِيناً، وكذلك الغُدُنَّة. وإنهم لفي عَيْشٍ غُدْنَةٍ وغُدُنَّةٍ أَي رَغْدٍ…

إذن جنة “عدن” العبرية هي في الأصل “غدن” بالغين، ومعناها مشتق من سعة العيش والنعمة.

سوف أنشر الجزء التالي من هذا الموضوع بعد أيام، وسوف أذكر فيه المصادر التي اعتمدت عليها.

Advertisements

2 thoughts on “أنساب التوراة (1)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s