أنساب التوراة (2)

هذا المقال كان يحمل سابقا عنوان “بلاد العرب (5)”

__________________________________________________________

هذا المقال هو استكمال للمقال السابق وهو يدور حول شجرة الأنساب الواردة في التوراة وبعض معانيها. لرؤية الرموز الأجنبية المستخدمة في هذا المقال وبقية المقالات حمل ونصب هذا الخط. لمعرفة أصوات الرموز انظر هذا المقال.

__________________________________________________________

بعد الحديث عن جنة عدن يروي سفر التكوين قصة قابيل (اسمه التوراتي قَيْن קַיִן، بالإنكليزية Cain) وهابيل (اسمه التوراتي هَبْل הֶבֶל، بالإنكليزية Abel):

(التكوين: 4)
1. وعَرَفَ ((=أتى)) آدمُ امرأتَه حَوَّاءَ فحَمَلت ووَلَدَت قَيْنَ. فقالت: “رَزَقَني يهوه ابناً”.
2. وعادَت فوَلَدَت أخاهُ هَبْلَ. وصارَ هَبْلُ راعيَ غنَمٍ وقينُ فلاَّحاً يفلَحُ الأرضَ.

بعض الباحثين اقترحوا أن الجذر هبل كان له قديما معنى “الرَعْي”، كما في لسان العرب:

وما له هابل ولا آبل، الهابل هنا: الكاسب، وقيل المحتال، والآبل: الذي يحسن القيام على الإبل والرعية لها.

كلمة هابل في هذا المثل هي على الأغلب مجرد مرادف قديم لآبل، أي راعي. الجمل لم يصل إلى الشرق الأوسط إلا في الألفية الأخيرة قبل الميلاد، وبالتالي الجذران “أبل” و”هبل” كانا في الأصل يعنيان الرعي عموما ولم يكونا مختصين بالجمال. كلمة “إِبِل” بمعنى “جِمال” هي كلمة اخترعها العرب أو الساميون في بداية الألفية الأخيرة قبل الميلاد بعد أن دجنوا الجمل.

أما كلمة “قَيْن” فهي تعني حرفيا “الحَدَّاد”. جاء في لسان العرب:

القَيْنُ: الحَدَّادُ، وقيل: كل صانع قَيْنٌ، والجمع أَقْيانٌ وقُيُونٌ. وفي حديث العباس: إِلا الإِذْخِرَ فإِنه لقُيُونِنا؛ القُيُونُ: جمع قَيْنٍ وهو الحَدَّاد والصَّانِعُ. التهذيب: كلُّ عامل الحديد عند العرب قَيْنٌ. ويقال للحَدَّاد: ما كان قَيْناً ولقد قانَ.

نفس هذا المعنى موجود أيضا في اللغات اليمنية القديمة.

لماذا أطلق سفر التكوين مسمى “قين” على ابن آدم الأول مع أنه مزارع؟

المقصود ربما بالمزارع في القصة التوراتية هو الحَضَر عموما، أي سكان القرى والمدن. قبل تدجين الجمل في منطقة الشرق الأوسط في بداية الألفية الأولى قبل الميلاد لم يكن هناك في المنطقة بداوة بالمعنى المعروف حاليا. سكان المنطقة في تلك الأزمنة كانوا قسمين: قسم يسكن القرى والمدن ويعمل بالزراعة والمهن الحرفية (كالحدادة)، وقسم آخر يسكن ريف المدن ويعمل قسما من العام في الزراعة وقسما آخر في الرعي (يسميهم الباحثون الغربيون “نصف بدو” seminomads)، أما البداوة بمعنى التنقل والترحال عبر الصحاري والقفار فهي كانت مستحيلة في تلك الأزمنة لغياب الجمل. لهذا السبب قصة قين وهبل التوراتية تعبر عن المجتمع القديم في الشرق الأوسط الذي كان مكونا من فئتين متجاورتين: الحضر وسكان الريف (نصف البدو). هبل هو الريفي (الراعي) وقين هو الحضري (المزارع أو الحداد). طبعا القصة منحازة ضد الحضر وهي تظهرهم بمظهر الحاقدين على أهل الريف والحاسدين لهم على قربهم من الله، كما أنها تصورهم بمظهر القتلة والمجرمين. كل هذا يعكس أن القصة بشكلها الحالي هي من أصل ريفي، وعموما التوراة كلها منحازة لصالح الريفيين أو نصف البدو ضد الحضريين، وهي تصور بني إسرائيل على أنهم من أصل بدوي وأنهم كانوا مضطهدين في مصر ثم بعد ذلك خاضوا حروبا شرسة ضد سكان كنعان الذين يسكنون “الأرض التي تدر لبنا وعسلا”. هذا الصراع بين الحضريين والريفيين كان مهما للغاية في مجتمع الشرق الأوسط القديم وهو كان سببا لكثير من التحولات السياسية الهامة التي منها على الأغلب دخول بني إسرائيل إلى كنعان في القرن 12 قبل الميلاد.

بعيدا عن رمزية الصراع الحضري-الريفي هناك رمزيات أخرى عديدة ظاهرة في هذه القصة:

(التكوين: 4)
8. وقالَ قَيْنٌ لِهَبْلٍ أخيهِ: “لِنَخرُجْ إلى الحقلِ”. وبَينَما هُما في الحقلِ هجَمَ قَيْنٌ على هَبْلٍ أخيهِ فقَتَلَه.
9. فقالَ يهوه لقَيْنٍ: “أينَ هبلٌ أخوكَ؟” قالَ: “لا أعرِفُ. أحارِسٌ أنا لأخي؟”
10. فقالَ لهُ يهوه: “ماذا فَعَلْتَ؟ دَمُ أخيكَ يصرُخُ إليَّ مِنَ الأرضِ.
11. والآنَ مَلعونٌ أنتَ مِنَ الأرضِ الّتي فتَحت فَمَها لِتقبَلَ دَمَ أخيكَ مِنْ يَدِك.
12. فهِيَ لن تُعطيَكَ خِصْبَها إذا فلَحْتَها، طريداً شريداً تكونُ في الأرضِ”.
13. فقالَ قَيْنٌ ليهوه: “عِقابي أقسى مِنْ أن يُحتَمَل.
14. طرَدْتَني اليومَ عَنْ وجهِ الأرضِ وحجَبْتَ وجهَكَ عَنِّي، وطريداً شريداً صِرْتُ في الأرضِ، وكُلُّ مَنْ وجَدَني يقتُلُني!”.
15. فقالَ لَه يهوه: “إذن كُلُّ مَنْ قتَلَ قَيْنًا فسَبْعَةُ أضعافٍ يُنتَقَمُ مِنهُ”. وجعَلَ يهوه على قَيْنٍ عَلامةً لِئلاَّ يقتُلَهُ كلُّ مَنْ وجدَهُ.
16. وخرَجَ قَيْنٌ مِنْ أمامِ يهوه وأقامَ بأرضِ نَوْدٍ شَرقيَّ عِدْنَ.
17. وعَرَفَ قَيْنٌ امرأتَهُ فحَمَلتْ ووَلَدت حَناكَ. وبنَى مدينةً سَمَّاها بِاسْمِ ابنِه حَناكَ.

18. ووُلِدَ لحَناكَ عِيرَدُ، وعِيرَدُ ولَدَ مَحُوءَئِلَ، ومَحُوءَئِلَ ولَدَ مَتُوسَئِلَ، ومَتُوسَئِلَ ولَدَ لَمْكَ.
19. وتزوَّجَ لَمْكُ امرأتَيْنِ إحداهُما اسْمُها عَدَةُ والأُخرى صِلَّةُ.
20. فولَدَت عَدَةُ يَبَلَ وهوَ أوَّلُ مَنْ سكَنَ الخيامَ ورعَى المَواشيَ،
21. و اسمُ أخيهِ يُوبَلُ وهوَ أوَّلُ مَنْ عزَفَ بالعُودِ والمِزمارِ.
22. وولَدَت صِلَّةُ تُوبَلَ قَيْنَ، وهوَ أوَّلُ مَنِ اشتغلَ بِصناعَةِ النُّحاسِ والحدِيدِ، وأُختُه نَعْمَةُ.
23. وقالَ لَمْكُ لامْرأتَيهِ: “يا عَدَةُ وصِلَّةُ اسمعا صوتي، يا امْرأتَي لَمْكَ اصغيا لِكلامي. قتَلْتُ رَجُلاً لأنَّه جَرحَني وفتىً لأنَّه ضَرَبَني
24. لِقَيْنٍ يُنتَقَمُ سَبْعَةَ أضعافٍ وأمَّا لِلَمْكَ فَسَبْعَةً وسبعينَ”.

يهوه عاقب قين بأن نفاه إلى الصحراء، ولكنه رغم ذلك حماه من الموت وتكفل بالانتقام ممن يقتله (أو أحدا من بنيه). قين خرج بعد ذلك إلى “أرض نَوْد” (land of Nod) التي يعني اسمها في اللغة العبرية “الضياع” أو “التيه”. ما يلي من لسان العرب:

نادَ الرجلُ نُواداً: تَمايَلَ من النعاس. التهذيب: نادَ الإِنسانَ يَنُودُ نَوْداً ونَودَاناً مثل ناسَ يَنُوس وناع يَنوعُ. وقد تَنَوّد الغُصْن وتَنَوّع إِذا تَحرَّكَ؛ وَنَودَانُ اليهود في مدارسهم مأْخوذ من هذا. وفي الحديث: لا تكونوا مثل اليهود إِذا نَشَروا التَّوراة نادوا؛ يقال: ناد يَنُودُ إِذا حَرَّك رأْسه وكَتِفَيْهِ. وناد من النُّعاس يَنُودُ نَوْداً إِذا تمايل.

هذه الفكرة أو الثيمة هي نفس الثيمة التي تظهر لاحقا في سفر الخروج الذي يروي قصة هروب موسى من مصر. موسى قتل رجلا مصريا ثم هرب بسبب ذلك إلى صحراء التيه التي تقع شرق مصر (مثلما أن قين طرد إلى صحراء نود التي تقع شرق جنة عدن). أيضا موسى كقين هو محمي من الله رغم جريمته.

أسماء أولاد قين تعكس الانتقال من الحياة الحضرية إلى الحياة الريفية. كلمة “حناك” لها معان عديدة في اللغات السامية. كثير من الباحثين الغربيين يفسرونها بأنها مأخوذة من “التكريس”، بمعنى أن حناك ابن قين كرس أو أنشأ مدينة جديدة. ولكن هناك احتمالا آخر من لسان العرب:

والحَنَك: الجماعة من الناس يَنْتَجِعون بلداً يرعونه. يقال: ما تَرك الأَحْناكُ في أَرضنا شيئاً، يعني الجماعات المارة؛ قال أبو نخيلة:

إنا وكنا حَنَكاً نَجْدِيَّا
لما انْتَجَعْنا الوَرَقَ المَرْعِيّا
فلم نَجِدْ رَطْباً ولا لَويّا

هذا المعنى ينطبق تماما على حالة قين وبنيه، وهو ينطبق أيضا على حالة بني إسرائيل الذين طردوا من الحياة الحضرية في مصر وتحولوا إلى رعاة وبدو متنقلين حسب ما ورد في سفر الخروج.

وأما ابن حناك “عِيرَد” فيقال أن اسمه يعني “الهارب” أو “اللاجئ”، وابن عيرد “مَحُوءَئِل” يعني اسمه “المطرود من الله” أو “المضروب من الله”، و”مَتُوسَئِل” تعني “الباحث عن الله”.

أما “لَمْك” فاسمه ربما يعني “القوي” أو “الكاهن”، واسم ابنه “يَبَل” يعني “الراعي”، و “يُوبَل” تعني “العازف”، و”تُوبَل قَيْن” ربما تعني “الراعي الحداد” (“عَدَة” ربما تعني “زينة” في العبرية، وهي ربما تكون “غدة” كما في لسان العرب: “الغادَةُ الفتاة الناعمة اللينة”؛ أما “صِلَّة” فهي أصلا “ظِلَّة” بمعنى أنها ربما ظل للزوجة الأولى، أو “ضِلَّة” بمعنى أن زواج زوجها منها رغم كونه متزوجا هو ضلال أو شيء من هذا القبيل. في الكنعانية حرفا ظ و ض يتحولان دائما إلى ص).

من أسماء أبناء قين يظهر أن الأجيال الأولى كانت ريفية تائهة ثم بعد ذلك تحولت إلى شعب ذي شأن لا يعمل فقط في الرعي وإنما أيضا في الحدادة، وأيضا هو شعب لديه متع ولهو (العزف وتعدد الزوجات). هذا يفسر قول لمك (“القوي”) لامرأتيه “قتَلْتُ رَجُلاً لأنَّه جَرحَني وفتىً لأنَّه ضَرَبَني… لِقَيْنٍ يُنتَقَمُ سَبْعَةَ أضعافٍ وأمَّا لِلَمْكَ فَسَبْعَةً وسبعينَ”. هو يريد أن يقول أننا لم نعد ضعفاء كما كنا وإنما صرنا أقوياء وأعزاء.

هذه القصة هي تلخيص لتاريخ بني إسرائيل. بنو إسرائيل كانوا حقراء أذلاء تائهين في الصحاري والأرياف، ولكنهم بعد ذلك صاروا أمة عظيمة كما وصفتهم التوراة، وفي تلك المرحلة استشرى فيهم الانحراف والتجبر فغضب الله عليهم وتركهم.

الكتاب اليهودي فيه مجموعة من الأفكار الثابتة التي تتكرر دائما، ومن هذه الأفكار فكرة أن الإنسان المطرود من المدينة والذي يعيش في الريف هو ليس إنسانا لا قيمة له، بل هو إنسان قادر على صنع أمة وديانة مهمة. هذه هي نظرة بني إسرائيل إلى أنفسهم التي هي على الأغلب نابعة من أساس تاريخي. الباحثون حاليا يرون أن بني إسرائيل كانوا متحدرين من فئتين على الأقل: الفئة الأولى هي فئة “العبريين” التي ورد وصفها في المصادر الأكدية باسم Ḫabirū/Apirū (أي “عَبِيرون” أو “عابرون”. الكتابة الأكدية ليس فيها حرف ع، و ū– في نهاية الاسم هي علامة جمع المذكر المرفوع) وفي السومرية SA.GAZ وفي أجاريت ʕpr (“عفر”) وفي المصادر المصرية ˁprw. كلمة “عبريين” كانت في الألفية الثانية قبل الميلاد كلمة عامة الاستخدام في الشرق الأوسط وكانت تطلق على فئة من الناس المطرودين أو الفارين من وجه العدالة ويجوبون الصحاري والأرياف ويقومون في الغالب بأعمال النهب والسلب والإغارة. أقرب مصطلح لمصطلح “العبريين” في اللغة العربية هو مصطلح “الصعاليك”، وما يلي تعريفه من كتاب جواد علي:

وقيل: الصعلوك: الفقير، وهو أيضاً المتجرد للغارات”. والصعاليك، قوم خرجوا على طاعة بيوتهم وعشائرهم وقبائلهم، لأسباب عديدة، منها عدم إدراك أهلهم أو قبيلتهم نفسياتهم، مما سبب إلى نفورهم منهم، وخروجهم على طاعة مجتمعهم، وهروبهم منه، والعيش عيشة الذؤبان، معتمدين على أنفسهم في الدفاع عن حياتهم، وعلى قوتهم في تحصيل ما يعتاشون به، بالإغارة على الطرق والمسالك، وبمهاجمة أحياء العرب المبعثرة، أفراداً أو طوائف. وهم أبداً في خوف من متعقب يتعقبهم، لاسترداد ما أخذ أو سلب، ومن متربص يتربص بهم الدوائر، ليأخذ منهم ما غنموه بالقوة من غيرهم أو ما قد يجده في أيديهم. ولهذا كانوا يتكتلون أحياناً، بانضمام بعضهم إلى بعض، مكونين جماعات، جمعت بينها وحدة الهدف، وغريزة حماية النفس، والمصلحة المشتركة، بعد أن حرمهم أهلهم ومجتمعهم من تقديم أية مساعدة أو حماية لهم، وسحب منهم حق الأخذ بالثأر والانتقام ممن قد يعتدي عليهم، بحق “العصبية”، وبعد أن جعل دمهم هدراً، وتبرأ منهم ومن كل جريرة يرتكبونها، فلا يطالب أهلهم بدمهم، ولا يطالبونهم بأي دم قد يسفحه الصعلوك.

هذا التعريف هو نفس تعريف “العبريين” الذين كانوا يجوبون أرياف ما بين النهرين وسورية ومصر في الألفية الثانية قبل الميلاد، وهذا التعريف أيضا شبيه إلى حد كبير بقصة قين التوراتي وبنيه الذين كانوا في البداية مطرودين ذليلين ثم أصبحوا فيما بعد أصحاب قوة وشأن.

أما الفئة الثانية التي يرى الباحثون أنها ساهمت في تكوين بني إسرائيل فهي الفئة التي يطلق عليها في المصادر المصرية القديمة اسم “شأسو” š3sw (“شأسيون”، جمع “شأس”) وهي كلمة تعني “الرعاة” وكان المصريون يطلقونها على سكان سيناء وعربية الصخرية. ما لفت الباحثين هو أن المصادر المصرية ذكرت قوما باسم š3sw yhw (شأسيوا يهو) وهذا الاسم يعني “رعاة يهو”، وكلمة “يهو” هي على ما يبدو نفسها كلمة “يهوه” التي يطلقها بنو إسرائيل على إلههم. شأسيوا يهوه كانوا يسكنون مكانا ما في منطقة جبل الشراة وشمال الحجاز، وهذا دليل آخر على أن أصل الديانة اليهودية هو من تلك المنطقة (أنا كنت قد ذكرت سابقا أن جبل سيناء الذي نشأت فيه الديانة اليهودية حسب التوراة يقع على الأغلب في المنطقة الممتدة بين جبل الشراة وبين مدين في شمال الحجاز).

كثير من الباحثين يرون أن نشوء بني إسرائيل كان بسبب قيام مجموعة من العبريين (الصعاليك) والشأسيين (الرعاة) وغيرهم من سكان الأرياف بالتجمع واقتحام بلاد كنعان من جهة الشرق في القرن 12 قبل الميلاد. علم الآثار يدل على أن هكذا اقتحاما لفلسطين حصل بالفعل في ذلك الزمن. ربما يكون دخول الشأسيين إلى فلسطين حصل في فترة تالية لدخول العبريين وليس في نفس التوقيت، ولكن المهم هو أن بني إسرائيل لم يكونوا من أصل واحد وهناك أدلة عديدة على هذا الأمر.

ما سبق يفسر تعاطف التوراة مع قين ابن آدم. في البداية عندما كان قين حضريا نجد أن القصة التوراتية انحازت إلى أخيه هبل الريفي ضده، وعندما أصبح قين طريدا في البراري تغيرت نبرة القصة وصار قين محميا من الله وله نسل مبارك (وهذا النسل المبارك أصبح في النهاية صاحب لهو وضلال كما يقول الكتاب اليهودي دائما عن بني إسرائيل).

كثير من الباحثين لا يرون أن قصة قين وهبل هي من أصل إسرائيلي بحت. هم يربطون بين هذه القصة وبين أساطير بلاد ما بين النهرين التي يظهر فيها دائما صراع عائلي بين الآلهة الأوائل. مثلا قصة الخلق البابلية (المسماة Enûma Eliš) تقول أن بداية الخلق كانت من تزاوج Apsû (الماء العذب) وTiamat (“تهامة”، أي البحر أو الماء المالح). تزاوج Apsû وTiamat أنتج الآلهة، وبعد ذلك يقرر Apsû قتل الآلهة لأن عددها صار كبيرا وصارت تسبب الإزعاج، ولكن الآلهة بقيادة Ea (السومري Enki) تستبق مخططه وتصرعه، وتستمر القصة بعد ذلك وتستمر الدسائس والمؤامرات بين الآلهة إلى أن ينتهي الصراع بانتصار Marduk إله البابليين وتنصيب نفسه كبيرا للآلهة.

أيضا في القصة الحتّية المسماة “ملكوت السماء” (Kingship in Heaven) تظهر بداية العالم على أنها كانت صراعا بين الآلهة على السلطة. الحاكم في البداية كان Alal (“أنبوب ماء” باللغة السومرية، كناية ربما عن الري)، ولكن An (“السماء”) هاجمه و”أسقطه إلى الأرض”، وبعد ذلك هجم Kumarbi (أو Kingu) على An وابتلع عضوه الذكري، وبسبب ذلك حمل Kumarbi في جوفه مجموعة من الأبناء لـ An، وعندما علم Kumarbi بذلك بصق المني خارج جوفه، ولكنه رغم ذلك لم يتمكن من إجهاض Tešub الذي خرج من جوفه وأطاح به بمعونة والده An.

هناك أمثلة أخرى كثيرة على هذه الصراعات العائلية بين الآلهة. كثير من الباحثين ينظرون للصراع العائلي التوراتي بين قين وأخيه هبل ضمن هذا السياق. من القصص القريبة لقصة قين وهبل قصتان، القصة الأولى هي القصة السومرية المسماة “Inanna تفضل الفلاح” (“Inanna Prefers the Farmer“). في هذه القصة يتقدم إلهان للزواج من الإلهة Inanna، الأول هو تمّوز الراعي (اسمه بالسومرية: (Dumuzi(d)، والثاني هو Enkimdu الفلاح. Inanna تفضل الفلاح، ولكن أخاها Utu إله الشمس يطلب منها أن تختار Enkimdu، وهذا ما يؤدي إلى مواجهة بين تموز و Enkimdu. وطبعا في النهاية Inanna تختار تموز وهناك قصص كثيرة حول الاثنين. تموز يموت (يقتله جن من الأرض السفلى) و Inanna تنزل إلى الأرض السفلى لكي تنقذه وتعيده إلى الحياة. القصة الثانية شبيهة بهذه القصة وهي قصة الإله المصري Set الذي يقتل أخاه Osiris وبعد ذلك تقوم Isis زوجة الأخير بإحيائه من الموت.

قين في القصة التوراتية كان له نسل من البشر، والباحثون يرون أن نسله هم على الأغلب القَيْنِيٌّون Kenites الذين كانوا يسكنون مدين ويعملون في الحدادة حسب ما يستدل من التوراة، ومنهم يَتْرا (Jethro) كاهن مدين الذي زوج ابنته لموسى. بعض الباحثين يرون في هذه النصوص وغيرها دليلا على أن بني إسرائيل تعلموا عبادة يهوه من المدينيين (الذين هم ربما نفسهم “شأسو يهو”). سفر الخروج يقول أن موسى التجأ إلى مدين وسكن هناك عند الكاهن يترا (الذي كان كاهنا ليهوه على الأغلب)، وبعد ذلك يتحدث يهوه إلى موسى بينما كان الأخير يرعى غنم يترا قرب مدين، ويستمر بعد ذلك التواصل بين يهوه وموسى في هذه المنطقة المجاورة لمدين، وفي هذه المنطقة يتعلم موسى كل أصول الدين اليهودي من يهوه، وفي النهاية يأمر يهوه موسى أن يبني خيمة ويضع فيها مكونات المعبد اليهودي والألواح وأن يرتحل شمالا. هذه الكلام وغيره ليس مصادفات حسب رأي كثير من الباحثين بل هو دليل على أن موسى (أي بني إسرائيل) تعلم عبادة يهوه من المدينيين، ومن الأدلة القوية على هذه النظرية العبارة التالية في سفر الخروج:

(الخروج: 6)
2. وقالَ اللهُ لموسى: “أنا يهوه،
3. تراءَيتُ لإبراهيمَ وإسحَقَ ويعقوبَ بإِل سَدَّي، وأمَّا اسمي يهوه فما أعَلمْتُهُم بهِ.”

كلمة “إِل” אֵל (اللفظ الطبري: ʔēl) في اللغات السامية تعني “إله” (كلمة “إله” مركبة من “إل” وهاء هي على الأغلب هاء الخطاب التي تظهر في “أباه” و”أماه” و”عيناه” إلخ). أما كلمة “سَدَّي” שַׁדַּי فهي كلمة حيرت الباحثين ولكن بعد العثور في النقوش الأجاريتية على كلمة “ثدي” بمعنى “جبل” قرر كثير من الباحثين أن “إل سدي” هو “إل ثدي” أي “إله الجبل” (حرف الثاء يتحول دائما إلى سين في اللغات الكنعانية)، وهذه الكلمة لها نظير في الأكدية هو كلمة šadû (سَدُو) التي تعني “جبل” أو “شرق” ولكنها في الأصل تشير إلى جبل Mašu الذي هو جبل مقدس ذو قمتين يقع إلى الشرق من بابل بعيدا عند مطلع الشمس، وبالتالي ربما تكون كلمة “إل سدي” هي من أصل بابلي/سومري (وهذا ربما يفسر الثيمة التوراتية التي تجعل الجبال المقدسة دائما في جهة الشرق ومسبوقة بصحاري يضيع فيها الإنسان، مثلا صحراء نود وصحراء سيناء وغيرها). كلمة “إله الجبل” تظهر أيضا في كتابات المؤرخين الرومان الذين تحدثوا عن إله اسمه Elagabalus كان معبودا في حمص في القرون الميلادية الأولى. كلمة Elagabalus هي ربما ʔilāh haggabal التي تعني “إله الجبل” باللغات العربية الشمالية القديمة (العرب في تلك الفترة كانوا يحكمون حمص). “إله الجبل” الحمصي-العربي هو ربما نفسه “إل سدي” السوري القديم الذي تقول التوراة أنه كان إله بني إسرائيل قبل أن يعرفوا اسم يهوه.

بالإضافة إلى ما سبق فإن الكلام عن أن موسى تزوج ابنة كاهن مدين هو دليل على وجود اختلاط في النسب بين بني إسرائيل والمدينيين، وهناك ذكر صريح لوجود القينيين بين بني إسرائيل في سفر صموئيل 1 (30:29).

إذن القينيون هم ربما نفسهم “شأسو يهو” الذين ذكرتهم المصادر المصرية، وهم كانوا يشكلون جزءا من بني إسرائيل في زمن الملك داود. هذا ربما يفسر وجود نسل لقين في القصة التوراتية وكون بنيه يعملون في الحدادة. قين حسب هذه النظرية هو أحد أسلاف بني إسرائيل.

قصة قين تقول أنه أقام “بأرض نود شرقي عدن”، وقصة أيوب تقول بأنه كان “أعظم بني الشرق جميعا”. كلمة “بني شرق” هي مصطلح يتكرر في التوراة. الكلمة بالعبرية هي “بَنِي قَدْم” בְּנֵי־קֶדֶם (باللفظ الطبري: bə̆nȇqeḏem) والمعنى الحرفي لها هو “بني أمام” (كلمة “قَدْم” هي مرادف لـ”قُدَّام” في اللهجات العربية). الجذر “يمن” في اللغات السامية يعني جهة اليمين ويعني أيضا الجنوب، والجذر “شأم” يعني جهة اليسار والشمال الجغرافي، وفي التوراة الجذر “قدم” الذي يعني “الأمام” يستخدم أيضا بمعنى “شرق”. مصطلح “بني شرق” حسب باحثي التوراة يعني شعوب شرق الأردن ومن وراءهم، وهذا ظاهر مثلا في العبارة التالية:

(إشعيا: 11)
14. فيَجتاحونَ معاً سُفوحَ الفِلِسْطِيِّينَ غرباً، ويَنهَبونَ بَني الشَرقِ جميعاً يُلقونَ أيديَهُم على إدامَ ومأَبَ ويكونُ بَنو عَمَّانَ في طاعتِهِم.

هنا فسرت “بني شرق” بأنها تعني إدام ومأب وعمان، ولكن في العبارة التالية المعنى أوسع:

1. وعمِلَ بَنو إِسرائيلَ الشَّرَّ في عينَي يهوه، فسَلَّمَهُم إلى يَدِ مدينَ سبْعَ سِنينَ.
2. فَسادتْ عليهم يدُ مدينَ، وبِسببِ مدينَ لَجأوا إلى المَغاوِرِ التي في الجِبالِ والكُهوفِ والحُصونِ هرَباً مِنهُم.
3. وكانوا إذا زَرَعوا يصعَدُ إليهِمِ مدينَ وعَمَلِقُ وبنو شرقٍ ويُهاجِمونَهُم.

هنا بنو شرق ذكروا مع مدين وعملق (العماليق)، وهؤلاء يسكنون جنوب إدام وغربها، أي إلى الجنوب من فلسطين. بعض الباحثين يفسرون هذا التناقض بأن مدين وعملق هي قبائل متنقلة وليس لها موطن ثابت، ولكن هذا التفسير غير صحيح. الكتاب اليهودي يطلق مسمى “بني شرق” على شمال الحجاز وهناك أدلة عديدة على ذلك. من هذه الأدلة مثلا هذا النص الذي ألحق فيه “بنو شرق” مع المدينيين والعماليق. كثير من الباحثين يرون أن مصطلح Sarakēnoi (بالإنكليزية: Saracens) الذي أطلقه الرومان على العرب بدءا من القرن الثالث الميلادي له نفس أصل كلمة “بني شرق” الواردة في التوراة، والمؤلف عرفان شهيد وغيره يرون أن هذه الكلمة كانت في الأصل تطلق على عرب منطقة عربية الصخرية، وهي نفس المنطقة التي يشير إليها الكتاب اليهودي عندما يتحدث عن بني شرق. المقصود بالشرق في مصطلح بني شرق التوراتي هو شرق الأردن بالإضافة إلى جبل الشراة ووادي عربة وشمال الحجاز. سبب المعنى الواسع للمصطلح هو أن الكتاب اليهودي من طبيعته تعميم المصطلحات فهو يطلق اسم منطقة معينة على المناطق التي تقع خلفها. مثلا فأرن Paran هي في الأصل تعني منطقة في صحراء النقب ولكن الكتاب اليهودي وسع معناها حتى أوصلها إلى جبل سيناء في شمال الحجاز، ونفس الأمر ينطبق على بني الشرق حيث أن المصطلح يشير أصلا إلى جبل الشراة وشرق الأردن ولكن الكتاب اليهودي يقصد بهذه الكلمة شمال الحجاز أيضا.

“أرض نَوْد” التي تقع “شرقي عدن” والتي ذهب إليها قين ربما تكون منطقة مدين التي كان سكنها القينيون (إن اعتبرنا أن القصة التوراتية لا تدري أين هو مكان جنة عدن الأصلي، بدليل أنها تقول أن الأنهار الأربعة تخرج من عدن، والصحيح أنها تصب فيها). ربما يكون قصد صاحب القصة التوراتية من كلمة “شرق” هو منطقة مدين، و”صحراء نود” التي تقع باتجاه الشرق هي ربما نفسها صحاري فأرن وسيناء التي جال فيها بنو إسرائيل. صاحب القصة التوراتية كان ربما يفكر في قصة تيه بني إسرائيل عندما روى قصة قين.

أيضا “أرض عُوص” التي كان يسكنها أيوب “أعظم بني الشرق” هي على الأغلب تقع في نفس المنطقة العامة، أي بين جبل الشراة ومدين.

في الكتابات “الثمودية” من شمال الحجاز عثر على كلمة “قين” (بالكتابة الثمودية: “قن”) كاسم شخصي، وعثر في الكتابات اللحيانية على أسماء مركبة تحوي هذه الكلمة مثل ” قن منت” (“قين مناة”) و”عبد قن” (“عبد قين”). بعض الباحثين يرون أن “قين” كان في الأصل اسما لإله أو نصف إله لدى سكان شمال الحجاز وأن قبيلة القينيين القديمة منسوبة إلى هذا الشخص المقدس الذي ربما كان ربا للحدادة والحرف. أيضا لدى اليمنيين القدماء كان هناك إله باسم “قينن” (أي “القين” لأن النون في نهاية الاسم هي أداة التعريف في اللغات اليمنية القديمة، واللفظ ربما كان قَيْنان Qaynān). هذا الإله كان لقبيلة “سخيم” النازلة بـ “شبام” (“شبم سخم”)، ومن غير المعروف ما إذا كان هو نفسه الإله “قين” المفترض في شمال الحجاز. في اللغة السبئية ورد اسم “نقين” كاسم شخصي، وبعض الباحثين يشكون في وجود صلة بين هذا الاسم وبين الإله “قين”. إذا كان الإله “قين” معروفا لدى السبئيين فهذا يقوي فكرة أن الإله نفسه كان موجودا في الحجاز واليمن لأن السبئيين هم أقرب اليمنيين إلى الحجاز.

بعد الحديث عن قين ونسله يورد سفر التكوين ما يلي:

(التكوين: 4)
25. وعَرَفَ آدمُ امرأتَهُ مرةً أُخرى، فولَدَتِ ابْناً وَسَمَّتْهُ سِتًا وقالت: “غَرَسَ اللهُ لي بِذْرَةً أُخرَى بدَلَ هَبْلٍ لأنَّ قَيْنًا قتَلَهُ”.
26. ووُلِدَ لِسِتٍ ابنٌ وَسَمَّاهُ إِنَاسًا، وفي ذَلِكَ الوقتِ بدَأَ النَّاسُ يَدعونَ باسمِ يهوه.

سِت שֵׁת هو الذي يسميه الكتاب المسلمون “شيث” (باللفظ الطبري: šēṯ، بالإنكليزية Seth)، أما إناس אֱנוֹשׁ فهو “أنوش” لدى المسلمين (باللفظ الطبري: ʔĕnôš، بالإنكليزية Enos).
بعد ذكر هذه الفقرة ينتهي الفصل الرابع من سفر التكوين ويبدأ الفصل الخامس الذي يرى كثير من الباحثين أنه من مصدر مختلف هو P (أما الفصول السابقة فهي من J و E). ميزة هذا الفصل هي أنه يبدأ بعبارة zeh sēp̄er tôlĕḏōṯ… (هذا سفر مواليد…) التي يستخدمها كثير من الباحثين كاسم للمصدر المفترض الذي نقل منه P هذا الكلام (يسمونه “سفر المواليد” Toledot book):

(التكوين: 5)
1. هذا سِفرُ مواليدِ آدمَ: يومَ خلَقَ اللهُ الإنسانَ على مِثالِ اللهِ صنَعَهُ.
2. ذَكَراً وأنثَى خلَقَهُ وباركَهُ وسَمَّاهُ آدمَ يومَ خلَقَه .
3. وعاشَ آدمُ مئةً وثلاثينَ سنَةً، ووَلَدَ وَلَداً على مِثالِه كَصُورَتِهِ، وسمَّاهُ سِتًا.
4. وعاشَ آدمُ بَعدَما وَلَدَ سِتًا ثَمانيَ مئَةِ سَنةٍ، وَلَدَ فيها بَنينَ وبَناتٍ.
5. فكانَت كُلُّ أيّامِ آدمَ الّتي عاشَها تسعَ مئَةٍ وثلاثينَ سنَةً وماتَ.
6. وعاشَ سِتٌ مِئةً وخَمْسَ سِنينَ، ووَلَدَ إِنَاسًا.
7. وعاشَ سِتٌ بَعدَما ولدَ إِنَاسًا ثمانيَ مئةٍ وَسَبْعَ سِنينَ، وَلَد فيها بَنينَ وبناتٍ.
8. فكانَت كُلُّ أيّامِ سِتٍ تِسْعَ مئةٍ واثنتي عشْرَةَ سنَةً وماتَ.
9. وعاشَ إِنَاسُ تِسعينَ سنَةً، وولَدَ قَيْنَنَ.
إلخ…

ثم يستمر في سرد مواليد آدم بنفس النمط إلى أن يصل إلى نوح، الذي هو الشخص العاشر بعد آدم وبعده الطوفان. الباحثون الغربيون يربطون بين “سفر المواليد” الذي استقى منه P هذا المعلومات وبين “لوائح الملوك السومرية” Sumerian King Lists التي عثر عليها في بلاد ما بين النهرين. هذه اللوائح تعدد ملوك سومر منذ فجر التاريخ، والملفت فيها هو أنها تنص دائما على عشر ملوك أوائل يتبعهم طوفان يعم العالم، وهذا ما دعى الباحثين للربط بين أبناء آدم العشرة قبل الطوفان وبين ملوك سومر العشرة قبل الطوفان.

قصة الطوفان وردت في أساطير ما بين النهرين بصيغ عديدة، وفي كل مرة يكون لشخصية نوح اسم مختلف (الاسم الشائع في الكتابات السومرية: Ziudsura أو ZinSuddu، وفي الكتابات الأكدية: AtraHasis أو UtNapishtim). القاسم المشترك بين كل هذه الروايات هو وجود إله أو آلهة يقررون إغراق الأرض بالطوفان ما عدا شخص واحد يأمرونه ببناء فلك وينجو من الطوفان بمساعدة الآلهة (في ملحمة جلجاميش البابلية سفينةUtNapishtim ترسو بعد انحسار الطوفان على جبل اسمه Nisir، ويعتقد أن هذا الجبل يقع في كردستان العراقية، أي بالقرب من موقع جبل أراراط التوراتي الذي يقع شمالا في الهضبة الأرمنية). بالإضافة إلى الأساطير المكتوبة على الألواح المسمارية هناك كاتب بابلي-هيليني اسمه Berossos كتب في القرن الثالث قبل الميلاد كتابا باللغة اليونانية اسمه Babyloniaca يحكي فيه تاريخ بابل، والذي يلفت الباحثين في هذا الكتاب هو مدى التشابه بين أسلوبه وبين أسلوب التوراة اليهودية، حيث أنه يبدأ بسرد قصة الخلق البابلية (الصراع بين الإله Marduk وبين Tiamat) ثم يروي قصص الملوك العشرة الذين حكموا بابل قبل الطوفان، وبعد ذلك يذكر قصة نوح الذي يسميه Xisouthros (Ziusudra=) ثم يذكر انقسام العالم إلى ثلاثة أقسام.

الأساطير السومرية لم تكن قصصا ثابتة بل كانت أشبه بموتيفات motifs أو ثيمات themes، بمعنى أنها كانت مجموعة من الأفكار والعناصر التي تتكرر بشكل مختلف في كل رواية للقصة. مثلا في الألواح المعروفة باسم “ترنيمة معبد كيش” Kesh Temple Hymn ورد ذكر شخصية Tagtug الذي أنقذته إلهة الأرض Nintud من الطوفان الذي قرر إله الماء Enki إغراق الأرض به لإبادة البشر. الإلهة Nintud أمرت Tagtug وأشخاصا صالحين آخرين بالركوب في سفينة حتى ينجوا من الطوفان. الملفت هو ما حدث بعد الطوفان، حيث أن الإلهة Nintud (التي هي خالقة البشر بالتعاون مع إله الأرض Enlil) تشفعت لدى الإله Enki لكي يعفو عن Tagtug، فقبل Enki بذلك وأخذ Tagtug إلى معبده وكشف له أسرارا ووضعه في حديقة وأخبره أنه يستطيع أن يأكل من كل الأشجار ما عدا واحدة، ولكن Tagtug عصى هذا الأمر وأكل من الشجرة المحرمة، فعوقب بأن أصيب بالمرض، ولم يكن البشر يمرضون قبل ذلك ولذلك كانت أعمار البشر قبل الطوفان أطول بكثير من أعمارهم بعد الطوفان، ولكن الآلهة الأخرى تدخلت وأرسلت للبشر الأدوية والأعشاب الطبية لكي يتداووا من الأمراض.

الملفت في هذه القصة هو أن فيها خلطا واضحا بين قصة آدم ونوح، حيث أن Tagtug هو نوح وآدم في نفس الوقت، وهذا يدل على أن هذه القصص لم تكن قصصا ثابتة بل كانت على ما يبدو أشبه بالموتيفات الأدبية أو الأسطورية. هذا ربما يعود إلى كون هذه القصص قديمة جدا وتعود إلى عصور سحيقة، وهذا يفسر انتشارها الكبير في البلاد المحيطة بما بين النهرين. القصص السومرية كانت موجودة بصياغات متباينة لدى الحتيين في الأناضول، ومن هناك انتقلت هذه القصص غربا حتى وصلت إلى اليونانيين الذين استفادوا منها في أساطيرهم بشكل كبير وجوهري. ونفس الأمر ينطبق ربما على حضارة بلاد السند القديمة التي توجد لديها قصص مشابهة للقصص السومرية. آدم وحواء في الأساطير الهندية القديمة اسمهما Atman و Iiva، والجبل الذي رست عليه سفينة نوح اسمه Manu. نوح عند المصريين هو Nun الذي ركب في سفينة رع التي تحوي أربعة آلهة مذكرة وأربعة آلهة مؤنثة، وجبل أرارات هو جبل Hetep.

بالنسبة لحقيقة الطوفان فهي محل جدل بين الباحثين. بعضهم يرون أن الطوفان كان طوفانا محدودا حدث في سومر، وآخرون يرون أن الطوفان المقصود هو الطوفان الذي حدث في منطقة البحر الأسود قبل 7000 عام بسبب ظهور مضيق البسفور. وهناك من يرون أن فكرة الطوفان هي خرافة نشأت من اكتشاف البشر للأحافير أو المستحاثات (fossils) البحرية على ظهر اليابسة وفي مناطق جبلية مرتفعة أحيانا. ولكن بغض النظر عن حقيقة الطوفان فإن قصص التوراة بشكلها الحالي تعود حسب رأي كثير من الباحثين إلى بلاد ما بين النهرين، ولكن هذا لا يعني أنها مأخوذة مباشرة من المصادر السومرية أو الأكدية. قديما بعض الباحثين كانوا يرون أن اليهود أخذوا هذه القصص من بابل أثناء وجودهم في السبي البابلي في القرن السادس قبل الميلاد، ولكن هذه النظرة حاليا تعتبر ضعيفة لأن مقارنة القصص اليهودية بما اكتشف من كتابات قديمة في منطقة سورية الكبرى تظهر أنها مأخوذة من تراث هذه المنطقة، وهذا التراث هو في الأصل متأثر بتراث ما بين النهرين ولكن من قبل ظهور اليهود بمئات وآلاف السنين.

لائحة أنساب “سفر المواليد” تضم الأسماء التالية من الأب إلى الابن:

  • آدم Adam
  • سِت Seth
  • إناس Enos
  • قَيْنَن Cainan
  • مَهَلَلَئِل Mahalaleel
  • يَرْد Jared
  • حَنَاك Enoch
  • مَتُوسِلَح Methuselah
  • لَمْك Lamech
  • نَاح (نوح) Noah

هناك أمور عديدة أثارت اهتمام الباحثين في هذه السلسلة، منها مثلا مسألة الأعمار. بالنسبة لكون أعمار سفر التكوين طويلة جدا وخرافية فهذا يشبه لوائح الملوك السومرية التي تعطي ملوك ما قبل الطوفان أعمارا طويلة جدا تصل إلى عشرات آلاف السنين، والباحثون يفسرون هذا بأنه دلالة على الطبيعة المقدسة ونصف الإلهية للملوك الأوائل. الأساطير السومرية (وغيرها) تصور آدم بأنه ابن الآلهة وبأن له طبيعة نصف إلهية demigod أو حتى إلهية كاملة في بعض الروايات، وبالتالي هذا يفسر كون أعمار البشر الأوائل طويلة جدا لأن الآلهة لا تموت. في رواية Tagtug التي نقلتها في الأعلى ورد ذكر السبب الذي جعل أعمار البشر المتأخرين تقصر: السبب هو خطيئة Tagtug (آدم) عندما أكل من الشجرة المحرمة. هذا هو ما دفع الآلهة لأن تعاقب Tagtug وبنيه بالأمراض، ولولا رحمة بعض الآلهة الذين أرسلوا الدواء للناس لكانت الأمراض أبادتهم بعدما نجوا من الطوفان. (هناك معتقدات شعبية ما زالت موجودة حتى الآن بأن أعمار البشر القدماء كانت أطول من أعمار البشر الحاليين، وهذه مقولة ينفيها العلم الحديث لأن أعمار البشر تتزايد مع مرور الزمن ولا تتناقص).

كثير من الباحثين لاحظوا أن الأعمار الواردة في “سفر المواليد” ترتبط بالرقم 60 ومضاعفاته، وهم لهذا السبب يرون أن لهذه الأعمار علاقة بعلم الحساب والفلك البابلي.

بالإضافة إلى موضوع الأعمار هناك موضوع الأسماء. الباحثون لاحظوا أن هناك تشابها بين أسماء بعض أبناء ست وأبناء قين:

  • قَيْنَن : قَين
  • مَهَلَلَئِل : مَحُوءَئِل
  • يَرْد : عِيرَد
  • حَنَاك : حَنَاك
  • مَتُوسِلَح : مَتُوسَئِل
  • لَمْك : لَمْك

هناك ستة أسماء في نسل ست تشبه الأسماء الواردة في نسل قين، وهذا ما دفع كثيرا من الباحثين للقول بأن هذه الأسماء هي نفسها الأسماء التي وردت في نسل قين ولكنها تختلف بشكل طفيف لأن المصدر مختلف (قصة قين وأبنائه مصدرها J، أما سفر المواليد فمصدره P).

ابن آدم الأول في سفر المواليد هو سِت. هذا الاسم غامض المعنى. كاتب القصة التوراتية فسر الاسم بأنه يعني “غرسة” أو “بذرة”:

(التكوين: 4)
25. وعَرَفَ آدمُ امرأتَهُ مرةً أُخرى، فولَدَتِ ابْناً وَسَمَّتْهُ سِت (שֵׁת) وقالت: “غَرَسَ (سَت שָׁת) اللهُ لي بِذْرَةً (زَرْع זֶרַע) أُخرَى بدَلَ هَبْلٍ لأنَّ قَيْنًا قتَلَهُ”.
26. ووُلِدَ لِسِتٍ ابنٌ وَسَمَّاهُ إِنَاسًا، وفي ذَلِكَ الوقتِ بدَأَ النَّاسُ يَدعونَ باسمِ يهوه.

هنا صاحب الرواية ربط ما بين الفعل “سَت” שָׁת بمعنى “غرس” وما بين اسم سِت שֵׁת. ولكن الباحثين المعاصرين رفضوا هذا التفسير ورأوا أن اسم ست قد يعني “عَطِيَّة” أو “بَعْث” (“القيام من الموت”).

أما “إناس” ابن ست فاسمه يعني “رجل” (مأخوذ من الجذر أنس كما كلمة “إنس” العربية). اسم إناس هو إذن مرادف لاسم آدم الذي يعني أيضا “رجل”، وبالتالي ربما يكون “إناس” هو مجرد اسم آخر لآدم، وهذا قد يفسر كون ابن إناس اسمه “قَيْنَن” الذي هو على ما يبدو نفسه “قَيْن” ابن آدم.

اسم “قَيْنَن” باللفظ الطبري هو Qēnān، وهذا يعيدنا إلى نفس السؤال الذي سألناه حول تَيْمَن: لماذا الاسم هو Qēnān وليس Qēnōn كما يجب أن يكون بالكنعانية؟ التفسير ربما يكون أن هذه الكلمة مستعارة من منطقة مدين أو شمال الحجاز، وهذا غير مستغرب لأننا بينا سابقا أن القينيين في التوراة هم في الأصل سكان مدين. هناك احتمال أن يكون “قينن” التوراتي هو نفسه “قينن” (Qaynān* = القَيْن) الذي عثر على اسمه في النقوش اليمنية والذي كان إلها لـ”شبام سخيم” (قرب صنعاء حاليا). في حال كان “قينن” التوراتي هو نفسه “قينن” اليمني فهذا لا يعني بالضرورة أن اليهود أخذوا اسمه من اليمن وإنما الأرجح أنهم أخذوا اسمه من اليمنيين الذين كانوا يسكنون شمال الحجاز في العصور القديمة (مثلا مدينة دَدَن التي تقع إلى الجنوب من مدين وتيمن).

على ما يبدو فإن نسب نوح الذي أورده P في الفصل الخامس من سفر التكوين هو نفس نسب قين الذي أورده J في الفصل الرابع مع اختلافات بسيطة في الأسماء. آدم عند P له اسمان: “آدم” و”إناس”، وكلا الاسمين لهما نفس المعنى وهو “رجل”. النسب الذي كان لدى P أصلا يبدأ بإناس (أي آدم) وبعد إناس يأتي “قَيْنَن” (أي قين) وبعد قَيْنَن تأتي أسماء بقية أبناء قين ولكن بترتيب مختلف.

النسب عند J: آدم – قَيْن – حَناك – عِيرَد – مَحُوءَئِل – مَتُوسَئِل – لَمْك
النسب عند P: إناس – قَيْنَن – مَهَلَلَئِل – يَرْد – حَنَاك – مَتُوسِلَح – لَمْك

الفرق الوحيد بين النسبين هو انعكاس موقع حَناك ومَحُوءَئِل/مَهَلَلَئِل.

إذن P كان لديه في الأصل نسب للبشرية مطابق للنسب الذي أورده J، ولكنه لكي يوفق بين النسبين جعل إناس (الذي هو نفسه آدم عند J) الابن الثالث لآدم، وجعل من سِت أبا لإناس وابنا لآدم، بحيث يكون سِت بديلا عن هَبْل الذي هو في رواية J مات ولم يترك أولادا.

اسم “سِت” غامض ولا أدري إن كان P اخترع هذا الاسم أم أن الاسم كان موجودا أصلا في سفر المواليد الذي نقل منه P النسب. هناك من يقولون بأن اسم سِت له أصل كنعاني قديم وأنه كان اسما لشخصية أسطورية عند الكنعانيين. لا أدري إن كانت هناك علاقة بين هذا الاسم وبين اسم الإله المصري Set الذي قتل أخاه Osiris وبعد ذلك قامت Isis زوجة الأخير بإحيائه من الموت. هناك باحثون يقولون أن Osiris وزوجته Isis هما نظيران مصريان لآدم وحواء، وبما أن Isis أحيت زوجها Osiris من الموت فلا يستغرب أن تكون هناك علاقة بين هذه القصة وبين قول حواء في التوراة أن الله غرس لها سِت بدلا من هَبل المقتول. الملفت أن Isis في إحدى الأساطير المصرية حاولت تسميم Atum بثعبان لأنها أرادت “أن تعرف اسم الله السري”. هذه الرواية تشبه عبارة “وفي ذَلِكَ الوقتِ بدَأَ النَّاسُ يَدعونَ باسمِ يهوه” التي وردت في النص التوراتي الذي يتحدث عن عن ولادة حواء لسِت (“يهوه” في الديانة اليهودية هو اسم الله السري). هذه العبارة حيرت الباحثين ولم يعرفوا المغزى منها، وربما يكون تفسيرها أنها نابعة من القصة المصرية الأصلية. كل قصة سِت وولادة حواء له ربما تكون ثيمات مصرية الأصل.

من الصعب تفكيك سَلَطة المصادر التي أنتجت الرواية التوراتية، ولكن الفكرة هي أن P قام بدمج النسب الذي كان موجودا لديه مع النسب الذي أورده J بحيث صارت النتيجة: آدم – سِت – إناس – قَيْنَن – مَهَلَلَئِل – يَرْد – حَنَاك – مَتُوسِلَح – لَمْك.

طبعا النسب الذي أورده P له نفس معاني ومغازي النسب الذي أورده J. الفكرة العامة هي أن الأجيال الأولى كانت تقية وقريبة من الله، ولكن مع مرور الزمن وتطور حياة الناس وتعقدها بدأ الانحراف والضلال يتسرب إليهم حتى استحقوا العقاب بالطوفان. هذه الثيمة هي من مميزات الكتاب اليهودي عموما ولكنها تظهر لدى D وP بوضوح أكثر من غيرهما، وهي بالمناسبة ثيمة سومرية الأصل، أو على الأقل هي كانت موجودة لدى السومريين قبل اليهود بزمن طويل. الثيمة الأصلية هي أن الأجيال الأولى كانت أقرب للألوهية ومع مرور الزمن بدؤوا يتحولون إلى بشر فانين بسبب معاصيهم.

ويختتم P الفصل الخامس من سفر التكوين بقوله:

30. وعاشَ لَمْكُ بَعدَما وَلَدَ نُوحاً خَمْسَ مئةٍ وخَمْساً وتِسْعينَ سنَةً وَلَدَ فِيها بَنينَ وبَناتٍ.
31. فكانَت كُلُّ أيّامِ لَمْكٍ سَبْعَ مئةٍ وسَبْعاً وسَبعينَ سنَةً وماتَ.
32. ولمَّا كانَ نوحُ ابنَ خَمْسِ مئةِ سنَةٍ وَلَدَ ساماً وحاماً ويافثَ.

من الفروقات بين النسب الذي أورده J ونسب P هو أن الأول ينتهي بلمك وبعد ذلك تتفرع الشجرة إلى ثلاثة أبناء هم يَبَل ويُوبَل وتُوبَل قَيْن، أما نسب P فهو يحوي نوح بعد لمك، والتفرع إلى ثلاثة أبناء يحصل بعد نوح وليس بعد لمك.

لماذا أضاف مصدر P نوح بعد لمك؟ الجواب ببساطة هو لأنه أراد أن يكمل العدد إلى عشرة. النسب الأصلي كان يحوي سبعة أسماء فقط. طبعا العدد سبعة هو عدد سحري ويعتبر من الأعداد المباركة في الأديان القديمة (مثله مثل العدد 3)، ولكن النسب الذي أورده J لم يكن في نهايته طوفان. هو تحدث عن سلسلة من سبعة أشخاص وبعد ذلك تفرعت السلسلة إلى ثلاثة فروع وانتهى الموضوع بسلام وبدون طوفان، أما المصدر الذي نقل منه P (“سفر المواليد”) فهو يريد أن يحدث طوفانا في نهاية السلسلة، ولذلك اضطر إلى زيادة عدد شخصيات السلسلة إلى 10 حتى تتفق مع الثيمة السومرية.

هذا هو سبب إضافة نوح إلى السلسلة. أبناء نوح الثلاثة (سام وحام ويافث) هم نفسهم أبناء لمك في رواية J (يَبَل ويُوبَل وتُوبَل قَيْن) ولكنهم نقلوا منه إلى ابنه نوح.

عندما وصل P في سرده لنسب نوح إلى حَناك أضاف العبارة التالية:

24. وَتمَاشى حَناكُ معَ اللهِ، ثُمَّ لم يكُن، لأنَّ اللهَ أخذَهُ.

كلمة “تماشى” أو “تمشّى” هي ترجمتي التقريبية لكلمة “تَهَلَّك” וַיִּתְהֵלֵּךְ الواردة في النص العبري الأصلي، والمقصود بها على الأغلب أن حناك كان قريبا من الله. هذه العبارة مميزة لحناك دون غيره من الأسماء الواردة في نسب نوح، وهي لهذا السبب حيرت مفسري التوراة. بعض الباحثين يفهمونها في إطار القصص السومرية وهم يرون أن اسم “حناك” هو مستوحى من اسم الإله السومري Enki الذي هو خالق Adapa (آدم السومري).

الكتابة السومرية التي يستخدمها الباحثون لا تعكس في كثير من الأحيان اللفظ الحقيقي للكلمات السومرية لأسباب تتعلق بطبيعة نظام الكتابة السومري المسماري الذي هو إلى حد كبير نظام لوغوغرافي (logographic)، بمعنى أن الرموز المستخدمة فيه لا تعبر عن أصوات وإنما عن كلمات أو مفاهيم. الباحث المعروف A.H. Sayce رأى أن كلمة adapa يجب أن تقرأ adamu، وهناك آخرون وافقوه على هذا الرأي.

Adapa في الأسطورة السومرية كان رجلا صالحا وابنا للإله Adapa .Enki ارتكب خطيئة بحق الإلهة Ninlil، فدعاه الإله An إلى السماء لكي يحاسبه، وقبل صعوده إلى السماء للحساب أوصاه والده Enki بالاعتذار عن خطاياه وبألا يأكل أو يشرب أي شيء في السماء حتى لا يموت. في السماء An رضي عن Adapa لصدقه وعرض عليه طعام الخلود الذي لو أكله لأصبح خالدا لا يموت، ولكن Adapa رفض أن يأكل التزاما بوصية والده Enki، وبذلك أضاع فرصته للخلود.

هذه القصة معاكسة لقصة آدم التوراتي الذي فقد ميزة الخلود بسبب الأكل وليس بسبب رفض الأكل.

Enki كان يسكن دلمون وأرسل من هناك الحضارة إلى مدينة Eridu أو Eridug التي هي المدينة الإنسانية الأولى وكانت في الأصل معبدا لـ Enki، ومن هنا يرى البعض أن “حناك” هو في الأصل Enki، خاصة في ظل العبارة التوراتية التالية:

(التكوين: 4)
17. وعَرَفَ قَيْنٌ امرأتَهُ فحَمَلتْ ووَلَدت حَناكَ. وبنَى مدينةً سَمَّاها بِاسْمِ ابنِه حَناكَ.

لماذا سمى قين المدينة باسم حناك وليس باسمه هو؟ بعض الباحثين يرون أن مدينة حناك هي ليست إلا (Eridu(g المدينة السومرية الأولى التي بنيت حول معبد الإله Enki. أما بالنسبة لكلمة Eridu فبعضهم يرون أنها تظهر في اسم “عِيرَد” ابن حناك حسب نسب J (عيرد بن حناك = Eridu مدينة Enki).

الملك الأول في لائحة الملوك السومرية هو Alulim الذي يشبه اسمه اسم Alal الذي ورد ذكره في قصة “ملكوت السماء” الحتية التي ذكرتها من قبل (والذي كان يحكم في السماء قبل أن يخلعه إله السماء An ويسقطه إلى الأرض)، ولكن التشابه بين الاسمين لا يعني بالضرورة أنهما واحد. كلمة Alal تعني ربما “أنبوب ماء” وهي دلالة على الري والفلاحة (أي أن Alal = قين؟)، أما كلمة Alulim فقيل أنها تعني “غزال”.

لائحة الملوك السومرية تقول ما يلي:

بعد أن سقط الملكوت من السماء كان الملكوت في (Eridu(g. في (Eridu(g صار Alulim ملكا وحكم 28800 عام.

هل اسم مَحُوءَئِل/مَهَلَلَئِل ابن عيرد هو مستوحى من Alulim؟

الملك الخامس في لائحة الملوك السومرية هو “تمّوز الراعي” (Dumuzid the Shepherd)، وهو ما يذكر بقصة تموز الراعي مع Enkimdu الفلاح.

خلاصة ما سبق هي أن بعض الأسماء الواردة في سلسلتي J و P ربما تكون مستوحاة من قصة الخلق السومرية:

  • آدم/إناس = Adapa
  • حَناك = Enki
  • عِيرَد/ يَرْد = Eridu
  • مَحُوءَئِل/ مَهَلَلَئِل = Alulim؟

يبدو أن المقصود بجنة عدن التوراتية هو في الحقيقة ليس إلا جنة دلمون السومرية. الإله Enki كان يقيم في دلمون (التي هي موطن كل من آدم ونوح السومريين)، ومن هناك أرسل الحضارة إلى مدينة Eridu مع شخصيات نصف إلهية سوف أتحدث عنها لاحقا. جنة عدن الموصوفة في التوراة هي ليست Eridu كما يقول بعض الباحثين وإنما هي في الحقيقة دلمون التي تقع إلى “الشرق” من سومر حسب وصف السومريين (بينما هي في الحقيقة تقع إلى الجنوب الشرقي). مدينة Eridu هي مدينة حناك التي بناها قين بعدما خرج من جنة عدن واتجه “شرقا” عبر أرض نود.

Enki عند السومريين هو إله الحِرَف والمدنية والحضارة، وهذا يفسر المساواة بينه وبين قين. قين على ما أعتقد هو نفسه Enki، وهذا يعني ربما أن قين وحناك هما مسميان لشيء واحد (مثلما أن آدم وإناس هما مسميان لشيء واحد). هذا يفسر كون قين أبا لحناك رغم أن حناك في القصة السومرية هو أبو آدم وأبو الحضارة.

إذا اعتبرنا أن قَيْن = Enki وحَناك = Enki وعِيرَد = Eridu ومَحُوءَئِل = Alulim فهذا يعني أن الاختلاف في ترتيب الأسماء بين J و P لا معنى له، لأن كل هذه الشخصيات عاشت في نفس الفترة، وهي في الحقيقة ليست شخصيات بل مكونات لقصة محددة تدور أحداثها في فترة محددة.

ربما يكون هدف P من نقل اسم حناك (القريب من الله) إلى الأسفل هو إظهار الفرق بين الأجيال الباكرة القريبة من الله وبين الأجيال المتأخرة التي استحقت عقوبة الله. حناك حسب P هو آخر الأجيال الصالحة قبل أن تأتي الأجيال الفاسدة، واسم الشخص التالي له “مَتُوسِلَح” له معنى مرتبط بالقتال والموت (يقال أن الاسم مركب من مقطعين: “موت” بمعنى “المخلص” أو “العبد”، و”سِلَح” بمعنى “سلاح” أو شيء من هذا القبيل، ولقد عثر على اسم “سلح” في أسماء مركبة من شمال سورية ويعتقد بأنه كان اسما لإله أو شخص مقدس)، أما لَمْك فهو في النسب الذي أورده J يعبر عن الجيل الأخير البعيد عن الله، وفي نسب P وردت العبارة التالية على لسان لمك بعد ولادته لنوح:

28. وعاشَ لَمْكُ مئةً واثنتَينِ وثمانينَ سنَةً، ووَلَدَ ابْناً
29. وسَمَّاهُ نُوحًا، قالَ: “هذا يُريحُنا (يُنَحِّمُنا יְנֵחֲםֵנוּ) عَنْ أعمالِنا وعَنْ تَعَبِ أيدينا، مِن الأرضِ الّتي لعَنَها يهوه”.

هذه العبارة فيها محاولة لربط اسم نوح بالفعل العبري “نحّم ينحّم” بمعنى “أراح يريح”. عبارة “مِن الأرضِ الّتي لعَنَها يهوه” غامضة التفسير لدى المفسرين. بعضهم يترجمونها إلى “بسبب الأرضِ الّتي لعَنَها يهوه”. أنا لا أعرف تفسيرها ولكنني فسرتها هنا على أن المقصود هو أن نوح سيريحنا من الأرض التي لعنها يهوه، واللعنة هي بسبب الذنوب والمعاصي التي استشرت في جيل لمك.

اسم نوح الأصلي هو “نَاح” נֹחַ/נוֹחַ (اللفظ الطبري: Nōaḥ)، وهذا الاسم مجهول الأصل. التوراة تربط بينه وبين الجذر “نحم” الذي يعني الاستراحة، وهناك من الباحثين من قبلوا هذا التفسير وبعضهم ربطه باسم الإله المصري Nun (الذي يعتبرونه نظيرا لنوح) والذي يعني اسمه في اللغة المصرية القديمة “الطوفان” ويعني أيضا “الاستراحة” (لأن المصريين القدماء كانوا يستريحون من الفلاحة في زمن فيضان النيل). هذا ربما يكون أصل تسمية نوح وأصل الربط بين الطوفان وبين الاستراحة. في المقابل هناك باحثون آخرون يرون أن أصل كلمة “ناح” هو من شمال سورية وهم يرجحون أنها كانت اسما لأحد الآلهة أو أنصاف الآلهة (ككل الأسماء الأخرى في سلسلة أبناء آدم قبل الطوفان)، ودليلهم هو بعض الأسماء الشخصية التي عثر عليها في أماكن مثل ترقا في دير الزور، مثلا Muutnaḫa (“مَوْت ناحا” أو “مَوْت ناح”، أي “المُخلِص لناحا/ناح”) و Naḫili (“ناح لي”).

مصادر

  • Gary M. Burge, Andrew E. Hill, Baker Illustrated Bible Commentary
  • John Phillips, Exploring Genesis: An Expository Commentary
  • John Barton, The Oxford Bible Commentary
  • James D. G. Dunn, John William Rogerson, Eerdmans Commentary on the Bible
  • K. A. Mathews, The New American Commentary
  • Joseph Blenkinsopp, Creation, Un-Creation, Re-Creation: A Discursive Commentary on Genesis
  • Richard James Fischer, Historical Genesis: From Adam to Abraham
  • David L. Jeffrey, A Dictionary of Biblical Tradition in English Literature
  • Kelley Coblentz Bautch, A Study of the Geography of 1 Enoch 17-19: “no One Has Seen what I Have Seen”
  • David Toshio Tsumura, The Earth and the Waters in Genesis 1 and 2: A Linguistic Investigation
  • David Toshio Tsumura, Creation And Destruction: A Reappraisal of the Chaoskampf Theory in the Old Testament
  • Charles N. Pope, Living In Truth: Archaeology and the Patriarchs
  • Allen Austin, The Middle of the Earth
  • Gerald Massey, Ancient Egypt – The Light of the World: A Work of Reclamation and Restitution in Twelve Books
  • Israel Finkelstein, Amihay Mazar, Brian B. Schmidt, International Institute for Secular Humanistic Judaism. Colloquium, The Quest for the Historical Israel: Debating Archaeology and the History of Early Israel
  • Frank Anthony Spina, Israelites as Gerim, ‘Sojourners’, in Historical Context
  • Jan Retsö, The Arabs in Antiquity: Their History from the Assyrians to the Umayyads
  • Irfan Shahîd, Byzantium and the Arabs in the Fifth Century
  • Encyclopaedia of Islam
  • The Cambridge Encyclopedia of the World’s Ancient Languages
  • Gesenius’ Hebrew grammar
  • Arthur Ungnad, Akkadian grammar
  • Rebecca Hasselbach, Sargonic Akkadian A Historical and Comparative Study of the Syllabic Texts
  • Daniel A. Foxvog, Introduction to Sumerian Grammar
  • Theodor Nöldeke, Compendious Syriac Grammar
  • Wikipedia, the free encyclopedia
  • Encyclopædia Britannica
  • Microsoft Encarta
  • جواد علي، المفصل في تاريخ العرب
  • ربحي كمال، اللغة العبرية
  • Claudii Ptolemaei Geographia
  • مصدر نص الكتاب المقدس العربي: The Bible Society in Lebanon (مع تصرف شديد)
  • مصدر نص الكتاب المقدس العبري: Biblia Hebraica Stuttgartensia
  • مصدر نص الكتاب المقدس الإنكليزي: King James Version of the Holy Bible

Advertisements

6 thoughts on “أنساب التوراة (2)

  1. السيدهاني العزيز
    تمت وقد بدأت بالتوراتيات فانك اثرت فضولي ومخاوفي في قضية ايبلا.طالما شكلت هذه الحضارة المنسية لغزا وحلا مخفيا يتراءى امامنا ولا ندرك حقيقته تماما .لا اخقي انني اخاف ان تلقى الواح ايبلا مصير الواح شريعة حمورابي نفسه سوى ان الاخيرة مصورة ومدروسة اما الواح ايبلا فسالت عنها منذ سنوات فقالوا لي في الموقع انها نقلت الى متحف ادلب.هذه الالواح حسب ما علمت من قراءات عادية انها تكشف حقيقة التاريخ القديم بالوثائق غير القابلة للطعن وهي الالواح والتي لا اعلم ما اذا كانت صورت وترجمت وحققت بعد كي نفهم تماما العلاقة والتشابه بين التوراليات وما توافر لنا عن حضارة بلادما بين النهرين.

    • لو كان الأمر بيد السوريين لكنت خفت مثلك… ولكن المستشرقين لا يمكن أن يتركوا كنزا كهذا يضيع…

      طبعا ألواح إبلا درست وما زالت تدرس حتى الآن… وهناك ألواح من إبلا تدرس وتنشر محتوياتها كل فترة… لا تخف هم يدرسونها… وهذه الألواح كشفت الكثير من المعلومات التاريخية بالفعل…

  2. شكراً على البحث الرائع.. لم يتسنى لي قراءة الأجزاء السابقة|.. وحقيقةً لا أعرف إلى ماذا ستصل (الاستنتاج النهائي) ولكني سأحاول الاستمرار لأفهم..

    ملاحظتين:
    الأولى: بحسب قراءاتي فإن أغلب روايات اليهود مأخوذة (إن أردنا أن نجمل كلمة مسروقة) من الأساطير التي سبقت وهي السومرية وبلاد ما بين النهرين أو البابلية.. ليأتي بعد ذلك اليونانيون ويسرقوها (بكل وضوح يسرقوها) ويغيروا الأسماء وينتجوا أساطيرهم التي تملأ الدنيا اليوم..

    الثانية: العلاقة بين الآلهة (أو الخلافات بينهم) كانت تعبيراً عن الفترة الزمنية.. فعلى سبيل المثال الانتقال من من سلطة الإله الأنثى إلى سلطة الإله الذكر كلن بحركة إنقلابية استطاع فيها الإله الذكر (في كل الأساطير القديمة) من قتل الإلهة الأنثى، وبذلك انتقلنا إلى من عصر إلى عصر (ومن هنا كانت الذكورية في مجتمعاتنا حتى اليوم).. أربط ذلك بالانقلابات التي حصلت في مصر على سبيل المثال كانقلاب توت عنخ آمون، والذي استطاع من خلاله تنصيب نفسه إلهً..

    قد لا تكون هذه الملاحظات تفيد البحث، لأنني كما قلت لا أعرف إلى ماذا سيفضي هذا البحث، ولكن أستطيع أن أتنبأ أننا سنفهم علاقة اليهود كشعب بالأرض ومدى حقيقة مطالبتهم بفلسطين..

    • أكثر ما أكرهه يا أخ عمر هو تسييس العلم أو المبالغة في ذلك… وهذا هو ما أفسد العلم والبحث في سورية وجعله أشبه بالشعوذة…

      أنا لست مختصا في التاريخ ولكنني مجرد هاو أقرأ للاطلاع… وخلال قراءتي مر علي بعض الكتب السورية… بعض الكتب القديمة (من الخمسينات مثلا) يمكن للإنسان أن يقرأها ولكنها ليست جيدة جدا… أما الكتب التي صدرت في حقبة البعث فهي كلها ليست صالحة للقراءة ولا تستحق سوى الرمي في مكب النفايات… لأنها كتب سياسية وكتب جهل وشعوذة وليست كتب علمية…

      هدف الموضوع الذي أكتبه هو استعراض تاريخ العرب والإسلام من ناحية علمية مجردة… لا يوجد لدي غايات أو أهداف أو توظيفات سياسية… بعض الناس سيغضبون مما أكتبه وسيقولون أن هدفه هو الطعن في الدين… ولكن هذا ليس هدفي وأنا لا أسعى لعرض النظريات المخالفة للدين وإنما أسعى لعرض ما أراه علميا ومنطقيا… هناك في الكتب الغربية أمور كثيرة تبدو مناقضة للدين لم أذكرها في هذا المقال لأنها في رأيي غير مسنودة بما يكفي من الأدلة… وبالمناسبة أنا لا أقول أن كل المعلومات الواردة في المقال صحيحة وقاطعة… هي مجرد نظريات واحتمالات طرحها باحثون غربيون…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s