بلاد العرب (4)

هذا الموضوع هو استكمال لموضوع كنت قد بدأته سابقا في عدة أجزاء (هذا هو الجزء السابق). عندما بدأت كتابة هذا الجزء قبل شهر تقريبا كنت أريد الحديث عن منطقة تَيْمَن في شمال غرب الجزيرة العربية وعلاقة اسمها ببلاد اليمن، ولكنني منذ شهر إلى الآن لم أتمكن من إتمام الحديث في هذا الموضوع لأنني كلما أردت الحديث في نقطة أتفرع إلى نقطة أخرى وهكذا حتى وجدت في النهاية أن الموضوع تشعب جدا ولم تعد له علاقة بالموضوع الأصلي.

أنا سوف أنشر الكلام الذي كتبته كما هو في أجزاء متتابعة. هذا الكلام لا يعتبر بحثا علميا لأنه خال من التنظيم أولا ولأن مصادره غير موضحة بشكل جيد ثانيا، ولكنني رغم ذلك أعتقد أنه مفيد للمهتمين بالتاريخ. سوف أذكر في نهاية المقال قسما كبيرا من المصادر التي اعتمدت عليها، وسوف أذكر مصادر أخرى في مقالات لاحقة.

__________________________________________________________

تحدثت في الجزء السابق من هذا الموضوع عن مسمى “عربية السعيدة” اليوناني وبينت أصل هذا المصطلح وفق كتاب المستشرق Jan Retsö.

طبعا رأي Retsö هو حديث وهو ليس الرأي الشائع عند المستشرقين. كثير من المستشرقين يتبنون رأي المستشرق Sprenger الذي رأى في عام 1875 أن كلمة “عربية السعيدة” اليونانية هي ترجمة قديمة للجذر السامي “يمن” الذي يعني “الجنوب” ويعني أيضا “البركة” (كما جاء في لسان العرب: “اليُمْنُ البَركةُ”).

في الكتاب اليهودي هناك ذكر لمنطقة اسمها تَيْمَن תֵּימָן (في الترجمة الإنكليزية: Teman). اللفظ الطَبَري لهذه الكلمة هو Tēmān. الكتابة العبرية الأصلية هي كالكتابة العربية لا تُظهِر الحركات (أصوات العلة vowels)، ولكن أحبار اليهود قاموا بدءا من القرن السادس الميلادي (قرن ولادة الرسول) وحتى القرن 11 بوضع أنظمة تشكيل لضبط اللفظ العبري، ونتاج عملهم يسمى بالنص المساري (النص المسوري Masoretic Text). معنى كلمة مَسارَة מסורה هو “السُنَّة” أو “العرف”، وبالتالي كلمة “مساريين” Masoretes تعني “أهل السنة”. النص المساري الشائع الآن هو نتاج عمل أحبار اليهود في مدينة طبرية في فلسطين في فترة ظهور الإسلام وما تلاها، ولهذا السبب فإنه يسمى بالتحريك الطبري أو اللفظ الطبري. هذا اللفظ لا يعبر عن اللفظ العبري القديم الذي كان سائدا في زمن كتابة التوراة (أي قبل المساريين بقرون كثيرة)، ولهذا السبب أنا عندما أكتب الكلمات التوراتية لا أستخدم اللفظ الطبري وإنما أستخدم اللفظ العبري القديم الذي يمكن استنتاجه من خلال قواعد علمية وضعها الباحثون في علم اللغويات السامية المقارن. اللفظ الطبري عموما يختلف بشكل كبير عن اللفظ العبري الأصلي. مثلا كلمة “كتب” כתב كانت تلفظ في العبرية أصلا katab ، ولكنها في اللفظ الطبري kāthav مع كون النبرة على المقطع الأخير (بكتابة المستشرقين kāṯáḇ. لرؤية هذه الكتابة حمل ونصب هذا الخط. سوف أستخدم هذه الكتابة كثيرا في هذا المقال والمقالات اللاحقة).

ظهور المساريين في القرن السادس الميلادي كان مرتبطا بالصراع الديني بين اليهود الرَبَّانِيين (رَبَّنِيم רבנים) واليهود القُرَّاء (قَرَئِيم קראים). الربانيون أو الرَبِّيون هم الأحبار التقليديون الذين قاموا بجمع التَلْمُود خلال القرون الميلادية الأولى وأكملوا جمع التلمود البابلي في القرن السادس الميلادي، والتلمود هو كتاب ديني كبير يضم مختلف العلوم الدينية من تفسير للتوراة وفقه وحديث وأخبار وأدب وفلسفة إلخ، وهو يعتبر المرجع الأول للدين عند الربانيين. أما القراء فهم كانوا يرون أن التوراة لوحدها هي مصدر الدين وأن كل ما سواها بدعة، وبالتالي هم كانوا يرفضون التلمود وعندما اكتمل جمع التلمود البابلي في العراق في القرن السادس بدؤوا بإنتاج النص المساري كرد فعل ربما على جمع التلمود. النص المساري كان في البداية مرفوضا من الربانيين ولكنهم مع مرور الوقت قبلوه رغم أنهم لا يتمسكون به كنص مقدس. الخلاف بين الربانيين والقراء له جذور قديمة تعود إلى ما قبل “خراب الهيكل” في عام 70 ميلادي. أسلاف الربانيين كانوا يُعرَفون قبل خراب الهيكل بالفَرُوسِِيين (فروسيم פְּרוּשִׁים) وأسلاف القراء كانوا يعرفون بالصَّدُوقِيين (صدوقيم צְדוּקִים)، وهذان الفريقان كانا موجودين في زمن المسيح وورد ذكرهما في الأناجيل (Pharisaioi و Saddoukaioi). الفرق الأهم بين الفروسيين والصدوقيين هو أن الصدوقيين كانوا يرفضون أي مصدر للدين غير التوراة وكانوا ينكرون البعث بعد الموت.

المؤرخ كمال الصليبي يرى في كتابه (التوراة جاءت من جزيرة العرب) أن المساريين مذكورون في القرآن في الآية التالية:


﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ۝وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيَّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً۝مِنَ الذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بَأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً۝يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾

كمال الصليبي يرى أن عبارات “يحرفون الكلم عن مواضعه… ليا بألسنتهم” تعني تحريف لفظ التوراة، وهذا ما كان الربانيون يتهمون به المساريين. ولكن هذا التفسير بصراحة فيه تكلف كبير وهو بعيد عن مضمون الآية ومثيلاتها من الآيات التي تتحدث في نفس الموضوع.

هذه هي بقية الآيات التي تتحدث في موضوع التحريف:

﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾

﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الكُفْرِ مِنَ الذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾

وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾

﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً۝فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾

هذه الآيات تتحدث كلها عن شيء واحد وهو قيام اليهود بتحريف القرآن وليس الكتاب اليهودي. اليهود في المدينة كانوا يسمعون القرآن من الرسول ثم يحرفونه بهدف الاستهزاء والإساءة، وأيضا هم كانوا يتلاعبون بالألفاظ ويقولون في العلن كلاما وفي السر كلاما آخرا (مثلا في العلن يقولون “سمعنا وأطعنا” وفي السر “سمعنا وعصينا”). “لي الألسنة” المقصود هنا هو الحذلقة والفهلوة اللفظية (خفة الدم) التي كان اليهود يبدونها تجاه الرسول والقرآن، وأما ما ذهب إليه كمال الصليبي فهو بعيد عن نص هذه الآيات. لا توجد في الحقيقة آيات قرآنية صريحة تتحدث عن تحريف اليهود للكتاب اليهودي. القرآن لا يقول أن اليهود حرفوا كتابهم بل على العكس هو يقول:

﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ وَكَيْفَ يَحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بَالْمُؤْمِنِينَ﴾

يقول “التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ”. هو لا يطعن في التوراة ولكنه يطعن في اليهود. ما يقوله القرآن هو أن بعض (وليس كل) أهل الكتاب بدلوا دينهم وتولوا وتفرقوا ونقضوا ونكثوا إلخ، ولكنه في المقابل يثني على قسم آخر منهم كما في الآيات التالية:

﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾

﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾

﴿وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ۝وَتَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ۝لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾

هذه الآيات كلها واضحة وهي لا تطعن في التوراة ولا حتى في الربانيين والأحبار. (كلمة ربانيين شرحناها وأما كلمة أحبار فلا أعرف معناها. معنى حَبِر חָבֵר في اللغة العبرية هو “الشريك” أو “العضو في جماعة”، وبالتالي هي ربما كانت تطلق على أعضاء الجماعات الدينية اليهودية؟) ما يقوله القرآن هو أن التوراة هدى ونور وفيها حكم الله، ولكن هناك فئة من اليهود انحرفت عما جاء فيها، وواجب الربانيين والأحبار هو إعادتهم إليها. هذا هو كل ما يقوله القرآن في هذه الآيات.

الآية التالية هي ربما الآية الوحيدة في القرآن التي يمكن أن يكون المقصود منها هو أن اليهود يحرفون كتابهم:

﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾

لكي نفهم هذه الآية يجب أن نأخذ سياقها كاملا (ويجب أيضا أن نقارنها مع بقية الآيات لأن القرآن يفسر بعضه بعضا ولا يجوز عزل آية معينة عن بقية الآيات):

﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ۝وَإِذَا لَقُوا الذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ۝أَوَ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ۝وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ۝فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾

من الواضح هنا أن القرآن يتحدث في البداية عن نفس القضية، أي قضية تحريف القرآن وليس تحريف الكتاب اليهودي. ثم بعد ذلك يثير القرآن قضية جديدة هي قضية متاجرة “الأميين” بالكتاب اليهودي بهدف الإساءة للإسلام. كلمة “الأميين” في القرآن لا تعني الذي لا يقرأ ولا يكتب وإنما هي ترجمة لمصطلح gōyim גוים التوراتي (بالإنكليزية: Gentiles) الذي يعني “أممين” أو “شعوبيين” (أي غير اليهود). هذه الكلمة تترجم في الأناجيل العربية حاليا إلى “أممين” ولكنها في القرآن ترجمت إلى “أميين”. كلمة “أميين” في القرآن مشتقة من “أمة” ولا علاقة لها بالقراءة والكتابة. هذا التفسير لا شك فيه بدليل الآية التي تقول:

﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾

هذه الآية لا دخل لها بالقراءة والكتابة بل هي نظير عربي لمصطلح Apostle to the Gentiles (الرسول إلى الأمميين) الذي يطلق على القديس المسيحي بولص. العرب قبل الإسلام لم يكونوا أميين بمعنى أنهم لا يقرؤون ولا يكتبون. هذه خرافة ينفيها علم الآثار تماما. المستشرق M.C.A. Macdonald يقول أنه بناء على العدد الهائل من الكتابات والنقوش الشخصية التي تم اكتشافها في الجزيرة العربية يمكننا القول بأن نسبة القراءة والكتابة لدى سكان الجزيرة العربية قديما كانت الأعلى في العالم. ربما يكون هذا الكلام مبالغة ولكن القول بأن العرب قبل الإسلام كانوا أميين لا يعرفون القراءة والكتابة هو مجرد خرافة شعبية نشأت من سوء فهم للقرآن.

ابن عباس كان يعرف التفسير الصحيح لكلمة “أميين” في القرآن. ما يلي تفسير الآية لدى ابن كثير:

يَقُول تَعَالَى ” وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ” أَيْ وَمِنْ أَهْل الْكِتَاب قَالَهُ مُجَاهِد : وَالْأُمِّيُّونَ جَمْع أُمِّيّ وَهُوَ الرَّجُل الَّذِي لَا يُحْسِن الْكِتَابَة . قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَة وَالرَّبِيع وَقَتَادَة وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَغَيْر وَاحِد وَهُوَ ظَاهِر فِي قَوْله تَعَالَى ” لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَاب ” أَيْ لَا يَدْرُونَ مَا فِيهِ . وَلِهَذَا فِي صِفَات النَّبِيّ – صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : أَنَّهُ الْأُمِّيّ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُحْسِن الْكِتَابَة كَمَا قَالَ تَعَالَى “وَمَا كُنْت تَتْلُوا مِنْ قَبْله مِنْ كِتَاب وَلَا تَخُطّهُ بِيَمِينِك إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ “وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ” إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسِبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ” الْحَدِيث أَيْ لَا نَفْتَقِر فِي عِبَادَتنَا وَمَوَاقِيتهَا إِلَى كِتَاب وَلَا حِسَاب وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى “هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ” وَقَالَ اِبْن جَرِير : نَسَبَتْ الْعَرَب مَنْ لَا يَكْتُب وَلَا يَخُطّ مِنْ الرِّجَال إِلَى أُمّه فِي جَهْله بِالْكِتَابِ دُون أَبِيهِ . قَالَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَوْل خِلَاف هَذَا وَهُوَ مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْب حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد عَنْ بِشْر بْن عُمَارَة عَنْ أَبِي رَوْق عَنْ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ” وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ” قَالَ الْأُمِّيُّونَ قَوْم لَمْ يُصَدِّقُوا رَسُولًا أَرْسَلَهُ اللَّه وَلَا كِتَابًا أَنْزَلَهُ اللَّه فَكَتَبُوا كِتَابًا بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ قَالُوا لِقَوْمٍ سَفَلَة جُهَّال هَذَا مِنْ عِنْد اللَّه وَقَالَ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَكْتُبُونَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ سَمَّاهُمْ أُمِّيِّينَ لِجُحُودِهِمْ كَتَبَ اللَّهُ وَرُسُله ثُمَّ قَالَ اِبْن جَرِير : وَهَذَا التَّأْوِيل تَأْوِيل عَلَى خِلَاف مَا يَعْرِف مِنْ كَلَام الْعَرَب الْمُسْتَفِيض بَيْنهمْ وَذَلِكَ أَنَّ الْأُمِّيّ عِنْد الْعَرَب الَّذِي لَا يَكْتُب . قُلْت ثُمَّ فِي صِحَّة هَذَا عَنْ اِبْن عَبَّاس بِهَذَا الْإِسْنَاد نَظَر وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَوْله تَعَالَى ” إِلَّا أَمَانِيّ ” قَالَ اِبْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس إِلَّا أَمَانِيّ الْأَحَادِيث وَقَالَ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ” إِلَّا أَمَانِيّ ” يَقُول إِلَّا قَوْلًا يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ كَذِبًا وَقَالَ مُجَاهِد إِلَّا كَذِبًا : وَقَالَ سُنَيْد عَنْ حَجَّاج عَنْ اِبْن جُرَيْج عَنْ مُجَاهِد ” وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَاب إِلَّا أَمَانِيّ ” قَالَ أُنَاس مِنْ الْيَهُود لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ مِنْ الْكِتَاب شَيْئًا وَكَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِالظَّنِّ بِغَيْرِ مَا فِي كِتَاب اللَّه وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ الْكِتَاب أَمَانِيّ يَتَمَنَّوْنَهَا وَعَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ نَحْوه وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة وَالرَّبِيع وَقَتَادَة إِلَّا أَمَانِيّ يَتَمَنَّوْنَ عَلَى اللَّه مَا لَيْسَ لَهُمْ وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ إِلَّا أَمَانِيّ قَالَ تَمَنَّوْا فَقَالُوا نَحْنُ مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَلَيْسُوا مِنْهُمْ قَالَ اِبْن جَرِير وَالْأَشْبَه بِالصَّوَابِ قَوْل الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَالَ مُجَاهِد إِنَّ الْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُمْ لَا يَفْقَهُونَ مِنْ الْكُتُب الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّه تَعَالَى عَلَى مُوسَى شَيْئًا وَلَكِنْهُمْ يَتَخَرَّصُونَ الْكَذِب . يَتَخَرَّصُونَ الْأَبَاطِيل كَذِبًا وَزُورًا وَالتَّمَنِّي فِي هَذَا الْمَوْضِع هُوَ تَخَلُّق الْكَذِب وَتَخَرُّصه وَمِنْهُ الْخَبَر الْمَرْوِيّ عَنْ عُثْمَان بْن عَفَّان – رَضِيَ اللَّه عَنْهُ – مَا تَغَنَّيْت وَلَا تَمَنَّيْت يَعْنِي مَا تَخَرَّصْت الْبَاطِل وَلَا اِخْتَلَقْت الْكَذِب . وَقِيلَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ ” إِلَّا أَمَانِيّ ” بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف أَيْضًا أَيْ إِلَّا تِلَاوَة فَعَلَى هَذَا يَكُون اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِعًا وَاسْتَشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ” إِلَّا إِذَا تَمَنَّى ” أَيْ تَلَا ” أَلْقَى الشَّيْطَان فِي أَمْنِيَّته ” الْآيَة وَقَالَ كَعْب بْن مَالِك الشَّاعِر : تَمَنَّى كِتَاب اللَّه أَوَّل لَيْلَة وَآخِره لَاقَى حِمَام الْمَقَادِر وَقَالَ آخَر : تَمَنَّى كِتَاب اللَّه آخِر لَيْلَة تَمَنِّي دَاوُد الْكِتَاب عَلَى رَسَل وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد عَنْ عِكْرِمَة أَوْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس ” لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَاب إِلَّا أَمَانِيّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ” أَيْ وَلَا يَدْرُونَ مَا فِيهِ وَهُمْ يَجْحَدُونَ نُبُوَّتك بِالظَّنِّ وَقَالَ مُجَاهِد” وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ” يَكْذِبُونَ وَقَالَ قَتَادَة وَأَبُو الْعَالِيَة وَالرَّبِيع : يَظُنُّونَ بِاَللَّهِ الظُّنُون بِغَيْرِ الْحَقّ .

ابن عباس يقول “الْأُمِّيُّونَ قَوْم لَمْ يُصَدِّقُوا رَسُولًا أَرْسَلَهُ اللَّه وَلَا كِتَابًا أَنْزَلَهُ اللَّه”. هذا المعنى قريب من معنى كلمة “أمميين” التوراتية وهو التفسير الصحيح، ولكن كعادة المسلمين فإن الفهم الصحيح ضاع مع الزمن واندثر حتى لم يعد أحد يعرفه.

إذن المقصود بالآية باختصار هو أنه كانت هناك جماعة من اليهود يظهرون الإيمان في العلن ولكنهم فيما بينهم يقولون أننا لا نريد أن نناقش المسلمين في التوراة لأنهم من الأممين ولا يجوز لنا تعليمهم التوراة وإلا فإنهم سيستخدمونها للتقرب إلى الله على حسابنا، والقرآن يرد عليهم ويقول أن من يقولون ذلك ليسوا كلهم من أهل الكتاب فعلا وأن هناك بينهم أمميين لا يعلمون التوراة “إلا أماني” (أي أنهم لا يعرفون منها سوى تلاوتها). هذا الكلام هو تكرار لنفس المنطق القرآني الذي يتهم بعض اليهود بالبعد عن كتابهم وبأنهم لا يتبعون ما جاء فيه. أما الآية الأخيرة التي تقول “فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ…” فهذه رد على اليهود الذين اتهموا الرسول بأنه يؤلف القرآن. يجب أن نفهم هذه الآية في سياق الآيات السابقة لها. الآيات تقول أن بعض اليهود كانوا يهزؤون من الرسول وكانوا يمتنعون عن مناقشته في الدين بحجة أنه أممي، أي أنهم كانوا يتكبرون عليه وعلى المسلمين. القرآن يرد عليهم ويقول أنكم لا تختلفون عن المسلمين شيئا فأنتم لا تعرفون من كتابكم شيئا سوى تلاوته، أي أنكم أمميون بهذا المعنى، وبالتالي لا يحق لكم التكبر على الناس واتهامهم بأنهم يؤلفون الكتاب وينسبونه إلى الله. الآية الأخيرة هي مجرد رد فعل على اتهام اليهود للرسول بأنه يؤلف القرآن وهي لا تعني أن القرآن يطعن في التوراة. لو كانت الآية تطعن في التوراة فهذا يعني أنها تناقض الآية السابقة لها التي تقول “وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ”. كيف يتهم القرآن اليهود بالبعد عن التوراة ثم بعد ذلك يقول أنها محرفة؟ هذا كلام غير متسق. الكتاب المقصود في الآية الأخيرة هو ربما القرآن. الآية تقول أن من يؤلف الكتاب ملعون، أي أن الرسول لا يؤلف الكتاب، وإن كان الكتاب المقصود هو ما لدى اليهود فالآية هي مجرد اتهام مضاد لليهود بأنهم هم من يؤلفون الكتاب وليس الرسول. سياق الآيات السابقة هو رد الاتهام إلى أصحابه (لسنا نحن الأمميين وإنما أنتم) وبالتالي يجب فهم الآية الأخيرة أيضا في هذا السياق في حال كان الكتاب المقصود فيها هو ما لدى اليهود (الذي هو ليس التوراة في هذه الحالة). يجب الانتباه أيضا إلى أن هذه الآية تتحدث عن حالة ظرفية محددة (تحديدا هي تتحدث عن قسم من اليهود في عصر الرسول) ومن غير المنطقي استخدام هذه الآية للقول بأن التوراة الأصلية مفقودة وغير موجودة الآن. هذا الكلام يناقض آيات القرآن الأخرى التي تثني على الربانيين والأحبار وكتابهم. لا توجد في القرآن آيات تتحدث عن كون التوراة مفقودة. القرآن يثني على التوراة ويهاجم قسما من اليهود ويتهمهم بالبعد عن التوراة وربما حتى بكتابة كلام ونسبته إليها، ولكن لا يوجد في القرآن أي نص يقول أن التوراة ككتاب عام هي كتاب محرف أو ضائع. هذه المقولة نشأت لدى المسلمين في عصور تالية لعصر القرآن وربما يكون السبب الأساسي لذلك هو سوء الفهم للقرآن (بالإضافة إلى أسباب أخرى طبعا كنزول الآيات المتأخرة التي تدعو المسلمين لقتال أهل الكتاب وظهور مفهوم نسخ القرآن للكتب السماوية السابقة والفتوحات الإسلامية إلخ، هذه الأسباب كلها ربما لعبت دورا في خلق الفكرة القائلة بأن التوراة المعروفة حاليا هي كتاب محرف وأن التوراة الأصلية مفقودة).

كل الكلام السابق هو انحراف عن الموضوع الأساسي الذي هو “تيمن”. كلمة “تيمن” في التوراة هي اسم لمنطقة في جنوب أرض إدام، وتيمن في أنساب سفر التكوين هو من نسل عِشَو (عيسو Esau) جد الإداميين، وبالتالي تيمن هي جزء من أرض إدام. الإداميون كانوا يتحدثون لغة كنعانية كالعبرانيين وبالتالي لو كان أصل كلمة “تَيْمَن” هو “تَيْمان” بالمد لكان لفظها في الإدامية والعبرية هو Tēmōn بالتفخيم (لأن الألف الممدودة في اللهجات الكنعانية تفخم دائما إلى ō، وهذا ما يسميه المستشرقون “التحويلة الكنعانية” Canaanite shift). بعض المستشرقين زعموا أن التحويلة الكنعانية لها استثناءات وأن ān– في نهاية بعض الكلمات العبرية لم تخضع للتحويلة الكنعانية، ولكن هذا قول فاسد ويمكن الرد عليه بسهولة (الـ ān– التي يقولون أنها لم تتحول إلى ōn– في بعض الكلمات العبرية هي في الحقيقة an– بالفتحة القصيرة).

اللفظ الطبري لكلمة تيمن ليس Tēmōn وإنما Tēmān بالفتح، وهذا يدل على أمر من أمرين: إما أنها أصلا تَيْمَن بالفتحة القصيرة أو أنها ليست كلمة كنعانية وإنما عربية أو آرامية، وما يوجه نحو الفرضية الثانية عدد من الأمور منها مثلا وجود بلدة باسم تَيْماء إلى الجنوب من إدام في شمال الحجاز (كلمة “تيماء” تشبه “تيمان”). أيضا ورد في سفر إرميا (49:7) ما يلي على لسان الله:

7. وقالَ يهوه القديرُ عن إدام: أمَا مِنْ حِكمَةٍ بَعدُ في تَيْمَنَ؟ هل نَفَدَ الفَهْمُ مِن بَنِيها وزالت حِكمَتُهُم؟
٨. اهرُبوا. وَلُّوا. اختَبِئوا يا سُكَّانَ دَدَن! سأجلِبُ النَّكبَةَ على الإداميين بَني عِشَو لأنَّ وقتَ عِقابِهِم حانَ.

الكلام هنا موجه إلى الإداميين ولكن الملفت هو ذكر مدينة دَدَن التي تقع في شمال الحجاز جنوب غرب تيماء (بجوار مدينة العلا). إنذار الله لسكان ددن بإخلاء مدينتهم يوحي بأنها قريبة جدا من تيمن أو ربما تقع فيها، أي أن تيمن ربما تكون بالفعل مرتبطة بتيماء.

في هذا النص أيضا يتساءل الله عن حكمة تيمن وأين ذهبت هذه الحكمة. منطقة تيمن موصوفة بالحكمة في الكتاب اليهودي في أكثر من موضع، وهذا يظهر مثلا في قصة أيوب (اسمه الأصلي أَيَّاب אִיּוֹב):

(أيوب: 1)
1.كانَ في أرضِ عُوصَ رَجلٌ اسمُهُ أيُّوبُ، وكانَ هذا الرَّجلُ نَزيهاً مُستقيماً يَخافُ اللهَ ويَحيدُ عَنِ الشَّرِّ.
2. ووُلِدَ لأيُّوبَ سبعةُ بَنينَ وثَلاثُ بَناتٍ.
3. وكانَت مَواشيهِ سبعةَ آلافٍ مِنَ الغنَمِ، وثَلاثةَ آلافِ جمَلٍ، وخمْسَ مئَةِ فَدَّانِ بقَرٍ، وخَمْسَ مئَةِ أتانٍ، ولَه عبيدٌ كثيرونَ. فكانَ ذلِكَ الرَّجلُ أعظمَ بَنِي الشَّرقِ جميعاً.

6. وجاءَ الملائِكةُ يوماً للمُثولِ أمامَ يهوه، وجاءَ الشَّيطانُ أيضاً بَينَهُم.
7. فقالَ يهوه لِلشَّيطانِ: “مِنْ أينَ جِئْتَ؟” فأجابَ الشَّيطانُ: “مِنَ التَّجَوُّلِ في الأرضِ والسَّيرِ فيها”.
8. فقالَ لَه يهوه: “هل استَرعى انتِباهَكَ عبدي أيُّوبُ؟ فهوَ لا مَثيلَ لَهُ في الأرضِ لأنَّه رَجلٌ نَزيهٌ مُستَقيمٌ يخافُ اللهَ ويَحيدُ عَنِ الشَّرِّ.”
9. فأجابَ الشَّيطانُ: “أيخافُ أيُّوبُ يهوه بلا مُقابل؟
10. أما سيَّجْتَ حَولَهُ وحَولَ بَيتِهِ وحَولَ كُلِّ شيءٍ لَه مِنْ كُلِّ جِهَةٍ؟ أما بارَكتَ عَمل يَدَيه فتكاثرت مَواشيهِ في الأرضِ؟
11. ولَكِنْ مُدَّ يدَكَ الآنَ ومُسَّ كُلَّ شيءٍ لَه، فتَرى كَيفَ يَشتمُكَ في وجهِكَ.”
12. فقالَ يهوه لِلشَّيطانِ: “ها أنا أجعَلُ كُلَّ شيءٍ لَه في قَبضَةِ يدِكَ، ولكِنْ إليهِ لا تمُدَّ يدَكَ.” وخرَجَ الشَّيطانُ مِنْ أمامِ وجهِ يهوه.
13. وحدَثَ يوماً أنَّ بني أيُّوبَ وبَناتِهِ كانوا يأكلونَ ويشرَبونَ خمراً في بَيتِ أخيهِمِ الأَكبرِ،
14. فأقبَلَ رَسولٌ إلى أيُّوبَ وقالَ: “كانَتِ البقَرُ تحرُثُ والحميرُ تَرعى بِجانِبِها،
15. فانقَضَّ علَيها بَنو سَبَأ وأخَذوها وقتَلوا الرُعاةَ بِحدِّ السَّيفِ، ونَجوتُ أنا وَحدي لأُخبِرَكَ”.
16. وفيما هوَ يتكلَّمُ، أقبَلَ آخَرُ وقالَ: “سقَطَت نارُ اللهِ مِنَ السَّماءِ وأحرقَتِ الغنَمَ والرُعاةَ وأكلَتهُم، ونَجَوتُ أنا وَحدي لأُخبِرَكَ”.
17. وفيما هوَ يتكلَّمُ، أقبلَ آخَرُ وقالَ: “هجَمَت ثَلاثُ عِصاباتٍ مِنَ الكَلْدانيِّينَ على الجِمالِ وأخَذوها وقتَلوا الرُعاةَ بِحَدِّ السَّيفِ، ونَجَوتُ أنا وحدي لأُخبِرَكَ”.
18. وفيما هوَ يتكلَّمُ، أقبلَ آخَرُ وقالَ: “كانَ بَنوكَ وبَناتُكَ يأكُُلونَ ويشرَبونَ خمراً في بَيتِ أخيهِمِ الأكبر،
19. فهَبَّت ريحٌ شديدةٌ جاءت مِنْ عَبرِ البَرِّيةِ وصدمَت زَوايا البَيتِ الأربَعِ، فسقَطَ علَيهِم
فماتوا، ونَجَوتُ أنا وحدي لأُخبِرَكَ”.
20. فقامَ أيُّوبُ وشَقَّ ثوبَهُ وجَزَّ شَعرَ رأسِه ووقَعَ على الأرضِ ساجداً
21. وقالَ: “عُرياناً خرَجْتُ مِنْ بَطنِ أُمِّي وعُرياناً أعودُ إلى هُناكَ، يهوه أعطى ويهوه أخذَ تبارَكَ اسمُ يهوه”.
22. وما خَطِئَ أيُّوبُ معَ هذا كُلِّهِ، ولا عَتِبَ على اللهِ.

(أيوب: 2)
1. وجاءَ الملائِكةُ يوماً للمُثولِ أمامَ يهوه، وجاءَ الشَّيطانُ بَينَهُم.
2. فقالَ يهوه لِلشَّيطانِ: “مِنْ أينَ جِئتَ؟” فأجابَ الشَّيطانُ: “مِنَ التَّجَوُّلِ في الأرضِ والسَّيرِ فيها”.
3. فقالَ لَه يهوه: “هل استَرعى انتِباهَكَ عبدي أيُّوبُ؟ فهوَ لا مَثيلَ لَهُ في الأرضِ لأنَّه رَجلٌ نَزيهٌ مُستَقيمٌ يخافُ اللهَ ويَحيدُ عَنِ الشَّرِّ، وإلى الآنَ هوَ مُتَمَسِّكٌ بِنَزاهَتِهِ، معَ أنَّكَ حَرَّضتَني علَيهِ مِنْ دُونِ سبَبٍ”.
4. فأجابَ الشَّيطانُ: “نجا بِجِلدِه. كلُّ ما يَملِكُهُ الإنسانُ يَبذُلُهُ عَن نَفسِه.
5. ولكِنْ مُدَّ يدَكَ ومُسَّ عظْمَهُ ولَحمَهُ فترَى كيفَ يَشتمُكَ في وجهِكَ”.
6. فقالَ يهوه للشَّيطانِ: “ها هوَ الآنَ في قبضَةِ يَدِكَ، ولكِنِ احفَظْ حَياتَهُ”.
7. وخرَجَ الشَّيطانُ مِنْ أمامِ وجهِ يهوه وضرَبَ أيُّوبَ بِالجرَبِ مِنْ باطِنِ قدَمِهِ إلى قِمَّةِ رأسِه.
8. فأخذَ أيُّوبُ شَقفَةً مِنَ الخَزَفِ ليَحُكَّ جسَدَه بِها وهوَ جالِسٌ على الرَّمادِ.
9. فقالَت لَه امرأتُهُ: “ما زِلتَ مُتَمَسِّكاً باستِقَامَتِكَ؟ اُشتمِ اللهَ ومُتْ!”.
10. فقالَ لها أيُّوبُ: “كلامُكِ هذا كلامُ امرأةٍ جاهِلَةٍ. أنَقبَلُ الخَيرَ مِنَ اللهِ وأمَّا الشَّرَّ فلا نقبَلُهُ؟” ومع كل هذا لم يَخطَأْ أيُّوبُ بكَلِمَةٍ مِنْ شَفَتَيهِ.
11. وسَمِعَ ثَلاثَةُ أصدِقاءَ لأيُّوبَ بِكُلِّ ما حَلَّ بهِ مِنَ المصائِبِ، فأقبلَ كُلُّ واحدٍ مِنْ مَكانِهِ :إِلِيفَزُ التَّيْمَنيُّ وبِلْدَدُ السُّوحِيُّ وصَوْفَرُ النَّعْمَتِيُّ، و اتَّفَقوا على أنْ يذهَبوا إلى أيُّوبَ لِيَرثوا حالَه ويُعَزُّوهُ.

ثم يصاب أيوب باليأس ويعبر بأبيات شعرية عن قنوطه من رحمة الله، فيجادله أصدقاؤه الثلاثة بأبيات من الشعر، وفي أثناء هذا الجدل يقول أيوب ساخرا من أصدقائه:

(أيوب: 12)
1. فأجابَ أيُّوبُ :”لا قَوْمَ إلا أَنتُم وفي موتِكُم تموتُ الحكمةُ!”

ثم ينضم إلى الجدال الشعري شخص رابع هو “إِلِيهُوء بن بَرَكْئِل البُوزِي من عشيرة رَم”، وفي النهاية ينضم يهوه أيضا ويجادل أيوب إلى أن يتوب الأخير:

(أيوب: 42)

1. فأجابَ أيُّوبُ يهوه وقالَ :
2. “عرَفتُكَ قادراً على كُلِّ شيءٍ فلا يتَعذَّرُ علَيكَ أمرٌ.
3. أخفَيتَ مَشورَتَكَ ولم تَبُحْ بِها. فتكلَّمتُ بكَلامٍ باطلٍ على مُعجِزاتٍ لا أُدرِكُ مَغزاها وعجائِبَ فَوقَ مُتَناوَلِ فَهمي .
4. إسمَعْ، فلي بعدُ ما أقولُهُ، وما أسألُكَ عنهُ فأخبِرْني .
5. سمِعتُ عنكَ سَمْعَ الأُذُنِ، والآنَ رأتْكَ عَينِي.
6. لذلِكَ أستَرِدُّ كَلامي وأندَمُ وأنا هكذا في التُّرابِ والرَّمادِ”.

10. ورَدَّ يهوه أيُّوبَ إلى ما كانَ علَيهِ مِنْ جاهٍ حينَ صلَّى لأجلِ أصحابِه.ِ وزادَ اللهُ أيُّوبَ ضُعفَ ما كانَ لَه مِن قَبلُ.
11. وزارَهُ جميعُ إخوتِهِ وأخواتِهِ وكُلُّ مَنْ كانَ يعرِفُهُ مِنْ قَبلُ، فآَكلوا معَهُ خُبزاً في بيتِهِ ورَثَوا حالَهِ وعَزَّوهُ عَنْ كُلِّ البلايا الّتي أنزَلَها يهوه بهِ. وأهدى لَه كُلُّ واحدٍ منهمُ قِطعةً مِنَ الفِضَّةِ وخاتَماًمن ذهَبٍ.
12. وبارَكَ يهوه أيُّوبَ في آخِرِ أيّامِهِ أكثرَ مِنْ أوَّلِها، فكانَ لهُ مِنَ الغنَمِ أربعَةَ عشَرَ ألفاً ومِنَ الجِمالِ سِتَّةُ آلافٍ، ومِنَ البقَرِ ألفُ فَدَّانٍ، ومِنَ الحميرِ ألفُ أتانٍ.
13. وكانَ لَه سبعَةُ بنينَ وثَلاثُ بَناتٍ.
14. وسمَّى الأُولى يَمِيمَةَ، والثَّانيةَ قَصِيعَةَ، والثَّالثةَ قَرْنَ هَفُّوكَ.
15. وما كانَ في الأرضِ كُلِّها نساءٌ بجَمالِ بَناتِ أيُّوبَ. وأعطاهُنَّ أبوهُنَّ ميراثاً بَينَ إخوَتِهِنَّ.
16. وعاشَ أيُّوبُ بَعدَ هذا مئَةً وأربَعينَ سنَةً، فرأى بَنيهِ وبَني بَنيهِ إلى أربعَةِ أجيالٍ. وماتَ أيُّوبُ شيخاً شبِعَ مِنَ الأيّامِ.

أحداث هذه القصة تدور في “أرض عُوص” (land of Uz)، وعوص حسب أنساب سفر التكوين هو أحد أبناء (أَرَم Aram) بن سام (سِم Shem).

____________________________________________________

تم اقتطاع جزء من هذا المقال وتحويله لموضوع منفصل. تكملة هذا الموضوع ستأتي لاحقا تحت عنوان “بلاد العرب (5)”.

الإعلانات

10 thoughts on “بلاد العرب (4)

  1. تحية للاخ هاني بعد غيبة طويلة نوعا ما

    يا سوري حر:
    جماعتك نزلو الملائكة رسميا عالأرض بحمص قال شو “يقاتلون مع اخوانهم المجاهدين”
    فمستكتر علينا “نفرض” اذا نزل الله جل جلاله في علاه
    يا اخي حتى بين العبد وربو بيدخلو يعني بيدحشوا حالون بكلشي ب الدين و السياسة والديمقراطية و حقوق الأنسان ومدري شو
    و بتقلي “انتم لا دين لكم انتم عبدة شياطين”
    بس قلي مين وكلك تكفرني انا او غيري
    مو كل واحد إلو دينو و ملتو
    و كمان قلتلي “صارت طائفتك معروفة عنا”
    يعني كل واحد ما بيعجبو رأيو للأفندي الحر/// الله بيبعتلو وحي للحر ابن الحر وبيصير بيعرف طوائف الناس ///
    لا شو وبيرجع بعد شوي بيقول ” يموتون على كفر”
    و كمان بيرجع بيقول “اخوتنا من الطائفة الكريمة”
    يا اخي بربي”””””” ربي انا مو ربك”””” دخلتني بالحيط بنفاقك و دجلك
    يا اخ هاني كنت تابع التعليقات دوما بالمدونة لأستأنث بالرأي العام بس الهيئة المدونة صارت تسلاية لبعض التافهين
    يعني الواحد بيحط تعليق أو 2 او 3 بالكتير
    اما الغامدي و الحر عملوها لقاء صحفي عشو رأيك و مانسبة و ما احتمال و من هاد الحكي التافه
    عكل حال يا هاني اعتبرني شيوعي حقيقي
    اذا ما بترضا بهيك شخص بمدونتك احظرني رجاءاااا
    مع كامل الأحترام

    • انت قلت لو ينزل الله الى الارض … بكفر بواح وتحدي لله سبحانه وتعالى ..
      ثانيا : انا ماذا قلت لك ؟ هل سببتك ؟ ام شتمتك ؟ ام قمت بقتلك ؟
      الله اكبر …
      تقتلون وترهبون وتسفكون الدماء وليس عندكم رادع لا دين ولا اخلاق ولا انسانية ولا شيء ..
      مجرمييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييين ,,,

      • كما قال هاني مرة … الامور لم تعد تحتمل التجميل …
        ولم نعد نستطيع الكذب على انفسنا وان نستحمر بعضنا ..

  2. ماالغاية من كل هذه الدراسة وماذا تريد ان تثبت من خلالها
    موضوع طويل والأفكار مشتته
    مقالاتك عادة شيقة وموضوعية
    الإجازة كانت طويلة وأثرت هاهاها

    • شكرا لك على التعليق… صحيح هذا المقال لا هدف له… هو مجرد كلام مبعثر… أنا سوف أكمل الحديث عن الأنساب التوراتية في المقال القادم ولكنني في النهاية سوف أعود إلى موضوع منطقة تيمن… ومن هذه المنطقة سوف أدخل إلى منطقة الحجاز وأتحدث عن تاريخ العرب والإسلام… المشوار طويل ولكنني في النهاية سأصل إلى جوهر الموضوع…

      الهدف من الموضوع هو كشف الكثير من الحقائق والمعلومات التي أنا شخصيا لم أكن أعرفها ولكنني عرفتها مؤخرا من خلال القراءة… هناك معلومات كثيرة عن تاريخ العرب والإسلام أريد كتابتها لأنها تخالف الأفكار السائدة… وبالمناسبة هذه المقالات تجذب قسما مهما من القراء إلى المدونة… معظم قراء المدونة الآن يتابعون المواضيع السياسية ولكنني أريد تنويع المدونة لأن هذا يجذب أنواعا أخرى من الزوار ولأنني أنا شخصيا لا أحب الحديث في السياسة فقط دون غيرها…

      ولأكون صادقا معك، بالفعل الإجازة شوشتني… للأسف أنا الآن أعاني من ضغط في الوقت ولن أتمكن من العودة إلى الكتابة بنفس الوتيرة السابقة قريبا…

  3. يا غامدي… التهجم علي أو على أي شخص هو أمر ممنوع… توقف عن كيل الاتهامات والتهجم…

    بالنسبة لحظر المدونة في السعودية فهذا أمر يضرك أنت ولا يضرني… قراء المدونة يأتون من كل أنحاء العالم وليس السعودية فقط…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s