بلاد العرب (2)

أقسام بلاد العرب في القرن السادس الميلادي


هذا المقال هو استكمال لموضوع كنت قد بدأته قبل فترة تحت عنوان “تاريخ العرب”. كنت أريد من هذا المقال أن يكون مجرد مقدمة جغرافية وجيزة أدخل منها للحديث عن تاريخ العرب في الفترة السابقة للإسلام، ولكنني انحرفت بشكل غير مقصود وغصت كثيرا في التفاصيل الجغرافية مما جعل المقال أشبه بدراسة أو بحث جغرافي وأفقد العنوان معناه، ولهذا السبب غيرت العنوان إلى “بلاد العرب” وقررت اعتبار هذا الموضوع منفصلا عن الموضوع التاريخي الذي سوف أكتبه لاحقا.

بلاد النبط

مملكة النبط


تحدثت في المقال الأول عن المنطقة الأولى من مناطق الجزيرة العربية حسب التقسيم اليوناني-الروماني القديم وهي منطقة عربية الصحراوية Arabia Deserta، والآن سوف أتحدث عن المنطقة الثانية وهي عربية الصخرية Arabia Petraea.

بالنسبة لعربية الصخرية فهي منطقة نابعة من التقسيم الجغرافي اليوناني-الروماني القديم وليست تقسيما عربيا، ولذلك فإن العرب في زمن ظهور الإسلام لم يكونوا يعرفون هذه المنطقة كوحدة مستقلة وإنما كانوا يعتبرونها تنتمي كليا أو جزئيا إلى الشام، ويقصدون بالشام المنطقة التي كان الروم البيزنطيون يسمونها سورية Syrίa) Συρία).

عربية الصخرية عند الجغرافيين اليونانيين كانت تعني بالأساس بلاد الأنباط أو النَبَط التي كانوا يسمونها في الأصل نبطية Nabataea، والنبط هو اسم لشعب بدوي الأصل كان يسكن منطقة جبل الشراة منذ منتصف الألفية الأخيرة قبل الميلاد (القرن الخامس قبل الميلاد) وحتى القرن الثالث الميلادي، والنبط كانوا يتحدثون نفس اللغة المُضَرية التي كانت قبيلة قريش تتحدثها في القرن السادس الميلادي (زمن ولادة الرسول)، مما يعني أن النبط هم أقدم شعب معروف كان يتحدث اللغة المضرية التي تعرف الآن باللغة العربية.

تاريخ النبط القديم وأصلهم مجهول، ولكن عددا من المستشرقين والباحثين يرون أن النبط سكنوا جبل الشراة لأول مرة بعد الغزو البابلي لفلسطين (بقيادة نبوخد نصر) في العام 586 قبل الميلاد، ومنذ ذلك الوقت بدأ النبط يغيرون نمط حياتهم القديم ويتحولون إلى نمط حياة جديد قائم على التجارة. النبط استغلوا ضعف السلالات اليونانية الحاكمة لسورية (السلوقيون) ومصر (البطالمة) وبدؤوا منذ القرن الثالث قبل الميلاد بتكوين مملكة توسعية في جنوب سورية على حساب مناطق كان يتناوب على حكمها سابقا السلوقيون والبطالمة (والنبط لم يكونوا الوحيدين في ذلك حيث أن هناك أقواما أخرى عدة كونت مماك مستقلة في تلك الفترة في أراضي السلوقيين). أول ملوك النبط المعروفين هو “حارثة” الذي ورد اسمه في نقش نبطي من العام 168 قبل الميلاد (حرتت) وورد اسمه أيضا في سفر يهودي مكتوب باللغة اليونانية (Aretas)، ويسميه المستشرقون باسم “حارثة الأول” Aretas I.

بعد حارثة الأول ظهر عدد من الملوك الذين قاموا بتوسيع مملكة النبط بشكل تدريجي حيث نجحوا في مدها شمالا إلى صلخد وبصرى في جنوب شرق حوران (وفي بعض الأزمنة إلى دمشق) ونجحوا في ضم مناطق من شرق الأردن وشمال الحجاز وأجزاء من فلسطين ومن شبه جزيرة سيناء.

في عام 62 قبل الميلاد (في عهد حارثة الثالث Aretas III) أصبحت مملكة النبط تابعة للرومان وصارت تدفع لهم الجزية، وفي عام 106 ميلادي ألغى الإمبراطور الروماني ترايان Trajanus مملكة النبط وحولها إلى مقاطعة رومانية باسم عربية الصخرية Arabia Petraea والتي صارت تعرف أيضا بعربية Arabia.

الشراة

مهد المملكة النبطية هو جبل الشَّراة أو جبال الشَّراة، والتي كان يسكنها قبل النبط الإداميّون Edomites، ولهذا السبب فإنني رأيت أن بعض الباحثين التوراتيين يسمون جبال الشَّراة باسم “جبال الإداميين” Edomite Mountains.

كلمة “الشَّراة” هي على ما أظن مرادف لكلمة “السَّراة” التي تطلق على مرتفعات الحجاز واليمن، ومعناها المرتفع من الأرض. هناك مرتفعات كثيرة في الجزيرة العربية كانت أسماؤها مشتقة من هذا الجذر. ما يلي من معجم البلدان:

وقال نصر الشرى مقصور جبل بنجد في ديار طيء وجبل بتهامة موصوف بكثرة السباع. والشرى موضع عند مكة

وأيضا هناك جبل شَرَوْرى الذي يقع شرقي تبوك. بالنسبة للجبل “الموصوف بكثرة السباع” الذي يقع في تهامة فهو قد يكون نفسه جبل الشراة النبطي، مع أنه لا دليل على ذلك لأن الكتاب القدامى تخبطوا في تحديد موقع هذا الجبل مما يدل على أنه مجهول.

جاء في لسان العرب:

والشَّرى: موضعٌ تُنْسب إليه الأُسْدُ، يقال للشُّجْعانِ: ما هُمْ إلا
أُسودُ الشَّرى؛ قال بعضهم: شَرى موضع بِعَيْنهِ تأَْوي إليه الأُسْدُ،
وقيل: هو شَرى الفُراتِ وناحِيَتهُ، وبه غِياضٌ وآجامٌ ومَأْسَدَةٌ؛ قال
الشاعر:
أُسودُ شَرىً لاقتْ أُسودَ خفِيَّةٍ.
والشَّرى: طريقٌ في سَلْمى كثير الأُسْدِ. والشَّراةُ: موضِع.

النبط كان لديهم إله مهم اسمه ذو الشرى (Dusares) وهو منسوب إلى جبلهم (الشرى = الشراة)، وهذا الإله كان لا يزال معبودا لدى بعض القبائل في زمن ظهور الإسلام كقبيلة دوس التي كانت تسكن إلى الجنوب من مكة.

جبل الشراة هو منطقة تكثر فيها العيون والأودية مقارنة بما حولها وفي زمن النبط ومن قبلهم كان الجبل أخصب مما هو عليه الآن. أودية الجبل تصب غربا نحو وادي عَرَبة وشرقا نحو بادية الشام في منطقة منخفضة تسمى الآن باسم “قاع الجَفر”.

الحد الشمالي لجبل الشراة هو وادي الحَسا الذي يفصله عن البلقاء، والحد الجنوبي هو وادي رَمّ الذي يفصله عن جبال حِسْمى، وإلى الغرب من الجبل يقع وادي عَرَبة، وهو واد كبير يفصل جبل الشراة عن صحراء النقب ويمتد من البحر الميت إلى خليج العقبة ويقع في نهايته ميناء العقبة (المعروف قديما باسم أيلة).

في العصر الإسلامي الباكر كان بعض الكتاب (كاليعقوبي وابن خرّداذبه) يميزون بين القسم الشمالي من جبل الشراة الذي كانوا يطلقون عليه اسم “كورة الجبال” (مركزها عَرَنْدَل) والقسم الجنوبي الذي كانوا يسمونه “كورة الشراة” (مركزها أَذْرُح). مثلا اليعقوبي عندما يعدد كور جند دمشق يقول:

وجبال: ومدينتها عرندل، وأهلها قوم من غسان، ومن بلقين وغيرهم… والشراة: ومدينتها أذرح، وأهلها موالي بني هاشم، وبها الحميمة منازل علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب وولده.

المسلمون في العصر الباكر كانوا يقسمون الشام إلى “أجناد”، وهي مناطق إدارية تعادل المقاطعات البيزنطية، وكانوا يقسمون كل جند إلى كُوَر (مفردها “كورة” وهي مأخوذة من الرومية χώρα)، وكانوا يقسمون كل كورة إلى رستاقات (مفردها رُستاق)، وهناك أيضا كلمة كانوا يستخدمونها هي الإقليم (من الرومية κλῆμα)، ومعنى الإقليم يختلف حسب كل كاتب فأحيانا يكون أكبر من الكورة وأحيانا أصغر منها. وبالنسبة لمراكز المناطق فكانوا أحيانا يسمونها بالقصبات (مفردها قَصَبة). هذه المعلومات مهمة لمن يقرأ قي معجم البلدان وغيره من الكتب القديمة.

القسم الشمالي من جبل الشراة (كورة الجبال) هي الموطن التاريخي للإداميين حسب رأي الباحثين، وهم يرون أن عاصمة الإداميين المعروفة في الكتاب المقدس اليهودي باسم سَلْع تقع بالقرب من مدينة الطفيلة.

أما القسم الجنوبي من جبل الشراة (كورة الشراة) فهو يحوي مدينة بطرا Petra عاصمة النبط، والتي تسمى في الإعلام باسم “البتراء” (أظن أنهم أخذوا هذا الاسم من ياقوت الحموي؟).

هناك في الكتب تخبط حول سلع وبطرا. بعض الكتب تقول أن مدينة بطرا النبطية هي نفسها سلع الإدامية، وهناك كتب أخرى تقول أن مدينة سلع الإدامية تقع قرب الطفيلة، أي أنها ليست نفسها بطرا النبطية.

كلمة (Pétra (Πέτρα اليونانية تعني “صخرة”، وهو نفس معنى كلمة سَلْع סֶּלַע‎ العبرية. ياقوت الحموي يقول في معجمه:

وسلع أيضا حصن بوادي موسى عليه السلام بقرب البيت المقدس

وادي موسى هو الوادي الذي يقع قرب بطرا، أي أنه يقول أن بطرا (البتراء) كانت تعرف باسم سلع.

ربما كانت هناك مدينتان في جبل الشراة تحملان نفس الاسم “سلع”، واحدة إدامية والثانية نبطية، أو ربما هناك خطأ ما حدث في العصور القديمة وأدى إلى الالتباس بين المدينتين.

السفر الرابع من التوراة اليهودية (الذي يتحدث عن جولة بني إسرائيل في صحراء سيناء) يقول أن بني إسرائيل حاولوا عبور أرض إدام Edom من صحراء النقب باتجاه الشرق ولكنهم فشلوا في ذلك بسبب خروج ملكها لهم “بشعب كبير ويد قوية”، فارتدوا على أعقابهم إلى جبل اسمه بالعبرية Hōr הֹר (هذا الاسم تعريبه إما هار أو هُرّ، ولا أدري ما هو الصحيح)، وعلى هذا الجبل الذي تصفه التوراة بأنه يقع “في طرف أرض إدام” مات أَهَران Aharōn (هارون) شقيق موسى ودفن. بما أن اسم الجبل شبيه باسم هارون فأنا سوف أفترض أن هناك رابطا بين الاسمين وسوف أكتب الاسم “هار”.

موقع جبل هار غير معروف لباحثي التوراة ولكن بما أنه يقع في طرف أرض إدام فهو يقع في منطقة جبل الشراة. هناك قمة قرب البتراء تسمى باسم “جبل النبي هارون”.

البلقاء

البَلْقاء هو اسم كان يطلقه العرب في العصر الإسلامي الباكر على كورة كبيرة ذات حدود متبدلة حسب الكاتب وحسب الزمن. كورة البلقاء كانت على ما يبدو تشمل المنطقة التي يسميها الكتاب المقدس اليهودي “عبر الأردن” עֵבֶר הַיַּרְדֵּן، وهي الهضبة الكلسية المتعرجة الممتدة على مسار الضفة الشرقية لنهر الأردن والبحر الميت (والتي يسميها الغربيون Transjordania، ومن هذه الكلمة التوراتية أتى اسم “إمارة شرق الأردن” التي أسسها البريطانيون في عام 1921 لعبد الله بن الحسين). بالإضافة إلى شرق الأردن يبدو أيضا أن كورة البلقاء كانت تضم مناطق في غرب الأردن كأريحا مثلا.


شرق الأردن في القرن التاسع قبل الميلاد بعد إنشاء الممالك اليهودية في كنعان


شرق الأردن حسب أسفار التوراة كان يحوي شعبين غير إسرائيليين هما مأب Moab وعَمّان Ammon، بالإضافة إلى إدام الذين كانوا يعيشون جنوبا. اسم مآب كان معروفا عند الكتاب المسلمين واليعقوبي مثلا ذكر أن مآب هي كورة تابعة لدمشق. كورة مآب كانت على ما يبدو تمتد شرق البحر الميت من وادي الحسا إلى وادي الموجب (أو إلى الشمال منه قليلا)، ومدينتها زغر وفيها تقع مُؤْتة (قرب الكرك حاليا)، وهذه نفسها هي أرض مأب التوراتية. أما عمّان فاليعقوبي يسميها كورة الظاهر (ومدينتها عمّان)، وهذه الكورة أيضا تطابق أرض عمّان التوراتية. إلى الغرب من كورة الظاهر اليعقوبي يذكر كورة الغور ومدينتها ريحا. وإلى الشمال من هاتين الكورتين يذكر كورتي جرش وفحل التابعتين لجند الأردن (الذي عاصمته طبرية).

اليعقوبي بعد أن ذكر كورتي الظاهر والغور قال “وهاتان المدينتان أرض البلقاء”. إذن هو يقول أن البلقاء هي المنطقة الممتدة بين وادي الزرقاء شمالا ووادي الموجب جنوبا. هذا التعريف يختلف كثيرا عن تعريف ياقوت الحموي الذي يقول:

البلقاء: كورة من أعمال دمشق بين الشام ووادي القرى، قصبتها عمان وفيها قرى كثيرة ومزارع واسعة وبجودة حنطتها يضرب المثل… وبالبلقاء: مدينة الشراة شراة الشام أرض معروفة وبها الكهف والرقيم، فيما زعم بعضهم.

ياقوت يقول أن البلقاء تمتد حتى وادى القرى في عمق الحجاز، وهو يؤكد قوله هذا حينما يصرح بأن الشراة تقع في البلقاء.

في ترجمة مآب ياقوت يقول:

مآب: بعد الهمزة المفتوحة ألف وباء موحدة بوزن معاب… وهي مدينة في طرف الشام من نواحي البلقاء. قال أحمد بن محمد بن جابر: توجه أبو عبيدة بن الجراح في خلافة أبي بكر في سنة 13 بعد فتح بصرى بالشام إلى مآب من أرض البلقاء، وبها جمع العدو فافتتحها على مثل صلح بصرى…

إذن مفهوم ياقوت للبلقاء أوسع بكثير من مفهوم اليعقوبي الذي عاش قبل ياقوت بحوالي أربعة قرون، لأن ياقوت يقول أن مآب والشراة هي من البلقاء. أيضا أبو الفداء لديه نفس مفهوم ياقوت للبلقاء.

بالنسبة لأصل كلمة البلقاء فهو كما يقول ياقوت:

وأما اشتقاقها، فهي من البلق، وهي سواد وبياض مختلطان، ولذلك قيل: أبلق وبلقاء.

وأما الراوية التي ذكرها ياقوت وغيره والتي تقول أن البلقاء سميت نسبة إلى “بالق من بني عمان بن لوط” فهذه طبعا خرافة.

البلقاء بالتعريف الضيق هي ليست جزءا من الجزيرة العربية. منطقة شرق الأردن الممتدة من نهر اليرموك شمالا إلى وادي الحسا جنوبا كانت تعتبر عند اليونانيين جزءا من سورية، ونفس الأمر استمر في زمن الرومان والبيزنطيين.

أما جبل الشراة فهو حسب علمي ليس جزءا من منطقة “عبر الأردن” التوراتية وليس جزءا من فلسطين، إذن هو في الأصل من بلاد العرب، وهو في الحقيقة أساس المنطقة التي سماها اليونانيون والرومان باسم “عربية الصخرية”، والمصادر القديمة كلها تصرح بأن سكان هذا الجبل هم من العرب (النبط والإداميون وصفوا صراحة بأنهم عرب في المصادر القديمة). بعض الناس يقولون أن مفهوم العرب في العصور القديمة كان يعني البدو عموما، وبالتالي ليس كل من وصفوا بأنهم عرب هم عرب فعلا. هذا الكلام صحيح ولكنه لا يغير من الأمر شيئا لأن هذه المناطق كان يسكنها ناس يعرفون بالعرب سواء كان هؤلاء يتحدثون اللغة العربية أم لا. لو كنا سنعتمد اللغة كمعيار فهذا يعني أن اليمن أيضا لم تكن من جزيرة العرب لأن اليمن لم تتعرب لغويا إلا قبل الإسلام بفترة قصيرة.

عربة وتيه بني إسرائيل

عَرَبة هو اسم لواد كبير يمتد بين البحر الميت وخليج العقبة، وهو يعرف أيضا باسم “وادي الجيب” على ما أعتقد، وفي نهاية هذا الوادى يقع مرفأ العقبة الذي كان يعرف سابقا بأيلة، وهو مرفأ أساسي للنبط والإداميين من قبلهم. أيضا الصهاينة قاموا في خمسينات القرن العشرين ببناء مرفأ جديد قريب من العقبة سموه “إيلات”، وهذا المرفأ أقيم في موقع مرفأ أثري مذكور في التوراة هو عِصْيان جَبْر עֶצְיֹנ גָּבֶר (في الترجمة الإنكليزية للكتاب اليهودي: Etzion Geber).

إلى الغرب من وادي عربة تمتد صحراء النقب. النَقَب هي كلمة عبرية لم تكن معروفة لدى الكتاب العرب القدماء، وهي تعني “الجفاف”. صحراء النقب نفسها هي مفهوم حديث ظهر في القرن 19 بعد رسم الحدود الحالية بين مصر وفلسطين (بين بريطانيا والسلطنة العثمانية)، وقبل رسم هذه الحدود لم يكن هناك شيء اسمه صحراء النقب وكانت صحراء النقب الحالية جزءا من الصحراء الكبيرة المعروفة لدى الكتاب العرب القدماء باسم تِيه بني إسرائيل أو التِيه.

مسمى “تيه بني إسرائيل” مأخوذ من القرآن أو من أسفار اليهود، وما يلي تعريف التيه حسب ياقوت:

التيه: الهاء خالصة وهو الموضع الذي ضل فيه موسى بن عمران وقومه وهي أرض بين أيلة ومصر وبحر القلزم وجبال السراة ((هاني: يقصد الشراة؟)) من أرض الشام… والغالب على أرض التيه الرمال وفيها مواضع صلبة وبها نخيل وعيون مفترشة قليلة يتصل حد من حدودها بالجفار وحد بجبل طور سينا وحد بأرض بيت المقدس وما اتصل به من فلسطين وحد ينتهي إلى مفازة في ظهر ريف مصر إلى حد القلزم…

إذن المقصود بالتيه هو صحراء كبيرة تشغل معظم شبه جزيرة سيناء. التيه حسب هذا التعريف يمتد من الشراة شرقا إلى “مفازة ريف مصر” غربا (مَفازة = صحراء)، ومن أرض بيت المقدس (أي جند فلسطين) والجِفار شمالا إلى أيلة وطُور سيناء جنوبا.

المقصود بالجفار عند الكتاب المسلمين هو الساحل الشمالي لشبه جزيرة سيناء الذي ينتقل الناس عبره من فلسطين إلى مصر. ما يلي تعريف الجفار حسب ياقوت:

الجفار: بالكسر وهو جمع جفر نحو فرخ وفراخ والجفر البئر القريبة القعر الواسعة لم تطو، وقال أبو نصر بن حماد: الجفرة سعة في الأرض مستديرة والجمع جفار مثل برمة وبرام… والجفار أيضا أرض من مسيرة سبعة أيام بين فلسطين ومصر، أولها رفح من جهة الشام وآخرها الخشبي، متصلة برمال تيه بني إسرائيل وهي كلها رمال سائلة بيض في غربيها منعطف نحو الشمال بحر الشام وفي شرقيها منعطف نحو الجنوب بحر القلزم، وسميت الجفار لكثرة الجفار بأرضها ولا شرب لسكانها إلا منها رأيتها مرارا، ويزعمون أنها كانت كورة جليلة في أيام الفراعنة إلى المائة الرابعة من الهجرة فيها قرى ومزارع فأما الآن ففيها نخل كثير ورطب طيب جيد وهو ملك لقوم متفرقين في قرى مصر يأتونه أيام لقاحه فيلقحونه وأيام إدراكه فيجتنونه وينزلون بينه بأهاليهم في بيوت من سعف النخل والحلفاء، وفي الجادة السابلة إلى مصر عدة مواضع عامرة يسكنها قوم من السوقة للمعيشة على القوافل وهي رفح والقس والزعقا والعريش والورادة وقطية في كل موضع من هذه المواضع عدة دكاكين يشترى منها كل مايحتاج المسافر إليه.

إذن الجفار تبدأ من رفح (التي هي من فلسطين) وتنتهي عند الخشبي، وأنا لا أعلم مكان الخشبي بالضبط ولكنها تقع حاليا عند الحد الغربي لمحافظة شمال سيناء المصرية (يقول ياقوت الحموي في مادة “خُرّ”: وفي طريق ديار مصر في الرمل منزل يقال له الخر دون الأعراس وبعده أبو عروق ثم الخشبي ثم العباسية ثم بلبيس ثم القاهرة).

يقول الهمداني في كتابه “صفة جزيرة العرب”:

والجفار رمال إلى حد الفَرما وما خلف الفرما إلى مصر للقبط.

يقصد ربما أن الفرما هي آخر مدينة يسكنها العرب وما بعدها يسكنه القبط. مدينة الفرما كانت في زمن ياقوت الحموي خَرِبة ومدفونة تحت الرمل ولذلك فهو لم يذكرها على طريق مصر كما فعل الهمداني (الذي عاش قبل ياقوت بحوالي ثلاثة قرون). الفرما هي Pelousion بالرومية وفي زمن الفتح الإسلامي كانت تسكنها قبيلة جذام، ولكن هذا لا يعني أنه لم يكن يوجد فيها قبط حيث أن ياقوت نقل عن الحسن بن محمد المهلبي ما يلي:

وأما الفرما فحصن على ضفة البحر لطيف لكنه فاسد الهواء وخمه لأنه من كل جهة حوله سباخ تتوحل فلا تكاد تنضب صيفا ولا شتاء، وليس بها زرع ولا ماء يشرب إلا ماء المطر فإنه يخزن في الجباب ويخزنون أيضا ماء النيل يحمل إليهم في المراكب من تنيس، وبظاهرها في الرمل ماء يقال له: العذيب ومياه غيره في آبار بعيدة الرشاء وملحة تنزل عليها القوافل والعساكر، وأهلها نحاف الأجسام متغيرو الألوان وهم من القبط وبعضهم من العرب من بني جرى وسائر جذام، وأكثر متاجرهم في النوى والشعير والعلف لكثرة اجتياز القوافل بهم، ولهم بظاهر مدينتهم نخل كثير له رطب فائق وتمر حسن يجهز إلى كل بلد.

هو يقول أن أهلها “من القبط وبعضهم من العرب من بني جرى وسائر جذام”، أي أن سكانها كانوا من القبط والعرب، وأما عبارة “نحاف الأجسام متغيروا الألوان” فهو يقصد بها على ما أعتقد التباين في البنية الجسمية ولون البشرة بين القبط والعرب.

مدينة الفرما هي حاليا بقايا أثرية تم الكشف عنها قرب الحدود بين محافظتي شمال سيناء وبور سعيد، وهذا يعني باختصار أن الحد الغربي لتيه بني إسرائيل هو تقريبا الحد الغربي لمحافظة شمال سيناء حاليا، وما بعد هذا الحد هو “ريف مصر” كما سماه الكتاب المسلمون.

الحد الغربي لتيه بني إسرائيل هو طبعا مجرد حد جغرافي وليس الحد السياسي بين مصر وفلسطين. الحد السياسي بين مصر وفلسطين في العصر الإسلامي الباكر كان هو نفسه الحد الروماني القديم، أي الخط الممتد بين العريش Rhinokorura والقُلْزُم Clysma.

خريطة تبين الحد الفاصل بين مقاطعتي مصر وعربية الصخرية الرومانيتين، وهذا الحد ظل هو نفسه حتى الفتح الإسلامي في القرن السابع. الخريطة تبين أيضا الحد الفاصل بين فلسطين وعربية الصخرية


العريش كانت تابعة لمصر وكان سكانها عندما فتحها عمرو بن العاص من جذام، والحد الفاصل بين مصر وفلسطين كان تحديدا نقطة تقع قبل العريش يسميها الكتاب المسلمون باسم “الشجرة” أو “الشجرتين”. يقول اليعقوبي:

ومن خرج من فلسطين مغربا يريد مصر خرج من الرملة إلى مدينة يبنا ثم إلى مدينة عسقلان، وهي على ساحل البحر، ثم إلى مدينة غزة وهي على الساحل أيضا، ثم إلى رفح وهي آخر أعمال الشأم، ثم إلى موضع يقال له الشجرتين وهي أول حد مصر، ثم إلى العريش وهي أول مصالح مصر وأعمالها.

أما القلزم فهي ميناء مهم كان يقع بجوار مدينة السويس الحالية وكان يمثل النهاية الشمالية لبحر القلزم (البحر الأحمر)، وبجوار هذا الميناء كانت هناك قناة ملاحية هامة تربط البحر الأحمر بنهر النيل وهذه القناة ظلت مفتوحة وصالحة للملاحة حتى عهد أبو جعفر المنصور العباسي في القرن الثامن. بعد انسداد القناة خربت القلزم وظهرت بدلا منها بشكل تدريجي مدينة السويس الحالية.

طبعا في العصور المتأخرة بدأت الحدود تتغير. أحد الكتاب المسلمين المتأخرين اعتبر العريش من الشام، وهناك كاتب آخر اعتبر طور سيناء من مصر. في معاهدة لندن التي وقعت في عام 1840 اعتبرت سيناء بأكملها من “جنوب سورية”، ولكن بريطانيا أجبرت العثمانيين بعد ذلك على التخلي عنها لمصر (التي كانت تحت هيمنة بريطانيا) وذلك لكي يبقى العثمانيون بعيدين عن قناة السويس، وهذا هو أصل الحدود الحالية بين مصر وفلسطين (وهو أيضا أصل مفهوم “صحراء النقب” التي ظهرت بعد رسم الحدود الحالية).

إلى الجنوب من تيه بني إسرائيل تقع أيلة وطور سيناء. طور سيناء أو الطور هو منطقة المرتفعات التي تقع في جنوب شبه جزيرة سيناء، والتسمية طبعا هي من مصدر توراتي.


بعض المواضع التوراتية في تيه بني إسرائيل


تيه بني إسرائيل (بمعناه الكامل الذي يشمل صحراء النقب) هو ربما أكثر صحاري العالم التي نالت اهتمام الباحثين والدارسين التاريخيين، والسبب هو أن هذا التيه هو المنطقة التي ورد ذكرها في الكتاب المقدس اليهودي على أنها المنطقة التي كان بنوا إسرائيل يعيشون فيها قبل أن يجتاحوا كنعان (فلسطين) من جهة الشرق في نهاية الألفية الثانية قبل الميلاد. الكتاب اليهودي يذكر عموما أسماء الكثير من المواضع القديمة في منطقة الشرق الأوسط وخلال القرن العشرين تعرف الباحثون والمنقبون على العديد من هذه المواضع، ولكن المواضع التي يذكرها الكتاب اليهودي على أنها في تيه بني إسرائيل هي بالذات صعبة التحديد ورغم السعي الحثيث من الباحثين والمنقبين لإيجادها فإن معظمها ما يزال مجهولا وغير معروف ويقتصر تحديده على التخرص والتكهن.

أشهر المواضع التوراتية في التيه هو جبل سيناء (اسمه بالعبرية القديمة سِينَي סִינָי، أي سِينَى بالعربية، وفي الترجمة الإنكليزية للكتاب اليهودي: Sinai) ويسمى أيضا جبل حارِِِِِِِِِِِِِِب חֹרֵב (Horeb)، وجبل إلاهيم (أي جبل الله mount of God). هذا الجبل ورد ذكره في الكتاب اليهودي عشرات المرات وهو المكان الذي تدور فيه معظم الأحداث الدينية المهمة خلال فترة وجود بني إسرائيل في التيه.

التوراة تقول أن جبل سيناء\حارب هو المكان الذي تحدث فيه موسى مع الله لأول مرة:


1.وكان موسى يرعى غنَمَ يَتْرا حَمِيهِ كاهنِ مَدْيَنَ، فساقَ الغنَمَ إلى ما وراءَ البَرِّيةِ حتَّى وصَل إلى جبَلِ اللهِ حارِب.
2.فتَراءى لَه مَلاكُ يهوه في َلهيبِ نارٍ مِنْ وسَطِ الشُجَيرةِ. ورأى موسى الشُجَيرةَ تتوقَّدُ بالنَّارِ وهيَ لا تحتَرِقُ.
3.فقال في نفسه: “أَمِيلُ وأنظرُ هذا اَلمشهدَ العظيمَ. ما بال الشُجَيرةِ لا تحترقُ؟”
4.ورَأى يهوه أنّهُ مالَ ليَنظُرَ، فناداهُ مِنْ وسَطِ الشُجَيرةِ: “مُوسى، مُوسى”. فقالَ: “نعم”.
5.قالَ: “لا تقتَرِبْ إلى هُنا. إخَلعْ حِذاءكَ مِنْ رِجَليكَ، لأنَّ المَوضِعَ اّلذي أنتَ واقِفٌ علَيهِ أرضٌ مَُقدَّسَةٌ”.
6.وقالَ: “أنا إلهُ آبائِكَ. إلهُ إبراهيمَ وإسحَقَ ويعقوبَ”. فستَرَ موسى وجهَهُ خَوفًا مِنْ أنْ يَنظُرَ إلى اللهِ.

وبعد هذه المقابلة الأولى بين موسى والله على جبل سيناء\حارب تحول هذا الجبل فيما بعد إلى مركز دائم للتواصل بين الله وبني إسرائيل عبر موسى، وحسب التوراة فإن الدين اليهودي نشأ بالكامل على هذا الجبل فهو المكان الذي أنزل الله فيه على موسى اللوحين الحجريين اللذين يحويان “الوصايا العشرة” وأمره بصنع صندوق (أَراك ark) يضعهما فيه، وأمره بصنع مائدة ومنارة ومذبح إلخ (كل مكونات المعبد اليهودي)، وأنزل عليه تفاصيل الشريعة وأمره بتنصيب أخيه هارون وبنيه ككهان، وفي النهاية أمره ببناء خيمة كبيرة يضع فيها “صندوق العهد” Ark of the Covenant (الذي يحوي اللوحين) وبقية الأمور التي صنعها كالمذبح وغيره، وبعد ذلك تحولت هذه الخيمة إلى جبل سيناء متنقل حيث أن الله صار يكلم موسى منها بدلا من الجبل وصارت هي المعبد اليهودي الذي تقدم إليه القرابين والذبائح ويشرف عليه الكهان، وظهرت فوق هذه الخيمة سحابة ربانية تقود بني إسرائيل إلى المكان الذي يجب أن يضعوا الخيمة فيه، وهذه السحابة ظلت تحرك بني إسرائيل في البادية من موضع إلى موضع حتى أوصلتهم في النهاية إلى أرض كنعان التي كان الله قد وعد بها بني إسرائيل عبر موسى استجابة للعهد القديم الذي قطعه مع جدهم إبراهيم.

موقع جبل سيناء المذكور في التوراة غير معروف للباحثين. في العصور القديمة كان أغلب الناس يعتقدون (بناء على مقولة للمؤرخ اليهودي يوسف الذي عاش في القرن الميلادي الأول) أن جبل سيناء هو أعلى نقطة في شبه جزيرة سيناء، أي الطور الذي يقع في جنوب شبه جزيرة سيناء والذي بنى عليه المسيحيون في القرن السادس ديرا باسم دير القديسة كاترين، ولكن كثيرا من الباحثين المعاصرين يرون أن جبل كاترين ليس هو جبل سيناء المقصود في التوراة ويرون أن الجبل المقصود يقع شمالا قرب صحراء النقب، ولكنهم اختلفوا في تحديد موقعه بالضبط وطرحوا فيه آراء عديدة متباينة هي أقرب للتخرصات. الشيء الوحيد الذي يتفق عليه معظمهم هو أن جبل سيناء التوراتي يقع في المنطقة الجنوبية الشرقية من تيه بني إسرائيل قرب خليج العقبة.

بعض المواقع التي اقترح الباحثون أنها جبل سيناء التوراتي. هناك أيضا اقتراحات أخرى ولكنني لم أضعها على الخريطة إما لأنني لا أعرف مكانها على الخريطة أو لأنها لا تظهر عليها. مثلا هناك باحثون اقترحوا جبالا في الحجاز على أنها جبل سيناء، وهناك حتى من قال بأن جبل سيناء التوراتي يقع في الجيزة في مصر. النقاط الحمراء تقع في المنطقة التي تعرف تقليديا باسم جبل سيناء أو طور سيناء (النقاط تمثل جبل كاترين وجبل موسى ورأس الصفصاف)


أكثر ما يلفت انتباه الباحثين المعاصرين هو وصف جبل سيناء في التوراة والذي يظهره على أنه بركان. ما يلي مقطع مأخوذ من السفر الثاني من التوراة (نفس السفر الذي أخذ منه المقطع السابق) وفيه قصة صعود موسى إلى جبل سيناء لكي يتلقى “الوصايا العشرة”:


1.وفي الشَّهرِ الثَّالثِ لخُروجِ بَني إِسرائيل منْ أرضِ مِصْرَ جاؤوا في أحدِ الأَيَّامِ إلى بَرِّيَةِ سيناءَ.
2.جاؤوا منْ رَفِيدِيمَ ونزَلوا هُناكَ في البَرِّيَةِ تجاهَ الجبَلِ.
3.وصعدَ موسى إلى الجبَلِ ُلملاقاةِ اللهِ. فناداهُ يهوه مِنَ الجبَلِ وقالَ لهُ: “قُلْ لبَيتِ يعقوبَ بَني إِسرائيلَ :
4.رأيتُم ما فعلْتُ بالمِصْريِّينَ وكيفَ حَمَلتُكم على أجنِحَةِ النُّسورِ وجِئتُ بِكُم إليَّ.
5.والآنَ إنْ سمِعْتُم كلاميَ وحَفِظتُم عَهْديَ، فإنَّكم تكونونَ شعبيَ الخاصَّ بَينَ جميعِ الشُّعوبِ.”

16.وحدَثَ في اليومِ الثَّالِثِ عِندَ الصَّباحِ أنْ كانَت رُعودٌ وبُروقٌ وسَحابٌ كثيفٌ على جبَلِ سيناءَ، وصوتُ بوقٍ شديدٌ جِدَّا، فارْتَعدَ جميعُ اّلذينَ في المُخيَّمِ.
17.فأخرَجَهُم موسى مِنَ المُخيَّمِ لِمُلاقاةِ اللهِ، فوَقفوا عندَ أسَفلِ الجبَلِ.
18.والجبَلُ يُلفُّهُ دُخانٌ، لأنَّ يهوه نَزل علَيهِ بالنَّارِ، فتصاعدَ دُخانُهُ كدُخانِ الأَتونِ واهتَزَّ الجبَلُ اهتِزَازًا شديدًا.
19.وكانَ صوتُ البوقِ يرتَفِعُ جِدًّا وموسى يتكلّمُ واللهُ يُجيبُهُ بقصفِ الرَّعْدِ.
20.ونَزلَ يهوه على رأسِ جبَلِ سيناءَ ونادى موسى إلى رأسِ الجبَلِ فصَعدَ.
21.فقالَ يهوه لموسى: “انزِل إلى الشَّعبِ وأنذِرْهُم أنْ لا يُجاوِزوا الحَدَّ المَرسومَ حَولَ الجبَلِ ليَنظروا إليَّ فيَهلِكَ مِنهُم كثيرونَ”.
22.وقُل للكهَنةِ الذينَ يتَقَدَّمونَ إليَّ أنْ يَتَطهَّروا لِئلاَّ أبطِشَ بِهِم”.

هذا الوصف لجبل سيناء يوحي لكثير من الباحثين بأنه يقع قرب الفالق الجيولوجي. هناك من قالوا بأنه يقع في جبال الشراة قرب مدينة البتراء، وهناك من قالوا بأنه يقع جنوبا في الحجاز قرب مدين. مثلا الجبل الحجازي التالي (المعروف باسم “حلا البدر”) هو من المواقع المفضلة عند عدد من الباحثين لأنه عبارة عن بركان قديم هائل (وهو يقع في قلب المنطقة التي كانت تسكنها قبيلة ثمود قديما)، ولكن مشكلة هذا الجبل في رأيي هي أنه بعيد نسبيا عن تيه بني إسرائيل. من الممكن أن جبل سيناء هو بركان آخر يقع إلى الشمال من هذا البركان. منطقة شمال الحجاز والشراة هي منطقة غنية بالبراكين القديمة وهذا ليس هو البركان الوحيد هناك على ما أعتقد.

“حلا البدر”


من يقرأ التوراة جيدا يجد ترابطا واضحا بين منطقتي سيناء ومدين. موسى زار جبل سيناء مرتين: المرة الأولى عندما كان في مدين هاربا من مصر، والمرة الثانية عندما عاد إلى الجبل مع بني إسرائيل. في المرة الأولى موسى وصل إلى جبل سيناء بالصدفة بينما كان يرعى الغنم في مدين، وفي المرة الثانية التوراة تقول أن كاهن مدين عندما سمع بوجود موسى في جبل سيناء جاء إليه ليزوره. هذه الأمور تدل على أن جبل سيناء قريب جدا من مدين وفي أطرافها، أي أنه في شمال الحجاز أو منطقة جنوب الشراة.

كلمة “حارب” العبرية تعني “حارّ”، وهذا دليل آخر على أن جبل سيناء هو بركان.

بعد أن أنهى بنوا إسرائيل صنع الخيمة المقدسة في جبل سيناء تحركت السحابة الربانية من فوق الخيمة وقادتهم شمالا نحو موضع قريب من كنعان هو الموضع المسمى قَدِس بَرْنِع קָדֵשׁ בַּרְנֵעַ (في الترجمة الإنكليزية: Kadeshbarnea). هذا الموضع هو من المواضع المهمة في التوراة وهو يقع كما تقول التوراة في بَرِّيَة صِن מִדְבַּר צִן (wilderness of Zin) التي يرى الباحثون أنها كانت القسم الشمالي الشرقي من تيه بني إسرائيل الذي يتصل بفلسطين (أو أرض بيت المقدس كما سماها ياقوت). أيضا التوراة تقول أن قدس (برنع) تقع في بَرِّيَة فَأرَن מִדְבַּר פָּארָן (wilderness of Paran)، والمقصود ببرية فأرن على ما يبدو هو القسم الجنوبي الشرقي من التيه، وبهذا فإن قدس برنع تكون واقعة بين برية صن شمالا وبرية فأرن جنوبا. كثير من الباحثين يرون أن قدس برنع هي حاليا عين القديرات في سيناء قرب حدود فلسطين.

قدس برنع هو المكان الذي توفيت فيه مريم شقيقة موسى، وهو أحد المواضع التي ضرب فيها موسى الحجر بالعصا فتفجر منه الماء، وهو أيضا الموضع الذي أرسل منه موسى الجواسيس الاثني عشر للتجسس على أرض كنعان:


1.وكلَّمَ يهوه موسى فقالَ:
2.”تُرسِلُ رِجالاً يتَجَسَّسونَ أرضَ كَنعانَ التي أعطَيتُها لبَني إِسرائيلَ. تُرسِلُهُم رَجُلا واحدا مِنْ كُُلِّ سِبْطٍ ويكونونَ كُُلُّهم رُؤساءَ أسباطِهِم.”
3.فأرسَلَهُم موسى مِنْ بَرِّيَةِ فَأْرَنَ، كما قالَ يهوه كلُّهم مِنْ رُؤساءِ أسباطِ بَني إِسرائيلَ.

17.وأرسَلَهُم موسى ليَتَجَسَّسوا أرضَ كَنعانَ وقالَ لهم: “تَطلَعونَ مِنْ هُناكَ مِنْ جَنوبي أرضِ كَنعانَ، وتصعَدونَ الجبَلَ
18.وتنظُرونَ إلى الأرضِ كيفَ هيَ، وإلى الشَّعبِ المُقيمِ بِها أشَديدٌ هوَ أم ضعيفٌ؟ أقليلٌ أم كثيرٌ؟
19.وكيفَ الأرضُ التي هوَ مُقيمٌ بِها، أجَيِّدةٌ هيَ أم رَديئةٌ؟ وما المُدُنُ، أخيامٌ أم حُصونٌ؟
20.وكيفَ الأرضُ، أمُخْصِبةٌ هيَ أم عقيمةٌ؟ أفيها شجَرٌ أم لا؟ وتَشجَّعوا وخُذوا مِنْ ثَمَرِها.” وكانَت في ذلِكَ الوقتِ أيّامُ بَواكيرِ العِنبِ.
21.فصَعدوا وتجَسَّسُوا الأرضَ مِنْ بَرِّيَةِ صِنَّ إلى رَحابَ عِندَ مدخلِ حَماةَ.

25.ورَجَعوا مِنْ تَجسُّسِ الأرضِ بَعدَ أربَعينَ يوما،
26.وساروا حتَّى جاؤوا إلى موسى وهارونَ وكُلِّ جماعةِ بَني إِسرائيلَ في بَرِّيَةِ فَأْرَنَ، في قَدِسَ، ورَدُّوا خبَرا علَيهِم وأرَوهُم ثمَرَ الأرضِ.

برية فأرن هي أيضا المكان الذي عاش فيه إسماعيل بن إبراهيم بعد أن طردت سارة زوجة إبراهيم هاجر المصرية أم إسماعيل، وطبعا هذا حسب السفر الأول من التوراة:


9.ورأت سارةُ ابنَ هاجرَ المِصْريَّةِ الّذي ولَدتْهُ لإبراهيمَ يلعبُ مع ابنِها إسحَقَ،
10.فقالت لإبراهيمَ: “أُطردْ هذِهِ الجاريةَ وابنَها فابنُ هذِهِ الجاريةِ لا يَرِثُ معَ ابني إسحَقَ”.
11.وساءَ إبراهيمَ هذا الكلامُ، لأنَّ إسماعيلَ كانَ أيضاً ابنَه.
12.فقالَ لَه اللهُ: “لا يَسوؤُكَ هذا الكلامُ على الصَّبيِّ وعلى جاريتِكَ. اسمعْ لكُلِّ ما تقولُهُ لكَ سارةُ، لأنَّ بإسحَقَ يكونُ لكَ نسلٌ،
13.وابنُ الجاريةِ أيضاً أجعلُهُ أُمَّةً لأنَّهُ مِنْ صُلبِكَ”.
14.فبكَّرَ إبراهيمُ في الغدِ وأخذَ خُبزاً وقِربةَ ماءٍ، فأعطاهُما لهاجرَ ووضَعَ الصَّبيَّ على كتِفِها وصَرَفَها، فمضَت تَهيمُ على وجهِها في بَرِّيَةِ بئرِ سَبْع.
15.ونفدَ الماءُ مِنَ القِربةِ، فألقت هاجرُ الصَّبيَّ تَحتَ إحدى الأشجارِ.
16.ومضَت فجلسَت قُبَالتَهُ على بُعْدِ رميَتَي قوسٍ وهيَ تقولُ في نفْسِها: “لا أُريدُ أنْ أرى الولدَ يموت”. وفيما هيَ جالسةٌ رفعت صوتَها بالبُكاءِ.
17.وسَمِعَ اللهُ صوتَ الصَّبيِّ، فنادى ملاكُ اللهِ هاجرَ مِنَ السَّماءِ وقالَ لها: “ما لكِ يا هاجرُ؟ لا تخافي. سَمِعَ اللهُ صوتَ الصَّبيِّ حَيثُ هوَ.
18.قُومي احملي الصَّبيَّ وخُذي بيدهِ، فسأجعَلُهُ أمَّةً عظيمةً”.
19.وفتحَ اللهُ بصيرتَها فرأت بئرَ ماءٍ، فمضَت إلى البئرِ وملأتِ القِربةَ ماءً وسقتِ الصَّبيَّ.
20.وكانَ اللهُ معَ الصَّبيِّ فكبُرَ، وأقامَ بالبَرِّيَةِ، وكان رامياً بالقوسِ.
21.وأقامَ بِبَرِّيَةِ فَأْرَنَ، وزوَّجَتْهُ أمُّهُ بامرأةٍ مِنْ أرضِ مِصْرَ.

أحيانا في التوراة يبدو وكأن برية فأرن لها معنى يغطي برية سيناء، وبالتالي يبدو أن برية فأرن كان لها معنيان: معنى خاص هو الذي ذكرته سابقا ومعنى عام يتجاوز المعنى الخاص ممتدا إلى الصحاري الجنوبية. لهذا السبب ربما نجد أن جبل سيناء سمي في بعض مقاطع التوراة باسم “جبل فأرن”.

مثلا موسى قال قبل وفاته لبني إسرائيل:

“أقبَلَ يهوه مِنْ سِينَاءَ، وأشرَقَ لهُم مِنْ جبَلِ شَعِيرَ، وتَجلَّى مِنْ جبَلِ فَأْرَنَ، وأَتَى من رُبَى قُدْس وعن يمينه نارٌ مشتعلةٌ لَهُم”.

وفي نشيد النبي حَبَقُوق:

اللهُ مِن تَيْمَنَ يَجِيءُ، وقَدَاسَةٌ مِن جَبَلِ فَأْرَنَ، غطَّى جَلالُهُ السَّماواتِ، وامْتَلأتِ الأرضُ مِنَ التَّهَلُّلِ لَه.

بعض دارسي الكتاب اليهودي يقولون أن هذه الأبيات فيها نوع من الترادف المألوف في الأدب العبري، بمعنى أن جبل فأرن وربى قدس في كلام موسى هما مرادف لجبل سيناء وكناية عنه، وتيمن في كلام حبقوق مرادف لفأرن، والمقصود بتيمن (Teman) هو منطقة تقع في جنوب بلاد الإداميين (أي القسم الجنوبي من جبل الشراة)، وكلمة تيمن مشتقة من الجذر يمن وهي مرادفة لكمة يَمَن العربية التي تعني الجنوب. أي أن حبقوق باستخدامه لكلمتي تيمن وفأرن يشير نحو الجنوب ويقول أن الله أتى من هناك، أي أنه يقصد جبل سيناء ولكنه لا يصرح باسمه كنوع من الأسلوب الأدبي.

إذن خلاصة ما سبق هي أن فأرن من الممكن أن تستخدم بمعنى مجازي يشمل المناطق التي تقع إلى الجنوب منها، ونفس الأمر ينطبق على تيمن التي قصد منها حبقوق منطقة أخرى مجاورة لها هي سيناء.

أما بالنسبة لجبل شَعِيْر שֵׂעִיר (Seir) فهو جبل يتكرر ذكره في التوراة وهو مثل جبل سيناء مجهول المكان ولكن التوراة تقول أنه يقع في برية فأرن في وسط الطريق بين جبل حارب وقدس برنع، إذن استخدام موسى له في الكلام المنقول في الأعلى هو مثل استخدامه لكلمة فأرن، أي أنه يكني به عن جبل سيناء.

إذا اعتمدنا نظرية أن جبل سيناء هو في الحجاز فهذا يوحي بإمكانية أن يكون جبل شعير واقعا في جبال الشراة، أو ربما يكون حتى هو نفسه جبال الشراة.

بعد أن رجع الجواسيس الاثنا عشر من كنعان قالوا لقومهم ما يلي:


27…. ذهَبْنا إلى الأرضِ الّتي أرسَلْتَنا إليها، فإذا هيَ بالحقيقةِ تَدُرُّ لَبَنا وعسَلا، وهذا ثمَرُها،
28.غَيرَ أنَّ الشَّعبَ السَّاكنينَ فيها أقوياءُ والمُدُنَ حصينةٌ عظيمةٌ جِدَّا، ورَأينا هُناكَ بَني عَنَقَ.
29. عَمَالِيقُ مُقيمونَ بأرضِ الجنوبِ، والحِتِّيونَ واليَبُوسِيُّونَ والأَمُورِيُّونَ مُقيمونَ بِالجبَلِ، والكنعانيُّونَ مُقيمونَ عِندَ البحرِ وعلى مَجرى الأُردُنِّ.
31…. لا نَقدِرُ أنْ نصعَدَ إلى هُناكَ لأنَّ القَومَ أقوى مِنَّا.
32…. الأرضُ الّتي مَرَرْنا فيها لِنَتَجَسَّسَها هيَ أرضٌ تأكُلُ أهلَها، وجميعُ الشَّعبِ الّذينَ رَأيناهُم فيها أُناسٌ طِوالُ القاماتِ.
33. وشاهَدْنا هُناكَ مِنَ الجَبابرةِ جَبابرةَ بَني عَنَقَ، فَصِرْنا في نظَرِنا صِغارا كالجَرادِ، وكذلِكَ في نظَرِهِم.

لهذا السبب أحجم بنوا إسرائيل عن دخول كنعان من جهة الجنوب، فغضب الله عليهم وعندما ندموا وحاولوا دخولها هزمهم أموريوا الجبل فعادوا أدراجهم إلى قدس. بعد ذلك حاولوا التوجه شرقا عبر أرض إدام ولكنهم هزموا أيضا على يد الإداميين فعادوا إلى جبل هار (الذي يقع “في طرف أرض إدام”) حيث مات هارون ودفن، ثم ساروا جنوبا “على طريق البحر الأحمر ليدوروا من حول أرض إدام”، أي أنهم توجهوا جنوبا لكي يدوروا من حول جبل الشراة باتجاه شرق الأردن.

السفر الرابع من التوراة يصف موضوع الدوران كما يلي:

ثُمَّ رحَلوا مِنْ جبَلِ هار على طريقِ البحرِ الأحمرِ ليَدوروا مِنْ حَولِ أرضِ إِدَامَ

أما السفر الخامس فيصف نفس الموضوع بالشكل التالي:


1. ثُمَّ تحوَّلْنا ورحَلْنا في البَرًيَةِ على طريقِ البحرِ الأحمرِ، كما أمرَني يهوه، ودُرْنا حولَ جبَلِ شَعِيرَ أيَّاماً كثيرةً.
2. وقالَ ليَ يهوه:
3.كُُفُّوا عنِ الدَّورانِ حولَ هذا الجبَلِ وتحوَّلوا نحوَ الشَّمالِ.
4.وقُلْ للشَّعبِ إنكُم ستَعبُرونَ حُدودَ أرضِ أنسِبائِكُم بَني عِشَو المُقيمينَ في شَعِيرَ، فكونوا على حذَرٍ لأنَّهُم سيخافونَ مِنكُم.
5.لا تُواجِهوهُم لأنِّي لن أُعطيَكُم مِنْ أرضِهِم شيئاً، ولو مَوطِئَ قدَمٍ، لأنَّ جبَلَ شَعِيرَ وهَبْتُهُ لعِشَو مُلْكاً.

من المقارنة يظهر أن أرض إدام هي نفسها جبل شعير، وهذا يؤكد الفرضية التي تقول أن جبل سيناء يقع إلى الجنوب من جبل الشراة. بالنسبة لبني عشو (المعروف بعيسو) أنسباء بني إسرائيل فهم نفسهم الإداميون حسب ما تقوله التوراة.

إذن على ما يبدو لي فإن جبل شعير هو جبل الشراة أو جزء منه وجبل هار هو جبل يقع بالقرب منه في جهة الغرب.

هناك أيضا في التوراة منطقة اسمها برية سِين מִדְבַּר סִין (wilderness of Sin)، وبعض الباحثين يزعمون أنها برية صن نفسها. بنوا إسرائيل مروا عبر برية سين قبل أن يصلوا إلى برية سيناء وبعد أن مروا على “البحر الأحمر”، وفيها أكلوا المن والسلوى بعد أن شكوا الجوع إلى موسى:


1.ورحلَ جميعُ بَني إِسرائيلَ مِنْ أَيْلِمَ إلى بَرِّيَة سِينَ التي بينَ أَيْلِمَ وسيناءَ، في اليومِ الخامسَ عشَرَ مِنَ الشَّهرِ الثَّاني لخروجِهِم مِنْ أرضِ مِصْرَ.
2.فألَقوا اللَّومَ على موسى وهارون في البرِّيَّةِ.
3.وقالوا لهما: “ليتَنا مِتْنا بيدِ يهوه في أرضِ مِصْرَ. فهناكَ كنَّا نجلِسُ عِندَ قُدورِ اللَّحمِ ونأكلُ مِنَ الطَّعامِ حتّى نشبَعَ، فلماذا أخرجتُمانا إلى هذِهِ البرِّيَةِ لِتُميتا هذا الجمْعَ كلَّهُ بالجُّوعِ؟”

ومن سفر آخر:


4.وتَأوَّهَ الأوباشُ الذينَ بينَ بَني إِسرائيلَ شَهوةً إلى اللَّحمِ. فجاراهُمُ الكثيرونَ مِنْ بَني إِسرائيلَ وبكَوا وقالوا: “مَنْ يُطعِمُنا لحَمًا؟
5.نذكُرُ السَّمَكَ الّذي كُنَّا نأكُلُه في مِصْرَ مَجَّانا، والقِثَّاءَ والبطِّيخَ والكُرَّاثَ والبَصَلَ والثُّومَ.
6.والآنَ فنُفوسُنا يَبِسَت. لا شيءَ أمامَ عُيونِنا غير المَنِّ”.
7.وكانَ المَنُّ كَبِزْرِ الكُزبرَةِ، ولونُهُ أصفرُ مائِلا إلى البياضِ كلَونِ المُقْلِ.
8.وكانَ الشَّعبُ يَطوفونَ فيَلتَقطونَهُ ويَطحَنونَهُ بالرَّحَى، أو يَدُقُّونَهُ في الهاوَنِ، ويَطبُخونَهُ في القُدورِ ويصنَعونَهُ أقراصا رَقيقةً. وكانَ طَعمُهُ كطَعمِ قَطائِفَ بِزيتٍ،

9.ويَنزِلُ معَ نُزولِ النَّدَى على المُخَيٍّمِ ليلا.

31.وهَبَّت ريحٌ مِنْ عِندِ يهوه فساقَت طَيرَ السَّلوى مِنَ البحرِ وألقَتْهُ على المُخَيٍّمِ، على مَسيرةِ يومٍ مِنْ هُنا ويومٍ مِنْ هُناكَ حَولَ المُخَيٍّمِ، على ارتِفاعِ ذِراعَينِ عَنْ وجهِ الأرضِ.
32.فقامَ الشَّعبُ يجمَعُ السَّلوى طُولَ النَّهارِ واللَّيلِ والغَدِ، فجَمَعَ أقَلُّهم مئَتَي
كَيلَةٍ، فسَطَحوها حَولَ المُخَيٍّمِ لِتَجِفَّ.
33. وبينَما اللَّحمُ بَعدُ بَينَ أسنانِهِم قبلَ أنْ يَمضَغوهُ، اشْتَدَّ غضَبُ يهوه على الشَّعبِ فضَرَبَهم ضَربَةً عظيمةً جِدًّا.

أنا لم أقرأ ما يكفي عن برية سين ولكن من نظرة سريعة يتبين لي أنها لا يمكن أن تكون برية صن نفسها لأن سياق التوراة يدل على أنها تقع قرب سيناء ومدين وهي مجاورة للبحر كما يبدو من النص الذي يتحدث عن هبوب السلوى من البحر، وبالتالي يبدو لي أنها تقع قرب خليج العقبة، ويؤكد هذا الأمر التشابه بين اسمها وبين اسم سيناء (الذي هو في العبرية القديمة مكون من كلمة سين مضافا إليها علامة نسبة ـَيْ، أي سِيْنَيْ. وطبعا “سين” هو اسم إله القمر المعروف قديما عند الساميين).

عبادة القمر هي أمر معروف عند الساميين القدماء، والساميون البدو بالذات (والساميون الجنوبيون عموما) كانوا يعتبرون القمر أعظم آلهتهم. القمر كان أعظم آلهة اليمن القديم، ونفس الأمر ينطبق على منطقة مكة أيضا لأن إله مكة الأعظم قبل الإسلام كان هُبَل الذي هو القمر، وكعبة مكة كانت في الأساس معبدا لهبل قبل أن يتم ربطها بإبراهيم وابنه إسماعيل. بناء على كل هذا لا يستغرب أن يكون جبل سيناء وبرية سين هي أماكن تقع في شمال الحجاز مثلا أو بالقرب منه.

أنا رأيت أن الصهاينة يطلقون حاليا مسمى وادي صن Nahal Zin على واد يقع في شمال شرق صحراء النقب ويصب في وادي عربة، ويطلقون مسمى وادي فأرن Nahal Paran على واد مواز للواد الأول يقع إلى الجنوب منه ويصب أيضا في وادي عربة. لا أدري إن كانت هذه المسميات هي من اختراعهم ولكنني أظن أنها كذلك لأن هذا هو ديدنهم.

كل المواضع التوراتية التي ذكرت حتى الآن هي مواضع تقع في القسم الشرقي من التيه (باستثناء مدين التي تقع في الحجاز، وربما سيناء أيضا) والقسم الشرقي من التيه هو القسم الأهم بالنسبة لتاريخ بني إسرائيل لأنه القسم الذي أمضوا فيه معظم فترة التيه والقسم الذي وقعت فيه معظم الأحداث المهمة. أما القسم الغربي فهو الذي تطلق عليه التوراة مسمى بَرِّيَة سُور מִדְבַּר שׁוּר (wilderness of Shur)، وهو القسم هو الذي عبره بنوا إسرائيل بعد خروجهم من مصر وعبورهم للبحر المنشق كما تقول التوراة. بعض الباحثين يرون أن المقصود بسور هو خط دفاعي أقامته مصر قديما على حدود التيه الغربية لوقف تغلغل البدو.

برية سور هي المكان الذي فرت إليه هاجر جارية إبراهيم المصرية بعد أن اضطهدتها سارة زوجة إبراهيم بسبب حملها بإسماعيل، وذلك حسب ما ورد في السفر الأول من التوراة.

هذا السفر أيضا استخدم مسمى برية سور عند حديثه عن مكان سكن بني إسماعيل:

وَسَكنُوا (شعب إسماعيل) مِن حَوِيلة إلى سُوْر، مُقابِلَ مِصْرَ باتجاهِ أَسُّوْر

حويلة هي مكان غير معروف يقول البعض أنه اليمن أو شمال اليمن أو الحجاز، وسور هي غرب التيه، وأسور هي بلاد آشور (الجزيرة)، والواضح من العبارة هو أن مكان سكن بني إسماعيل كان يمتد من صحراء التيه الغربية المحاذية لمصر باتجاه الشرق (باتجاه أَسُّور)، وهذا يعني ربما أنهم كانوا يسكنون التيه والصحراء السورية بالإضافة ربما إلى الحجاز ونجد وبقية مناطق الجزيرة العربية الممتدة من اليمن إلى سور.

ما سبق هو أهم المناطق التي ذكرتها التوراة في تيه بني إسرائيل، وهناك طبعا أسماء أخرى عديدة وردت في التوراة يعتقد أنها تقع في التيه ولكن هذه الأسماء بمعظمها مجهولة ومن غير الممكن تحديدها.


الطرق البرية القديمة في الجزيرة العربية وموقع دومة الجندل


إذن عربية الصخرية كانت تشمل جبل الشراة وتيه بني إسرائيل. بالإضافة إلى ذلك عربية الصخرية كانت تشمل مناطق من بادية الشام تمتد شرقا باتجاه وادي السرحان ودُومة الجَنْدَل. دومة الجندل هي واحة تقع على الطرف الشمالي لصحراء النفود وهي بلدة ذات شهرة في النصوص الآشورية والبابلية القديمة، وكانت لها أيضا شهرة في الكتابات الإسلامية الباكرة. سبب أهميتها هو أنها تقع في نقطة تقاطع الطرق التجارية القديمة التي كانت تعبر شمال الجزيرة العربية. إلى الشمال منها يقع وادي السرحان الذي يقود إلى بصرى الشام ودمشق، وإلى الشرق منها يمتد الطريق المؤدي إلى الحيرة في العراق، وإلى الجنوب طريق صحراوي إلى جبلي طيء (حائل) ونجد، وإلى الغرب طريق إلى تبوك والحجاز. هذا الموقع هو الذي أكسب هذه الواحة أهمية في العصور القديمة. اسمها أصلا هو دُومة بضم الدال وبدون كلمة الجندل (نفس اسم دومة التي تقع قرب دمشق)، ولكن في العصور المتأخرة صار اسمها ينطق بفتح الدال وأضيفت لها كلمة الجندل (تمييزا لها ربما عن دومة أخرى كانت في العراق).

إذن النبط بسيطرتهم على دومة ووادي السرحان حققوا مكسبا تجاريا هاما، وهم أيضا سيطروا على بصرى الشام وجعلوها ربما عاصمتهم الثانية إلى جانب بطرا، وكانوا يسيطرون على تيه سيناء الذي يقود من الحجاز إلى غزة ومن مصر إلى الشرق والشمال. بهذا الامتداد الجغرافي الهام كان النبط يتحكمون بمعظم التجارة البرية المارة عبر الجزيرة العربية، وهذا ما أكسبهم ثروة كبيرة وجعل شهرتهم تصل إلى أماكن بعيدة.

النبط كانوا يسيطرون أيضا على شمال الحجاز، وتحديدا هم كانوا يسيطرون على المنطقة المسماة بحِسمى (وهي نفسها منطقة مدين القديمة على ما يبدو) وعلى البلدات الواقعة شمال وادي القرى كتَبوك وتَيْماء والحِجْر ودَدَن.

تمدد النبط داخل الحجاز وفي الصحاري الشمالية خلق بلبلة في المفاهيم لدى العرب قديما، وهذه البلبلة نراها واضحة في كتابات الجغرافيين المسلمين الذين تخبطوا في تحديد الحد الفاصل بين الحجاز والشام.

ياقوت الحموي يحدد الشام كما يلي:

وأما حدها فمن الفرات إلى العريش المتاخم للديار المصرية؛ وأما عرضها فمن جبلي طيء من نحو القبلة إلى بحر الروم وما بشأمة ذلك من البلاد… وطولها من الفرات إلى العريش نحو شهر وعرضها نحو عشرين يوما.

هو يقول أن الشام تمتد من جبلي طيء (أي من حائل في شمال نجد) إلى بحر الروم، وهذا يعني أنه يعتبر عربية الصخرية بكاملها من بلاد الشام، بما في ذلك مدن شمال الحجاز كتبوك وتيماء.

تأكيدا لهذا المفهوم نجد القول التالي المنسوب إلى أحمد بن يحيى بن جابر تحت مادة تبوك:

توجه النبي صلى الله عليه وسلم في سنة تسع للهجرة إلى تبوك من أرض الشام وهي آخر غزواته لغزو من انتهى إليه أنه قد تجمع من الروم وعاملة ولخم وجذام فوجدهم قد تفرقوا فلم يلق كيدا

وفي مادة تيماء نجد التالي:

تيماء: بالفتح والمد. بُلَيد في أطراف الشام بين الشام ووادي القرى على طريق حاج الشام ودمشق

إذن ياقوت الحموي يعتبر أن الشام تنتهي عند حدود وادي القرى وأن وادي القرى هو أول الحجاز. هذا المفهوم ليس خاصا بياقوت فقط بل هو موجود عند آخرين غيره، كالقزويني مثلا الذي يقول:

الشام هي من الفرات إلى العريش طولا، ومن جبلي طيء إلى بحر الروم عرضا

في المقابل هناك آخرون لديهم مفهوم مخالف، كالإصطخري الذي يقول ما يلي:

وأما الشام فإن غربيها بحر الروم، وشرقيها البادية من أيلة إلى الفرات، ثم من الفرات إلى حد الروم، وشماليها بلاد الروم، وجنوبيها حد مصر وتيه بني إسرائيل، وآخر حدودها مما يلي مصر رفح، ومما يلي الروم الثغور، وهي ملطية والحدث ومرعش والهارونية والكنيسة وعين زربة والمصيصة وأذنة وطرسوس والذي يلي الشرقي والغربي مدن قد ذكرها في تصوير الشام، ” وفي إعادتها تطويل “. قد جمعت الثغور إلى الشام، وبعض الثغور تعرف بثغور الشام، وبعضها تعرف بثغور الجزيرة، وكلاهما من الشام، وذلك أن كل ما وراء الفرات من الشام، وإنما سمي من ملطية إلى مرعش ثغور الجزيرة، لأن أهل الجزيرة بها يرابطون وبها يغزون، لا لأنها من الجزيرة.

الإصطخري يرى أن الحد الجنوبي للشام يبدأ من أيلة ويسير بمحاذاة تيه بني إسرائيل إلى الجفار. إذن هو يخرج حسمى وتبوك وتيه بني إسرائيل من الشام.

هناك مفهوم مشابه لمفهوم الإصطخري في معجم البلدان تحت مادة سرغ:

سرغ: بفتح أوله وسكون ثانيه ثم غين معجمة سروغ الكرم قضبانه الرطبة الواحدة سرع بالعين والغين لغة فيه. وهو أول الحجاز وآخر الشام بين المغيثة وتبوك من منازل حاج الشام وهناك لقي عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمراء الأجناد وبينها وبين المدينة ثلاث عثرة مرحلة. وقال مالك بن أنس: هي قرية بوادي تبوك وهي آخر عمل الحجاز الأول وهناك لقي عمر بن الخطاب من أخبره بطاعون الشام فرجع إلى المدينة

هذا الكلام الذي أورده ياقوت في كتابه ينسف كلامه السابق عن حدود الشام، مما يدل على أنه نقل هذا الكلام من أحد المصادر بدون أن يفكر فيه، أو ربما هو لا يعلم أين تقع سرغ. سرغ حاليا تسمى المُدَوَّرة وهي تقع في أقصى جنوب الأردن قرب الحدود السعودية على طريق تبوك.

بالإضافة إلى المفهومين السابقين لحدود الشام نجد مفهوما ثالثا أورده ياقوت نقلا عن إبراهيم الحربي تحت مادة الحجاز:

وعن إبراهيم الحربي أن تبوك وفلسطين من الحجاز

إذن يمكننا أن نقول أن حدود الشام عند المسلمين تتراوح ما بين أن تكون ممتدة في عمق الجزيرة العربية إلى حدود جبل شمر وما بين أن تكون منحسرة إلى ما قبل فلسطين. هذه هي البلبلة التي قصدتها.

قرأت لكاتب يهودي معاصر نظرية يحاول فيها أن يشرح سبب هذه البلبلة. هو يقول أن سبب اعتبار المسلمين لتيماء من الشام هو أن عمر بن الخطاب عندما أخرج اليهود من الجزيرة العربية لم يخرج يهود تيماء، ففسر المسلمون هذا على أن تيماء من الشام وليست من الجزيرة العربية. طبعا أنا أستبعد صحة هذا الكلام ولذلك لسبب بسيط هو أن غالبية الآراء القديمة والمعاصرة تقول أن عمر بن الخطاب أخرج اليهود من تيماء ولم يبقهم فيها، وياقوت الحموي نفسه عندما تحدث عن تيماء نقل هذا الرأي الذي يقول بأن عمر أخرج اليهود منها. وبالتالي الربط بين حدود الشام وقصة يهود تيماء هو في رأيي نظرية غير صحيحة.

سبب البلبلة حول حدود الشام يعود ببساطة إلى تاريخ منطقة عربية الصخرية. هذه المنطقة تغيرت حدودها كثيرا عبر التاريخ وكذلك تغير تواجد الرومان فيها ومدى سيطرتهم عليها، ولهذا السبب نشأت البلبلة عند العرب حول هويتها وما إذا كانت من الشام أم الحجاز.

أنا قلت سابقا أن جبل الشراة في التاريخ القديم (مثلا في التوراة) لم يكن يعتبر من منطقة عبر الأردن، وأيضا أنا بينت رأيي في أن هذا الجبل هو ربما نفسه جبل شعير التوراتي، أي أن هذا الجبل هو باختصار جزء من الجزيرة العربية طالما أنه ليس من شرق الأردن ولا من فلسطين.

السؤال هو هل جبل الشراة جزء من الحجاز أم من بادية الشام؟ طبعا ياقوت الحموي يعتبر أنه من الشام:

والشراة أيضا صقع بالشام بين دمشق ومدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بعض نواحيه القرية المعروفة بالحميمة التي كان يسكنها ولد علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب في أيام بني مروان.

وياقوت يعتبر أيضا أن حسمى من بادية الشام، وهذا أمر مفهوم طالما أن الشام عند ياقوت تصل إلى حائل. ولكن أغلب الكتاب الغربيين حاليا يعتبرون أن جبال حسمى هي امتداد جيولوجي لجبال سراة الحجاز ولهذا السبب حسمى عندهم تعتبر امتدادا للحجاز وجزءا منه.

الحدود الحالية بين الأردن والسعودية مبنية على هذا الفهم. حاليا حسمى تشكل أقصى شمال الحجاز في السعودية والشراة والعقبة تشكل أقصى جنوب الأردن.

جبل الشراة هو في رأيي ليس من الحجاز وإما من بادية الشام أو من تيه بني إسرائيل. الحد الشمالي للحجاز في رأيي هو تقريبا وادي رَمّ الذي يفصل جبال الشراة عن جبال حسمى.

بالنسبة لتيه بني إسرائيل فهو حاليا لا يصنف من ضمن الجزيرة العربية رغم أنه تاريخيا جزء منها. وصف سكان تيه سيناء بالعرب هو أمر قديم يعود إلى زمن الآشوريين والبابليين. أيضا السفر الأول التوراتي يقول أن إخوة يوسف باعوه لتجار مدينيين أو إسماعليين راحلين إلى مصر، والمدينيون والإسماعيليون هي مرادفات للعرب. هيرودوت قال بصراحة أن العرب كانوا يسكنون شبه جزيرة سيناء في زمانه، وعلى الأغلب أن كل كلام هيرودوت عن العرب كان يقصد به عرب شبه جزيرة سيناء هؤلاء، ومن وصفه لهم يتبين أنهم كانوا عربا كالعرب المعروفين الآن وليسوا آراميين أو عبرانيين مثلا. هيرودوت أطلق مسمى “عربية” على شبه جزيرة سيناء وصحراء شرق مصر، ومن بعده ظهر مسمى عربية الصخرية عند بطليموس وغيره والذي كان يشمل صحراء سيناء.

في الكتاب المقدس المسيحي (“العهد الجديد”) هناك نص لرسالة أرسلها القديس بولس إلى سكان مدينة غلاطية قي آسيا الصغرى، وفي هذه الرسالة يذكر بولس جبل سيناء ويصفه بعبارة “جبل سيناء في العربية” mount Sinai in Arabia. بولس كتب هذه الرسالة في القرن الأول الميلادي وعلى الأغلب أنه قصد بجبل سيناء الطور المعروف في جنوب شبه جزيرة سيناء.

اسم وادي عَرَبة هو ربما مأخوذ من كلمة عَرَبة עֲרָבָה العبرية أو الكنعانية، وهذه الكلمة تعني الصحراء أو البرية وهي مشتقة من الجذر عرب الذي هو نفسه الجذر الذي اشتق منه اسم العرب، وياقوت الحموي كان يدرك هذا الأمر ولذلك قال في بداية ترجمته لعربة:

عربة: بالتحريك. وهي في الأصل اسم لبلاد العرب.

إذن وادي عربة وتيه بني إسرائيل هي مناطق مرتبطة بالعرب منذ القدم. أما البلقاء والحوران وفلسطين فهي مناطق وصفها اليونانيون منذ القدم بأنها من سورية. هيرودوت مثلا قال حرفيا أن جنوب غزة يسكنه العرب وشمالها يسكنه السوريون. كلمة “السوريين” عند اليونانيين القدماء لم تكن تعني شعبا واحدا وإنما كانت مصطلحا عاما يطلقونه على كل سكان سورية الكبرى، وهم كانوا يدركون أن هذه المنطقة لا يسكنها شعب واحد وخاصة المتأخرين منهم كإسطرابون مثلا الذي ذكر أن سكان سورية ليسوا شعبا واحدا.

الرومان سيطروا على مملكة النبط في عام 62 قبل الميلاد، وفي عام 106 ميلادي ألغى ترايان هذه المملكة وحولها إلى مقاطعة رومانية باسم عربية الصخرية، وهذه المقاطعة (كغيرها من المقاطعات التي تقع في منطقة سورية الكبرى) كانت تابعة إداريا لحاكم سورية العام المقيم في أنطاكية.

الرومان اهتموا بالمقاطعة العربية وكان في نيتهم المحافظة عليها، ولهذا السبب بدؤوا فور إنشائها بشق طريق كبير يمتد من بصرى إلى العقبة، وهذا الطريق عرف باسم “الطريق التراياني الجديد” Via Traiana Nova (تمييزا له عن الطريق التراياني القديم الموجود في إيطاليا). الرومان كان من عادتهم فور استيلائهم على منطقة شق طريق سريع يوصل إليها لتسهيل نقل القوات إليها بسرعة عند الحاجة.

المقاطعة العربية في بدايتها كانت تضم فقط صلخد وبصرى من حوران (وبصرى كانت العاصمة)، ولكن الرومان وسعوها تدريجيا حتى صارت في نهاية القرن الثاني (في عهد Septimius Severus) تضم جبل العرب (Auranitis) واللَجاة (Trachonitis) (والمقصود باللجاة الهضبة البركانية الممتدة بين جبل العرب وريف دمشق). وفي نهاية القرن الرابع غير ديوقلطيان Diocletianus التقسيم كليا حيث أنه جعل حوران مع معظم شرق الأردن مقاطعة باسم عربية (Provincia Arabia)، أما المناطق الممتدة جنوب وادي الموجب وحتى حدود مصر (التي وصفتها سابقا) فجعلها مقاطعة جديدة باسم فلسطين الثالثة Palaestina Tertia أو فلسطين الصحيحة Palaestina Salutaris. وهذه التقسيمات ظلت قائمة حتى الفتح الإسلامي وهي تمثل أساس التقسيم الإسلامي إلى أجناد (جند فلسطين هو فلسطين الأولى وجند الأردن هو فلسطين الثانية، أما عربية وفلسطين الثالثة فكلتاهما ضمتا إلى جند دمشق باستثناء تيه سيناء ربما).

بالنسبة لمناطق شمال الحجاز كتبوك والحجر فهذه المناطق كان الباحثون سابقا يعتبرون أن وجود الرومان فيها كان اسميا، وهم كانوا يستندون في هذا الاعتقاد إلى أن هذه المناطق كانت تقع ضمن ما سماه الرومان باسم “الحد العربي” Limes Arabicus، وكلمة “الحد” limes تعني عند الرومان محيطا دفاعيا. كثير من الباحثين كانوا يرون أن الرومان كانوا يستعينون بقبائل عربية لحماية الحد العربي ولم يكن لهم تواجد حقيقي في تلك المنطقة، ومما دعم اعتقادهم هذا المعطيات التاريخية التي تقول بأن الرومان بدوؤا منذ القرن الرابع على الأقل يعتمدون في حماية حدود “الشرق الروماني” Oriens Romanus على أحلاف foederati من القبائل العربية كقبيلة تنوخ (القرن الرابع) وبني صالح (القرن الخامس) والغساسنة (القرن السادس).

ولكن التنقيبات الأثرية التي جرت في أواخر القرن العشرين في شمال الحجاز وبادية الشام أظهرت صورة مغايرة، حيث أن التنقيبات أظهرت أن الرومان كان لديهم خط دفاعي حقيقي يمتد من شمال شرق وادي السرحان ويمتد حتى مدينة الحجر الأثرية، وهذا الخط كان مكونا من حصون عسكرية castra (من هذه الكلمة جاءت كلمة “قصر” العربية) تضم جنودا رومانا نظاميين، وعثر في مدينتي تبوك والحجر على بقايا لحاميات عسكرية رومانية نظامية، وفي مدينة الحجر عثر على نقوش لاتينية تؤكد تواجد الرومان في هذه المنطقة التي تقع على حدود وادي القرى من جهة الشمال. وعثر حديثا قرب مدينة العقبة على بقايا لمعسكر روماني كان يضم فيلقا رومانيا كاملا.

ليس هذا فقط بل إن المستشرقين والباحثين توصلوا من خلال قراءة النقوش التي عثر عليها في مدينة الحجر إلى مفاجآت، ومن هذه المفاجآت أن سكان الحجر من العرب كانوا يعتبرون أنفسهم يعيشون في الدولة الرومانية.


“نقش رقوش”. الكتابة العمودية على اليمين هي بالخط “الثمودي” وتقول “ذن رقش بنت عبد منت” (هذه رقوش بنت عبد مناة)


من النقوش الشهيرة والمهمة التي عثر عليها في الحجر “نقش رقوش” الذي يعود للقرن الثالث الميلادي، ومايلي هو نصه بالكتابة النبطية:


تا قبرو صنعه كعبو بر
حرتت كرقوش برت
عبد منوتو امه وهي
هلكت في الحجرو
سنت مئه وستين
وترن بيرح تموز ولعن
مري علما من يشنا القبر
دا ومن يفتحه حشي[و]
ولده ولعن من يقبر ويعلي منه

هذا النص ينتمي لصنف الكتابات النبطية المتأخرة التي يسميها المستشرق Knauf باسم Arabo-Aramaic، بمعنى أنها خليط من العربية والآرامية. الكلمات باللون الأزرق هي آرامية والكلمات الباقية هي إما عربية أو مشتركة بين العربية والآرامية.

ما يلي هو ترجمة النص إلى اللغة العربية الحالية، وبالنسبة للجزء الملون بالأحمر فترجمته هي تكهن من عندي لأنني وجدت أن المصادر غير متفقة على ترجمته (وحتى قراءته غير أكيدة لأن الكتابة النبطية غير منقطة وبالتالي الكلمة التي قرأها المستشرقون “حشي” ربما تكون “خسي” مثلا):


هذا قبر صنعه كعب بن
حارثة لرقوش بنت
عبد مناة أمه وهي
هلكت في الحجر
سنة مئة وستين
واثنين بشهر تموز والعن
سيد العالم من يعتدي على القبر
هذا ومن يفتحه ؟
ولده والعن من يقبر فوقه

طبعا مثل هذا النص هو أمر معتاد لدى عرب الشمال في تلك الأزمنة الذين كان معظمهم يتقن الآرامية ويكتب بها، ولكن الملفت فيه هو أن كاتبه يعتبر سنة إنشاء إقليم عربية الصخرية الروماني (سنة 106) بداية للتقويم، ولهذا السبب هو كتب “سنة مئة وستين واثنين” التي تعادل سنة 267 بالتقويم الميلادي. هذا الأمر يدل على أن كاتب النص كان يعتبر نفسه مقيما في الدولة الرومانية وليس مجرد حليف (foederatus) للرومان.

حاليا الباحثون يرون أن إقليم العربية كان مستقرا جدا تحت حكم الرومان ولم يكن له علاقة بالصورة التقليدية التي كانت تصوره على أنه منطقة صراع دائم مع قبائل البدو. هناك مستشرقون نبهوا إلى نقطة لافتة وهي أنه خلال فترة الحرب الأهلية الرومانية في نهاية القرن الثاني الميلادي كان موقف مقاطعة العربية منحازا إلى الغرب (إلى Septimius Severus المتمركز في روما) ضد الشرق (المتمثل في Pescennius Niger المتمركز في أنطاكية عاصمة سورية). في تلك الفترة كل المقاطعات الشرقية بايعت Niger ما عدا مقاطعة العربية التي ظلت موالية لـ Severus من البداية إلى النهاية، ولهذا السبب فإن Severus بعد أن احتل سورية في عام 194 نكل بها وفصل جبل العرب واللجاة عن سورية وضمهما إلى العربية ونقل على ما يبدو مقر الفيلق الروماني المتمركز في القدس إلى العربية.

التواجد الروماني ثم البيزنطي في شمال الحجاز ظل قائما حتى القرن السادس، وهو القرن الذي ولد فيه الرسول. القرن السادس كان من أسوأ القرون في تاريخ الدولة البيزنطية لأنه شهد سلسة من الكوارث الداخلية والحروب الخارجية المدمرة، ولهذا السبب ربما فإن البيزنطيين سحبوا قواتهم من جنوب سورية وأوكلوا مهمة حماية هذه المنطقة بالكامل لحلفائهم الغساسنة، والغساسنة انهاروا في بداية القرن السابع فانفتح الطريق أمام عرب الحجاز المسلمين لكي يندفعوا شمالا ويسقطوا السيطرة البيزنطية عن سورية بالكامل.

هذا التاريخ في رأيي يشرح سبب البلبلة لدى المسلمين في تحديد حدود الشام، لأن هذه الحدود تراجعت بسرعة خلال فترة قصيرة من الزمن لا تتجاوز القرن. البيزنطيون في نهاية القرن الخامس كانت لديهم حاميات في تبوك والحجر، ولكنهم خلال القرن السادس تراجعوا شمالا وتركوا مناطق عربية الصخرية بالكامل للغساسنة، ثم بعد ذلك انهار الغساسنة وأصبح جنوب سورية البيزنطية عمليا جزءا من مناطق جزيرة العرب التي لا تخضع لسيطرة أحد.

Advertisements

6 thoughts on “بلاد العرب (2)

  1. تحية طيبة. هل اطلعت على كتاب خفايا التوراة ل كمال الصليبي؟سؤالي إشارة إلى محاولته قراءة النص البيبلي قبل التحريك الماسوري الذي انتهى في القرن العاشر الميلادي ما أفقد النص بعضا من قيمته التأريخية وكثيرا من دلالاته الجغرافية. أذهب إلى موافقة الصليبي على ضرورة النص البيبلي من جديد. أدعوك إلى قراءة الخفايا. في قراءتك النص القرآني، لعل من المفيد أن تطلع على قواعد عالم سبيط النيلي في فهم الآيات القرآنية.تابع كتاباتك ونتابع قراءتك. 

    • أهلا بك. لا أدري ماذا تقصد بكلمة النص “البيبلي” ولكن إن كنت تقصد نص الكتاب اليهودي فأنا أتفق معك وأصلا كل الكلمات العبرية في المقال لا علاقة لها بالحركات الماسورية ولكنني قمت بضبطها حسب ما قرأته في كتب المستشرقين المختصين بعلم اللغويات السامية المقارنة…

      أما بالنسبة للكتاب المذكور فالجواب هو لا لم أطلع عليه…

  2. بالنسبه لقبر رقوش فهي لغه حكليه ظفاريه ومازأل اهل المنطقه يتكلموا بها وكلمه حشي معنها التراب وكلمه يشنا تعني يشوف او يراء. وكلمه بر يعني ابن وكلمه بريت تعني بنت.وكلمة بيرخ تعني في شهر.وكلمه ذأ تعني هذأ.

    • أهلا بك… أنا أعلم بوجود عدة لغات في ظفار وشرق اليمن ولكنني لم أسمع من قبل بكلمة حكلية… المستشرقون يذكرون المهري والجبالي (الشحري) والهوبيوت والحرصوصي والبطحري والسوقطري… فأي واحدة من هؤلاء تقصد بكلمة حكلي؟… ربما تقصد الجبالية/الشحرية؟

      بالنسبة للتشابه بين لغة قبر رقوش واللغات التي ذكرتها فهذا أمر طبيعي لأسباب سوف أتحدث عنها يوما ما في المدونة…

      بالنسبة للخط الثمودي في نقش رقوش فهو بلغة يطلق عليها المستشرقون اسم Thamudic D (الثمودية D) وهذه التسمية هي مجرد تسمية مؤقتة إلى حين دراسة اللغة والعثور على اسم مناسب لها… المستشرقون لم يدرسوا حتى الآن هذه اللغة ومعلوماتهم عنها شبه معدومة لأن أغلب النقوش بهذه اللغة مكتشفة حديثا ولم تنشر بعد… أنا رأيت صورا لبعض النقوش بهذه اللغة عثر عليها هواة ونشروها على الإنترنت… هاتان الصورتان مثلا هما لنقوش بهذه اللغة تعود إلى منطقة المدينة المنورة:


      http://desmond.imageshack.us/Himg821/scaled.php?server=821&filename=zzzzzzzzzzzzzzzzzzzzzzzj.jpg&res=landing

      هذه النقوش على ما أعتقد مكتوبة باللغة Thamudic D… بعد أن تنشر هذه النقوش وغيرها وتدرس سوف يتكون لدى الباحثين تصور أفضل عن اللغة Thamudic D… المعروف حاليا عن هذه اللغة هو أنها كانت مستخدمة في منطقة مدائن صالح والمدينة… وهي طبعا تنتمي إلى مجموعة اللغات العربية الشمالية القديمة التي يطلق عليها اعتباطا اسم اللغات الثمودية… التشابه بين هذه اللغات وبين لغات ظفار والمهرة لا يعني أنها نفس اللغات ولكنه يعود إلى عوامل أخرى… أنا سوف أتحدث يوما ما عن موضوع اللغات القديمة في الجزيرة العربية بالتفصيل…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s